الرغبة في الكشف عن حقائق الامور ومعرفتها (الدافع المعرفي)

الدافع المعرفي     (Cognitive Motive)

يعد الدافع المعرفي من الدوافع البشرية الرئيسة . وقد تطور هذا منذ مدة طويلة على يد النفس الكشتطاليون (Buck , 1976:320) . وقد كان كوهين وستوتلاند وولف (Choen , Stotand & Wolf , 1955) أول من ميز مفهوم الدافع المعرفي وقاموا بدراسته تجريبياً . وقد وصفوه بأنه حاجة الى بناء مواقف مناسبة بطرائق متكاملة وذات معنى (هادف) ، فهو الحاجة الى فهم مليء بالخبرات وجعله منطقياً ومعقولاً ، وانه عند تعرض هذه الحاجة للإحباط ينشأ ذلك مشاعر والإحباط والتي تؤدي فيما بعد الى بذل محاولات فعالة لبناء الموقف وزيادة الفهم (Gaglia , 2000:2) .

لقد بدأت البحوث المعاصرة في موضوع الدافع المعرفي بمقترح يعود الى كاسيبو وبيتي (Cacioppo & Petty , 1986) القائل بوجود فروق فردية في ميل للاستغراق والاستمتاع في نشاط معرفي مجهد عقلياً ، فقد افترض ان من ذوي الدافع المعرفي العالي يميلون بصورة طبيعية الى البحث المعلومات والى اكتسابها والى بها وتأملها ليفهموا المثيرات والعلاقات في عالمهم ، في حين يمتاز الأفراد من ذوي الدافع المعرفي المنخفض بالاعتماد على الآخرين (مثلاً الخبراء) وعلى الادلة المعرفية المساعدة على الاستكشاف ، وطبقاً لذلك فقد تمت الصياغة القائلة بان من ذوي الدافع المعرفي العالي لديهم اتجاهات ايجابية نحو المثيرات أو المهام التي تستلزم بالمشكلة وحلها مقارنة بأقرانهم من ذوي الدافع المعرفي المنخفض (Cacioppo & Petty, 1986:1034) .

لقد عُد من ذوي الدافع المعرفي المنخفض بأنهم مثل البخلاء المعرفيين (Cognitive Misers) بصورة نسبية أمام الأفراد من ذوي الدافع المعرفي العالي ، وذلك نتيجة لتطور الاحساس بالكفاية (Sense-Competence) ، والرضى الذات (Self –Satisfaction) الناجمة من المراحل المتكررة أو المطولة لحل المجهد . لذا فقد تم نظرياً صياغة الدافع المعرفي أو الحاجة الى المعرفة (كما يسميها ماسلو) بانها تعكس دافعية داخلية مستقرة ،وبالامكان أن تكون متطورة أو متغيرة ، فضلاً عن التأكيد بان هذا الدافع يعكس استمتاع وميلهم الى الاستغراق في نشاط مجهد عقلياً وليس  موجهاً نحو النتيجة النهائية . في حين يتسم ذوي الدافع المعرفي الواطئ  بانخفاض دافعيتهم الداخلية للاستغراق في مهام معرفية مجهدة عقلياً
(Cacioppo , Petty ,Feinstein &Jarvis , 1996 : 198,201) .

ويفضل المتعلمون ذوو الدافع المعرفي العالي حل المعقدة على السهلة مقارنة بأقرانهم ذوي الدافع المعرفي الواطئ ، وانهم يستمتعون بالتفكير بشأن القضية حتى حينما لا يكون لنتائج تفكيرهم أثر في النتيجة النهائية لها ، في حين يكون لدى المتعلمين ذوي الدافع المعرفي الواطئ غير ممتع ، وانهم يشعرون بالارتياح وليس الرضا بعد اتمامهم لمهمة اقتضت منهم بذل الكثير من الجهد العقلي (Gaglia , 2000:3) .

ويرى بياجيه ان الحاجة لمزاولة النشاط المعرفي هي حاجة فطرية . وقد ينشأ الدافع من داخل وليس من خارجه ، وعلى حد قول بياجيه فان هذا يحدث لأن  البنى المعرفية عندما تتكون وتبدأ بالعمل تديم نفسها من خلال القيام بأداء وظائفها. ففي نشاطات التمثل والمواءمة هناك ميل فطري لتمثل البيئة ومواءمتها . ويقول بياجيه بأن الحاجات الاساسية عند الناشئ هي صنف وظيفي ، وقيام الأعضاء بوظائفها ليسند من خلال وجود سلسلة من الحاجات البديلة التي تفوق بدرجة تعقيدها منذ البداية الاكتفاء العضوي البسيط (الحاجات الأولية) . وهكذا فالقوة الدافعة الرئيسة للنشاط الفكري هي الحاجة لامتصاص الاشياء لتدخل ضمن مخططات (واردز ورث ، 33:1990) .

ويظهر الدافع المعرفي في الرغبة في الكشف عن حقائق الامور ومعرفتها وحب الاستطلاع . وقد يكون واضحاً عند بعض الأفراد أكثر مما يكون لدى البعض الآخر . ويبدو الدافع المعرفي أو الحاجة الى المعرفة في التحليل والتنظيم والربط وإيجاد (ابو حطب وصادق ، 1976أ: 252) .

ويشير الدافع المعرفي الى المدى الذي يستغرقه المتعلم في مجهد عقلياً ويستمتع فيه . فالمتعلمون ذوو الدافع المعرفي العالي يكونون محفزين داخلياً للتفكير بعمق في القضايا والاحداث والبحث عن مواقف تستلزم بذل جهد معرفي في حين ان المتعلمين ذوي الدافع المعرفي الواطئ لا يستمتعون بالتفكير ، ويبذلون كل جهودهم لتحاشي الجهد المعرفي (Nelson , 2002:8) .

ومن المظاهر التي تدل على الدافع المعرفي :

 

  1. السلوك الاستكشافي (Exploration Behavior)

وهو مجموعة من الانشطة التي يقوم بها الفرد عامداً أو غير عامدٍ في اتجاه الإحاطة بعناصر الموضوع وعلاقة كل عنصر بالعناصر الاخرى وذلك من حيث البناء والوظيفة ، وهذا يعني ان السلوك الاستكشافي يعتمد على قيام المتعلم باكتشاف انواع من أو أو الحقائق أو المعلومات أو حلول للمشكلات وذلك بجهده الذاتي مما يعطيه فرصة التمكن والثقة في التعلم المستقل . فالمفاهيم التي يصل اليها المتعلمون بجهودهم الذاتية تكون أكثر معنى ومغزى من التي يضعها الآخرون ، والمتعلمون ليسوا في حاجة الى المكافئة عندما يريدون أن يفهموا اشياء تحيرهم (الكناني والكندري ، 1995 : 202) .

ويرى بيرلن (Berlyne , 1966) وفاولر (Fowler , 1965) ان السلوك الاستكشافي دافع لدى المتعلم يؤدي الى التعلم (Fowler,1965:34) بينما عدّه هونت (Hunt, 1963) وماو وماو (Maw & Maw, 1964) و وليام جيمس (William Geams , 1970) بأنه ميل يبديه نحو الاشياء الغريبة أو المتناقضة أو الجديدة في البيئة رغبة منه في التعرف عليها واستكشافها (Hurlook , 1981 ; 205) . وهناك من يرى ان السلوك الاستكشافي عادة تكتسب بالتعلم (Mccanaless , 1967 : 223) .

ويرى ماو وماو ان المتعلم ذي السلوك الاستكشافي العالي يظهر نشاطاً متميزاً ورغبة عالية في المظاهر الغريبة أو الجديدة في بيئته . ومن أهم المواصفات التي يتصف بها المتعلم الذي يمتاز بسلوك استكشافي عالٍ هي ان :

أ. يظهر ميلاً للمؤثرات الجديدة أو الغريبة أو المتناقضة أو المعقدة في بيئته فيستجيب لها .

ب. يتحرك ايجابياً نحو هذه المؤثرات لاستكشافها يدوياً أو بالسؤال عنها .

جـ. يظهر مزيداً من الميل أو الرغبة في معرفة نفسه وبيئته
(Hurlook , 1981: 205) .

وقد ميز بيرلن في اثناء مناقشته لدافعية السلوك الاستكشافي بين نوعين من الاستكشاف ، الأول الاستكشاف الخاص (Specific exploration) الذي تهدف اليه وتدعمه زيادة هذه الإثارة من مصدر معين ، والذي يظهر ليكون منطلقاً من حالة عدم التوازن التي تسمى الفضول الإدراكي . ان الإدراك غير التام قد يترك الفرد بحالة من عدم التأكد والتي يتم تقليلها عن طريق الإجابات الاستكشافية المصممة للحصول على المعلومات الاضافية . أما النوع الثاني من فهو الاستكشاف المتنوع أو المتشعب (Diversive Exploration) ، وهو تقديم إثارة من اية مصادر مثيرة للاهتمام والمتعة . ويذكر بيرلن ان الاستكشاف الخاص بالامكان تعزيزه فقط بالمعلومات التي يكون بامكانها تقليل حالة عدم التأكد التي تظهر لدى المتعلم ، أي المعلومات التي تأتي من الشيء والتي ترتبط به حالة عدم التأكد هذه . ان مصادر الخارجية بامكانها ان تحث السلوك الاستكشافي مثلما ان هناك أشكال معينة من الداخلية تكون قادرة أيضاً على حث السلوك الاستكشافي (Rowland , 1971:28) .

5/5 (1 Review)