مقالات

الاسباب والمسببات المحلية التي تسهم في تلويث النفوس

1.القيادات السياسية غير الديمقراطية :

تلعب القيادة السياسية في الدول غير الديمقراطية دوراً حاسماً في توجيه شعوبها بحسب ما تشتهيه مصالحها الذاتية المريضة ، وقد وصفها (فروم Fromm) : ” بأنها لا تستطيع ان تستحوذ على الجماهير وتحركهم بناءاً على العقل وانما تهتم بـ (اطلاق وتحريك القوى الشيطانية في الانسان) (فروم ، 1972 ، ص: 14) .

كما يرى (زريق ، 1980 ، ص: 397) : ” ان اخطر ما تقوم به الحكومات هو تسييس التربية وجعلها اداة كسب سياسي لزعيم متسلط ، وهنا يختلط الفهم بين الولاء للقائد والولاء للوطن ” .

2.وسائل الاعلام المرئية الملوثة :

لم يشهد تاريخ العالم كمثل هذا النشاط الاعلامي المرئي المعاصر بكل انواعه ، والى الحد الذي حّول العالم الى كرة زجاجية شفافة لا تخفى فيها خافية ، وبالقدر الذي خدمته تلك الوسائل ، الا انها اُستغلت من قبل المفسدين ، فمثلاً يذكر (لطفي ، 2001 ، ص: 36) ” انها استطاعت اختراق الحياة الانسانية من دبرها ” ، ويذكر (عويد ، 2000 ، ص:70) ” ان اطفال اليوم يشاهدون على الشاشة التلفازية مشاهد الجنس والمجازر الحربية وحالات الاحتضار في المشافي والفضائح الاخلاقية ” ، كما يرى (عويدات ، 1996 ، ص: 380) ” ان التلفاز اصبح واسطة التنشئة الاجتماعية والثقافية المنافسة للعائلة والمدرسة ، فظهر نوع من الثقافة يسميها البعض (بالثقافة التلفازية او المرئية) التي تثير الجذب والاهتمام والى الحد الذي لا تترك لمشاهديها فرصة كافية للتأمل والتفكير ” ، وتؤكد دراسة (التل ، 1989 ، ص: 98) ” ان معارف الطلبة تتعرض الان لمنافسة قوية من وسائل اخرى كالتلفاز والفديو ” .

ويكمن خطر هذه الوسائل من خلال دراسة (Hawkins , 1987 , P : 573) ” في ان المشاهدين الدائمين للتلفاز اكثر قابلية لتصور الواقع على انه اقرب الى الواقع التلفازي ” . ويصف (Lawery , 1988 , P:353) ” هذه الحالة بـ (التحذير بالتلفاز Television Intoxication) .

وبذات الاتجاه فأن الطالب (الشاب) حينما يشاهد من خلال التلفاز العديد من فرسان عصره (من مطربين وممثلين ورياضيين) الذين اختصروا طريق المجد وحققوا الجاذبية الاجتماعية والثراء المالي دون حاجة اغلبهم الى الشهادة قد اضعفت دافعيتهم للدراسة والاهتمام بالمعرفة العلمية في مقابل تزايد ميلهم لنوع الثقافة التي يستعرضها اولئك الفرسان !

وفي دراسة (عوض ، 1997، ص:326-328) ” عرض نوعين من المسلسلات احداها (غربي) والاخر (ياباني) خلال قنوات التلفاز المصرية ، وكان عنوان المسلسل الغربي هو (الجريء والجميلات) والياباني هو (اوشين) والمسلسلان يعرضان قيماً متناقضة الى حد كبير ، ففي الاول تجد الفردية المتطرفة والنجاح على حساب الاخرين والعلاقات غير الشرعية والاستهلاك المظهري ، اما الثاني فيظهر العمل الشاق لاجل النجاح والاعتماد على النفس والتضحية في سبيل الاسرة والجماعة والولاء لقيم والشعور بالانتماء ، وقد كانت النتيجة : ان الميل العام للمشاهدين الشباب كان نحو المسلسل الغربي والى حد التعبير: (يعيش الغربي …. ويسقط الياباني) ، هذا الامر دفعنا الى القول بأن الانفتاح على الاخرين هو ليس انفتاحاً سوى على النمط الغربي وفي حدود هذا النوع من الثقافة ” .

كما دلت دراسة تجريبية (اجراها الباحث) على عينة من طلبة جامعة الموصل خلال مشاهدتهم فيلم درامي : (سرقة مصرف) بكامل التفاصيل الدقيقة للسرقة ، قد اثار انتباههم واهتمامهم من خلال الحماس بالتعبير والوصف الدقيق والاعجاب بها ، واثار فيهم استحضار خبراتهم لمشاهد تلفازية وواقعية اخرى ، وقد بلغت الذروة فيهم حينما سألهم الباحث : (لو تهيأت لكم فرصة القيام بالسرقة كما حصل في الفيلم المشاهد ، فهل انتم فاعلون؟) فجاءت تعابير بالرفض الخجول والمشوب بالابتسامة (محمد ، 2002 ، ص:10) . وبالتالي نخلص الى ما نبه اليه (ماكلوهان) من خطورة هكذا وسائل اذا ما أسيء استخدامها وملخصاً رأيه بالقول : (الوسائل هي الرسائل) (ابو زيد ، 1990 ، ص: 107) .

التنشئة الاسرية المضطربة :
اكد (Frick , 1991, P: 114) ” ان الاسر المفككة تولد سلوكاً لا اجتماعياً لدى ابنائها وتشجع فيهم – بشكل مباشر او غير مباشر – نمط السلبي بشكل اكـبر واسـرع ” . وتؤكد دراسة (والي ، 1990 ، ص: 31-32) ” ان الابناء الذين يتعرضون لسخط وشراسة آبائهم ، فأنهم يتعلقون باصدقاء السوء الذين يوفرون لهم سبل التنفيس السريع للمشاعر السلبية التي يحملها اولئك الابناء لآبائهم ” .

كما اشارت دراسة (الحسن ، 1973 ، ص: 154-163) الى ” ان ابناء الطبقة العاملة يشاهدون التلفاز اكثر من ابناء الطبقة الوسطى في العراق ، وهذه الطبقة تترك الجهاز مفتوحاً حتى ولو كان اولادهم يؤدون واجباتهم المدرسية وبذلك سيكون التأثير السيء في ابنائهم بأتجاهين : الاضرار بدراستهم والتأثر بالمشاهد التفازية ، وهم بذلك يخالفون بعض عائلات الطبقة الوسطى التي تمنع ابناءها من مشاهدة التلفاز خلال اداء واجباتهم الدراسية ، وهذا الاختلاف ناتج التباين في اسلوب التربية بين الطبقتين ، حيث يتميز اسلوب التربية في الطبقة الدنيا – بصورة عامة – بالقسوة والتسيب وضعف متابعة ابنائهم ، في حين يقوم اسلوب التربية في الطبقة الوسطى على النصح والارشاد والمتابعة لابنائها ”

الحروب :
عموماً ، تهدد (الحروب بكل انواعها) المعاني الانسانية ، وتسهم في تلويث النفـوس ، فقد اشار (حميدي ، 1998 ، ص:77) الى ” ان الحرب العالمية الثانية اظهرت نتائج خطيرة على العراقي ، كادت ان تؤدي الى تلاشي الايمان بالمثل العليا والفضيلة والصدق والاخـلاص ، حينما برزت جملة من الظواهر السلوكية السلبية كالرشوة والاختلاس والغش والاحتكار وزيادة عدد المتسولين والمشردين والسرقة والاغتصاب والقتل والبغاء والمقامرة ، بحيث سادت الفوضى ، وعلى حد قول احد النواب : اصبح القوي يأكل الضعيف بالرغم من وجود ، لكون الحكومة قد اقتصر دورها على دور المتفرج لا تدري ماذا تفعل ، واصبحت القيم الانسانية النبيلة في وضع لا تحسد عليه ، كما اصبحت النزاهة والعفة والاخلاص موضع ازدراء وسخرية واصبح الموظف الذي لا يرتشي لا يوصف الا بالاهوج او الابله ” .

ويضاف الى ما ذُكر من مسببات ، فقد لخصت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (السكو) وضع الثقافة العربية في نهاية القرن العشرين من خلال ثلاث سلبيات اساسية هي : قصور الاستشراف المستقبلي وثقل القيود على الحريات وسيادة الاعلام الترفيهي (حسين ، 1999 ، ص: 25-26) .

5/5 (1 Review)
الوسوم
اظهر المزيد

Mohammad.J.Jamil

باحث نفسي و مختص في علم النفس الايجابي و قياس النفسي من جمهورية العراق . لمزيد من المعلومات او التعاون العلمي يمكنكم مراسلي على الايميل التالي:[email protected]
زر الذهاب إلى الأعلى