مقالات

التلوث النفسي و التطور الحضاري في المجتمعات الانسانية (نظرة فلسفية -نفسية)

من المعلوم أن هي روح الفكر ، وكل فكرة لا تثير شهية التفلسف لا يمكنها البقاء وضمان انتشارها (زمانيا ومكانيا) ، الا انه من المتوقع أن تظهر لأية فكرة جديدة وفي بداية نشوئها ، الشك وصعوبة استساغتها او قد تتعرض للبطلان اذا ما افتقرت الى الاسس المنطقية والموضوعية او اذا لم تكن قادرة على الاقناع .

والمنطق الذي نعتمده في فكرة ” التلوث النفسي ” هو منطق واقعنا الذي نعيشه . ذلك الواقع الذي يشهد شيوع ظاهرة سلبية لم يؤلف تفاقم حجمها بهذا الشكل والمضمون المهددين لوجود خصوصياتنا وقيمة هويتنا الحضارية ، مع القناعة الراسخة على انه ما يتوافر من او افكار او معاني في الادبيات التربوية والنفسية والاجتماعية . فلا يمكنها أن توازي دقة المعنى المناسب لهذه الظاهرة ، لكنها يمكن أن تكون روافد معززة تسهم في اضاءة المعنى الذي نتوخاه في البحث الحالي .

من جانب اخر ، فان فكرة التلوث النفسي لم تاتِ من فراغ ، بل أن لها قضية ذات جذور واوليات يمكن عدها بمثابة تاريخ في اصل نمو الفكرة ، ذلك التاريخ الذي يحكي معنى التطور الحضاري الانساني ، وحيث أن هذا التاريخ يمكن افتراض تنظيمه على وفق المخطط  (3) .

 

  • التطرف

ويعد نمطا من انماط الاستجابة المميزة بالشدة والحدة في الابتعاد الوسط او الاعتدال وباتجاه التطرف السلبي ، لذلك تميل إلى اخذ موقف متشدد مع كل من تعتقده مهدد لوجودها واهدافها ،فاذاً ينم التطرف شخصية سلبية ذات ، هي :-

(التصلب rigidity ، الانغلاق الفكري dogmatism ، التعصب prejudice ، الهوس العقائدي fanaticism ، النفور من الغموض intolerance of ambiguity ، الارهاب terrorism ) (عيسى، 1998 ، ص: 78) .

وينشا التطرف نتيجة اساليب تنشئة وتربية خاصة وفق منطلقات (فكرية ، دينية ، مذهبية ، قومية ، جنسية ، مستوى اقتصادي او تعلمي او اجتماعي…) ، اما ابرز خصائص المتطرفة ، فهي :-

  • الشعور المبالغ بالاضطهاد .
  • قصور التبصر بالحقائق وافتقارها للموضوعية وروح المنطق .
  • قصور ثقتها بغير عصبتها او ملتها .
  • معبأ دائماً للصراع الشكلي او الفعلي وانها لا تخلو من المشاعر العدوانية .
  • تتسم بسلوك انفعالي .
  • تقل معها مشاعر التسامح .
  • الطاعة العمياء لقياداتها ، كما انها ترفض أي نوع من النقد الموضوعي تجاه تلك القيادات. (الجميلي ، 2003، ص: 26-27) و (الكيال ، 1977 ، ص: 249) .

2-التقليدية Traditionism

تمثل التقليدية منبع الاصول الثقافية للمجتمعات ، وهي تشكل معنى التكوينات الاولى في الفكر الانساني المتنوع ، لذا فهي غالباً ما ترفض التغير بكل اشكاله ، لأنها تعول على الموروث وعده المصدر الاوحد في تكيفها مع واقعها ، كما يتميز مجالها الحيوي بالمحدودية ، لذلك يمكن فهم سلوك التلقائي بالاستناد إلى استقراء خصائص او ملامح موروثها .

اما ابرز خصائصها :-

  • وصفها (دانييل ليرنر Lerner) بانها تمتاز -غالباً- بجهلها التعليمي وقصور اهتمامها بوسائل الاعلام وعدم قدرتها على اظهار نفسها وافتقارها الى اراء معينة حول والظواهر الاجتماعية ولا يهمها سوى منزلها ومجتمعها المحلي الضيق وعشقها للماضي (رابي ، 1995 ، ص: 51-52).
  • تتسم بسلوك عفوي يوحي بالتلقائية (عبار 1997 ، ص:13) .
  • لا تحبذ التكنولوجيا بل تفضل استعمال الادوات والاشياء التقليدية – البسيطة – .
  • تفضل المهن التراثية والمتوارثة من الاباء وتلتزم بارتداء الملابس الفلكلورية الشعبية .
  • تحبذ العيش وسط عائلتها الكبيرة .
  • تعتز كثيرا بولاءاتها القبلية والعشائرية والعائلية .
  • تحبذ اسلوب العلاج الشعبي وتؤمن بالتعاويذ والخرافات والغيبيات وتبالغ بالحض والقدر (الماجد ، 2000 ، ص: 40-43) .

3- الانتقالية Transesim

يرى (دانييل ليرنر D.Lerner) بان لها متداخلة بين التقليدية والحداثة . الا أن اغلب افرادها يفتقرون للتعليم والتعبير رأيهم واغلبهم من الذين ولدوا في مدن صغيرة او في قرى ثم هاجروا الى المدن الكبيرة (رابي ، 1995، ص:52) .

4- الحداثة Modernism

يعد مصطلح الحداثة من المصطلحات التي تحمل في طياتها العديد من المرادفات من مثل : التنوير (اموري ، 1993 ، ص:144) وعصر النور (كوخ ، 1963 ، ص:183) والانفتاح والعصرية والتجديد والنهضة والعولمة والتقدمية ….

ويرى فيها (تورين ، 2000، ص:117) بأنها انقلاب على كل ما هو تقليدي وساكن في الحياة باتجاه البحث افق افضل للفرد والمجتمع وعن نظام اجتماعي عقلاني . وفكر الحداثة دفع إلى نشوء العديد من التيارات والحركات الثقافية الرائدة ، ومن ابرزها (مثلا) المستقبلية Futurism التي نشأت في ايطاليا وكانت تدعو إلى نبذ التقليد والى التعبير دينامية الحياة العصرية بافضل صورها .. لقد اسهمت مثل هذه الحركة في القضاء على الفاشية الايطالية (Augros , 1984 , p p: 170 – 171) .

كما يرى فيها (بيرك ، 2002 ، ص:238) “هيمنة سلطة العقل على الجهل والنظام على اللانظام وسلطة العلم على الخرافة ” .

اما ابرز خصائص الحديثة او العصرية :-

  • ترى (المسند ، 1998 ، ص:26) “انها تمثل اتجاهات ومشاعره باتجاه تنمية انتمائه لوطنه” .
  • كما وصفها (انكلس وسمث Inkeles & Smith /1976) ” بقدرتها على المشاركة النشطة والفاعلة بقضايا العامة ومعتمدة في ذلك على المنطق والعقل ولها الاستعداد العالِ على التكيف مع المتغيرات المختلفة وتميزها بدرجة عالية من الاستقلاليـة ” .
  • ووجد فيها (دانييل ليرنر) ” القدرة على التعلم والاهتمام بوسائل الاعلام والقدرة على تصور نفسها في مواقف مختلفة وهي قادرة على صياغة الآراء واعطاء الاحكام والرأي في القضايا العامة ” (رابي ، 1995 ، ص:51) .
  • كما انها قادرة على تقدير ذاتها وتتقبل النقد بروح من التسامح والتفهم والتفاؤل مع عزمها على تطوير ذاتها باستمرار وبالسبل المشروعة .
  • تحترم وحقوق المرآة وتنبذ الاسراف بكل انواعه .
  • تجد في الرياضة والفنون الجميلة والسياحة مجالا رحبا لتنمية وتجديد روحها المعنوية .
  • كما انها شخصية حيوية وناضجة بكل المقاييس . وهذا ما اشار اليه (ضمنيا) العديد من النفس من امثال (اريكسون ، اليورت ، موراي ، ادلر ، ماسلو …) .

5- ما بعد الحداثة Postmodernism 

انطلق هذا من الفكر ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ومع تسارع نشاط الثورة التقانية ، وقد وصفها الكاتب الاميركي المصري المولد
(Hussein, 1986 , pp : 503 – 520) ” بأنه فكر يرفض الشمولية والنظريات الكلية في ( والتاريخ والعلوم الاجتماعية ..) ومركزا على التوافه والهوامش المحدودة ، كما ينبذ اليقين المعرفي ومؤكدا تشككه الدائم بالنسبة إلى : (الاشياء ، الافكار ، الاعمال ، الاقوال) ، وليس له محددة ويلّح على اسقاط نظام السلطة الفكرية (في ، في الجامعة ، في الادب ، في الفن ، في العلوم.. ) .

5/5 (1 Review)
1 2الصفحة التالية
الوسوم
اظهر المزيد

Mohammad.J.Jamil

باحث نفسي و مختص في علم النفس الايجابي و قياس النفسي من جمهورية العراق . لمزيد من المعلومات او التعاون العلمي يمكنكم مراسلي على الايميل التالي:[email protected]
زر الذهاب إلى الأعلى