مقالات

ظاهرة استخدام العقاقير النفسية (المخدرة و المنبه) هل حان الوقت لكي نتحرك بجدية لكي لا نندم لاحقاً

طبيعة الظاهرة :

يُجمِع ، لاسيما في المجالات والاجتماعية ، على إن ظاهرة استخدام العقاقير ذات طبيعة معقدة بسبب تداخل العديد من العوامل والمتغيرات الداخلية والخارجية، وإن التغيرات والتطورات السريعة الملاحظة فيها ، وتنوع أنماطها والسلوكيات المرتبطة بها تجعل الإحاطة بكل جوانبها مفاهيمياً من الأمور الصعبة
(EMCDDA , 2000a , P. 73) .

ويعّد هذه الطبيعة المعقدة سبباً في عدم وضوح المفاهيم التي قد تقود الى إرباك في التشخيص للمختصين في الطب النفسي وفي الإدمان . ويمكن ملاحظة بعض ذلك في الأنظمة الرئيسة المستخدمة في تشخيص الاضطرابات
الـ  (ICD-10)والـ (DSM-IV) ، إذ إن اصطلاح الاستخدام المؤذِ
(Harmful Use) في الأول يقابله سوء الاستخدام (Drug  Abuse   ) في الآخر
(Maremmani & Shinderman , 1999 , P. 7) .

ويتطلب عرض طبيعة الظاهرة استعراض المفاهيم الأساسية التي يمكن أن تتضمن الآتي :

أ.     ماهية العقار : ورد هذا بمسميات متعددة أهمها كان : المخدر ، الدواء، المغيب ، المسكن ، المنوم . ولعل جميع تلك المسميات كانت مُستَمَدة أما من مناسبة الأستخدام ، أو من خواص التأثير . فهناك فرق كبير بين تناول العقار بقصد الشفاء وبين تناوله بحثاً الهدوء والسكينة واللذة. ففي الحالة الأولى يؤخذ العقار بمقادير محددة وفي أوقات وأشكال موصوفة ، أما في الحالة الثانية فليس لأستخدام العقار من حدود ، بل يزداد الشره بتناوله يوماً بعد يوم، ويتعاطى العقار دونما حاجة علاجية .

ويمكن القول بأن الدواء مركب طبيعي أو صنعي يؤخذ بمقادير مناسبة بقصد الشفاء والمعالجة ، اما المخدر فهو مادة طبيعية أو صناعية تتمتع بخواص تأثير فسلجية مميزة . ومن هنا يمكن القول بأن المخدرات هي في الأصل مواد أولية لصناعة الدواء، إلا أنها مع الزمن وطبيعة الأستخدام أخذت تعريفاً جديداً (الهواري، 1987، ص21) .

ب.   العقاقير : يشمل هذا فئات العقاقير النشطة نفسياً للتفريق المواد النفسية المتضمنة للكحول من جهة والنيكوتين والكافيين من جهة   أخرى . وقد تبين أيضاً إن مفهوم العقاقير النفسية يميل الى أن يشتمل على العقاقير المستخدمة في مجال الإضطرابات العقلية والنفسية ، على الرغم من وقوع فئات أخرى ضمنه كالعقاقير المصنفة بمحظورة مثل الأفيونات ، القنابيات ، المهلوسات وأخرى كالمواد المستنشقة مثل (الغازات الطيارة كالأيثر والبنزين ، والسيكوتين) .

جـ.   مفهوم إستخدام العقار (Drug Use) : وهو ذلك التعاطي لعقار ذا تاثير نفسي يكون عادة غير منتظم ، إذ يستخدم فيه المخدر متى ما أُتيحَّ له ذلك ومتى ماتهيأت الظروف المناسبة ، كما في المناسبات الإجتماعية أو السفر الى خارج البلد (Buhringer, 1998e, P. 1) .

ويظهر نمط استخدام العقار بعدة اوجه منها : الاستخدام التجريبي
أو الاستكشافي ، الأستجمامي ، والمستمر أو القهري ، علماً أن الاستخدام الأول قد لايخلو من مشكلات فكم من حالة (وفاة) إرتبطت بالجرعة الأولى
من مركب أدماني شديد الفاعلية كالهيروين، أو أدت الثمالة بالجرعة
الأولى الى أضرار بدنية وعصبية أو حوادث مميتة
(Maremmani  & Shinderman , 1999 , P. 10) .

وعموماً فإن المصادر تشير إلى إن نمط إستخدام العقار باوجهه المتعددة الانفة الذكر يتأثر بعدد من العوامل منها : الخبرة الأولية مع العقار ، تأثير محيط الجماعة التي قد تحدد فيما إذا كان سيتطور ليصل الى سوء الأستخدام أو الأعتماد أم لا
(Sim, 1973, P. 337) .

  • مفهوم سوء الإستخدام (Drug Abuse) : ويُعّد هذا المظهر واحداً من المجالات البارزة في ظاهرة إستخدام العقاقير النفسية عموماً . وسوء إستخدام العقار ككلمة تعني : إستخدام الدواء في غير الغايات السريرية المرجوة فيه ، كما وتتنوع صيغ وأشكال سوء الأستخدام بحسب عادات وتقاليد المختلفة (الهويجي ، 1994 ، ص431) .

ومفهوم سوء إستخدام العقار بمعناه الأوسع يتضمن الوصف غير المناسب للعقاقير من قِبل الأطباء، والأستعمال غير الصحيح من المرضى. وتجدر الإشارة الى إن سوء الأستخدام لا يتضمن العقاقير الموصوفة طبياً فقط بل يتعداها ليتضمن مواد أخرى كالهيروين والكوكائين. وعلى أية حال ، فإن هناك إتفاقاً على الأحتمالية العالية لأنتقال حالة سوء الإستخدام الى حالة الأعتماد. وفي ضوء ذلك فالفرد المسيء لأستخدام مركب كيميائي معين من المرجح أن يصبح معتمداً بدنياً أو نفسياً أو كليهما معاً على ذلك المركب (WHO , 1998a , P. 12) .

وبالرغم من أهمية سوء الاستخدام في الظاهرة إلا أن الاهتمام الأكبر تركز على الاعتماد (Dependence) بأنه حالة ذات الأكثر. على الرغم من تبني منظمة الصحة العالمية لهذا وترك العمل بمفهومي الإدمان
(Addiction) والاعتياد (Habtuation) السائدين من قبل ، فانه أيضاً لم يسلم من الانتقاد الذي وجه اليه بعد ذلك بأنه أكثر تمثيلاً لمتلازمة الأعراض السلوكية ، بينما الإدمان أكثر تعبيراً متلازمة الأعراض البدنية المتضمنة التحمل وأعراض الانسحاب (WHO , 1986 , P. 17) .

هـ.    مفهوم الاعتماد : بقي هذا المفهوم حتى بعد حسم المسألة من قبل (WHO) واستقرار الأمر عليه ، رهنَ الكثير من التعديل والتغيير وذلك لما يتضمنه من تفاصيل يمكن إيجازها فيما يأتي : استخدام مفهوم الاعتماد ليغطي فكرتين :

أولاً. متلازمة الأعراض السلوكية .

ثانياً. الاعتماد الفسلجي أو البدني .

والاعتماد البدني يُعَرّف على أنه التغيرات الحاصلة في الجهاز العصبي المؤشرة في كل من التحمل وأعراض الانسحاب. وبسبب الخلط الذي يمكن أن ينجم عن الاستخدام الثنائي للمفهوم ، أوصت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الكحول وسوء استخدام العقاقير وادارة الصحة العقلية ( ADAMHA ) ، 1980 بأن يقتصر استخدام مفهوم الإعتماد على وصف متلازمة الأعراض السلوكية ، وأن يحل مصطلح التكيف العصبي
(Neuroadaptation) محل الاعتماد البدني (Physical Dependence).

وتجدر الإشارة الى أن أنظمة التشخيص الطبنفسية الرئيسة : الـ(ICD-10) والـ (DSM-IV) تستخدم النموذج السببي المتعدد العوامل في التعامل مع المفاهيم الخاصة باضطرابات استخدام المادة النفسية ، ولاسيما في التفريق بين الاستهلاك
(Consumption) وأعراض الاعتماد ، والتبعات العكسية .

وقد ناقش دايموند (Dimond 1990) بأن الاعتماد اكثر من الاستهلاك في التسبب بالمشكلات (Murray , et. al., 1997 , P. 223) .

وتشير المصادر الى عدد من العوامل التي تؤدي دوراً في ظهور المظاهر السريرية المعتمدة في تشخيص الاعتماد . ومن تلك العوامل (فاعلية المادة) . فالأفيونات مثلاً ذات فاعلية في إحداث المظاهر السريرية منذ الجرعات الأولى وأكثر فاعلية في تحقيق الأعتماد مباشرة بعد فترة قصيرة من الإستخدام المستمر والمنتظم ، بينما قد نجد مواد أخرى أقل فاعلية في إظهار مثل تلك الأعراض وتحتاج الى فترة أطول من الإستخدام لأحداث الأعتماد كالمسكنات مثلاً . كذلك هناك (طريقة الإستخدام) فتعاطي الأفيونات بالحقن الوريدي أسرع تأثيراً في ظهور الأعراض السريرية وتحقيق حالة الأعتماد من تعاطيه بالأستنشاق أو البلع ، وينطبق ذلك على غالبية الفئات التي توجد إمكانية لتعاطيها بالحقن (.   Rounsaville , et al., 1993a , P. 350) .

  • الإستخدام المتعدد للعقار (Multiple Drug Use) أو إستخدام مجموعة عقاقير في آنٍ واحد (Poly Drugs) : ظهر هذا النمط في كلا الأنظمة التشخيصية العالمي العاشر والأمريكي الرابع . ففي الأول ظهرَّ مع فئة الإستخدام لمواد نشطة نفسياً أخرى ، أما في الثاني فقد ظهرَّ مُتَضَمِناً في قسمين مستقلين : إعتماد مواد نفسية متعددة (Poly Substance Use )  وإضطرابات إستخدام مادة نفسية أخرى أو غير (Other or (Unknown) Substance Use Disorder) . وهذا النمط من الإستخدام شغل إهتمام غالبية الباحثين والمهتمين ويشار إليه من قبل جابرد (Gabbard) على سبيل المثال بأنهُ نمط اضطرابي يؤشر مرحلة طفولة مشكلة أو مختلة ، وهو ذو أثر في زيادة حدة الظاهرة وتبعاتها السلبية ويجعل من مسألة العلاج أمراً صعباً (Gabbard, 2000, P.335) .

ز.    نمط الأعتماد المتبادل (Co-Dependence): وينطوي على حصول عملية تعاطي العقاقير بين شخصين ، والتي غالباً ما تتم بطريق تبادل الحقن بالوريد وبالعقاقير المحظورة في الغالب . وعلى الرغم من حداثة هذا النمط نسبياً ، إلا أنه أصبح مقلقاً للباحثين والمختصين في مجالات عديدة ومنها الطبية
العامة بوجهٍ خاص إذ أصبح واحداً من الأسباب الرئيسة للعدوى بالأمراض المهلكة وعلى رأسها مرض الآيدز ، إذ تفيد الأحصائيات الأخيرة إن أكثر من (10{2b391ab7d5e676fc7c1e329bd63aea3f511e8e1340fbf37346ac5521b67be11d}) من جميع حالات الآيدز ناجمة عن إستخدام العقار بالحقن الملوثة
(Kaplan & Sadock,  1995, P. 772) (UN, 2000a , P. 12) .

5/5 (1 Review)
1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية
الوسوم
اظهر المزيد

Mohammad.J.Jamil

باحث نفسي و مختص في علم النفس الايجابي و قياس النفسي من جمهورية العراق . لمزيد من المعلومات او التعاون العلمي يمكنكم مراسلي على الايميل التالي:[email protected]
زر الذهاب إلى الأعلى