مبحث كامل حول الاحلام اليقظة

ويتجسد أهتمام العرب والمسلمين في الخيال فيما يوليه الصوفية للخيال من أهمية قصوى ، فالخيال عندهم هو الوجود، لأن كما قيل نيام لا يرون في هذه الدنيا إلا خيالاً، وينتبهون متى ما ماتوا، وكل من تجلى عليه الحق فعرفه أدرك أن هذا العالم المحسوس خيال نائم ، وأن الأرتقاء الى الله لا يكون إلا بالإنتباه من النوم (صليبا ، 1971 ، ص547) . أما المعتزلة فيرون آراء مختلفة في الأحلام التي ركزوا عليها ، فيرجعها بعضهم الى الله ، وبعضهم الآخر الى فعل الطبائع ، ومنهم من يجمع بين هذين الرأيين (مدكور ، 1983 ، ص94) .

وفي إنتقاله الى العصور الحديثة ، يجد المرء تأثر مايكل مونتين ، وهو كاتب الأدب الفرنسي في القرن السادس عشر ، بقوة بأحلام ، إذ كان يذكر فيما يكتب (دعني أفكر في بناء قصور في الهواء) و(خيالي يوحي لي مسرات وراحة تسر روحي وتريحها) . وعلى عكس ذلك كان العالم والفيلسوف الفرنسي في القرن السابع عشر بليز باسكال ، الذي تشكك في حياته التخيلية وحاول أن يمحوها لصالح العقل الرزين . وقد وصف الخيال بأنه ذلك الجزء المخادع في الإنسان سيده الخطأ والزيف ، وأن الخيال
لا يمكنه أن يجعل الحمقى حكماء . وكان باسكال في شجبه (للخيال) على خلاف مع سلسلة كبيرة من العلماء الحديثين بما فيهم إلبرت أنشتاين الذي كان يعّد قواهم التخيلية هي الشيء المهم جداً لأكتشافاتهم العلمية . ولم يكن باسكال وحده في هذا الرأي فقد كان هناك أهمال تاريخي وإعتبار واطىء لأحلام ، لأن المفكرين خلال الأجيال ، أما إنهم تجاهلوا أو قللوا من شأن أحلام والحالمين في . وحتى النصوص المقدمة في الأنجيل والقرآن تحتويان على العديد من الأحلام ولكن لا يشير أي منها الى أحلام ، وأبرز الفلاسفة التاريخيين والمختصين باللاهوت ينظرون نظرة داكنة وغامضة الى أحلام (Klinger , 1990 , PP. 8-9) .وقد جرى الكثير أحلام خلال القرن السابق ومعظمه مناقض

للمعتقدات السابقة . وقد ألف الهولندي (Julien Varendonk) كتاب (علم نفس أحلام اليقظة 1921) الذي توقع الكثير من الإستنتاجات العامة المتوصل إليها لاحقاً بمنهجيات أخرى ، وهو أول عمل إعتمد على الملاحظة المكثفة لأحلام اليقظة وأفاد (المؤلف) من أحلامه اليقظة في هذه الحالة . والتقدم الكبير الذي أعقبه هو كتاب سنجر (Singer) الكلاسيكي (1966) (أحلام اليقظة) وأسهم الباحثون منذ ذلك الحين في الرئيسة والبيانات الكثيرة لفهم أحلام اليقظة (Klinger , 2000 , P. 2) .

مقدمة لتوضيح التمايز الأصطلاحي بين مفهوم أحلام اليقظة ومفاهيم أخرى مقاربة له :
إن مفهوم أحلام اليقظة يتداخل معه ويقترب منه عدد من منها ، الخيال المنطلق (Fantasy) والتفكير (Thinking) والتصور العقلي (Mental Imagery) ، والذهول والشرود الذهني (Distractibility , Mindwandering) .

وبدءاً من الخيال المنطلق (الفانتزي Fantasy) وهو كلمة يونانية الأصل تعني : المظهر او الخيال أو الصور العقلية والمصطلح في مفهومه المعاصر يستعمل مرادفاً لأحلام اليقظة والخيال ، فهو مثلها يتضمن صوراً عقلية للحوادث والأشياء غير المحسوسة ، كما إنه مثلها يمثل حالة من الأبتعاد التماس بالواقع (كمال ، 1990 ، ص502) . والخيال المنطلق هو تعويض ياخذ شكل الأحلام الليلية أو اليقظة
(Munn, 1962 , P. 217) . وهو ” تخيل لموضوع أو حادثة معقدة بوساطة رموز محسوسة تتخذ شكل صور (Images)، سواء كانت الحادثة أو الموضوع موجودة أو لا ، أو إن الرموز أو الصور موجودة أم لا ” (Klinger , 1971 , P. 7) .

ومن جهة أخرى فأن أحلام اليقظة هي وجهة لتدفق الوعي التي تتضمن تحويل الإنتباه بعيداً المهمة المستمرة أو السياق التنبيهي المشتق خارجياً (Segal , et. al., 1980 , P. 36) . ومع الشبه بين الخيال المنطلق وأحلام اليقظة ، إلا أن هنالك فروقاً جوهرية بينهما، فالخيالات بما في ذلك أحلام اليقظة، وإن كانت تظهر على العموم بصورة غير واعية وتقررها الذكريات والحوادث السابقة، ولاسيما الحديثة منها، وتحركها الآمال والتوقعات للمستقبل ، إلا أنه يمكن إحداثها بصورة واعية والتأثير في

أتجاهها ومحتواها ، بينما الخيال المنطلق ، هو عملية غير واعية كلياً وغير حالة الواقع ويخلق فيها ما لا وجود له ، وما يمكن وما لا يمكن ، ويعّد درجة أشد من أحلام اليقظة ودرجة أقل من الأتصال بالواقع (كمال ، 1990 ، ص502) .

أما التفكير فهو كل نشاط عقلي أدواته الرموز ، أي يستعيض عن الأشياء والأشخاص والمواقف والأحداث برموزها بدلاً من معالجتها فعلية واقعية ، ويشمل التفكير جميع العمليات العقلية من تصور وتذكر وتخيل وأحلام يقظة وعمليات حكم وفهم وإستدلال وتعليل وتعميم وتخطيط ونقد وغيرها (راجح ، 1964 ، ص317) . وفي بعض الأحيان ، يسمى النشاط العقلي الهائم – المشتت بين أكثر من موضوع – من دون هدف معين ، التفكير غير الموجه (Undirected Thinking) وتيار الشعور (Stream of Consciousness) ، وعلى النقيض من التفكير غير الموجه ، يهدف التفكير الموجه (Directed Thinking) نحو هدف معين (دافيدوف، 1983، ص383) . والتفكير غير الموجه يجري في الأحلام مثلاً ، أما التفكير الموجه فيجري مثلاً في تعقل أو تفهم المشكلة. ويمكن تسمية القسم الأول التفكير بالتداعي أو الأرتباط (Associative)، وعلى الرغم من صفة التداعي التي تجعله يبدو بلا هدف أو إنضباط ، لا يخلو غالباً من إتجاهات ولو لا شعورية . أما القسم الذي من الواضح أنه يرمي لغاية محددة فيسمى التفكير الهادف لأنه يصل الى نقطة نهاية عندما تتحقق مهمته ، ويمكن تقسيم هذين النوعين الرئيسين للتفكير الى الأنواع التي تندرج تحت كل منهما والمتمثلة في شكل بسيط على النحو الآتي (دسوقي ، 1974 ، ص ص152-153) :

ومن الأمور الشائعة في المؤلفات والكتابات الخاصة بعلم النفس التمييز بين التفكير الموضوعي (Objective) أو (العقلاني) والتفكير التلقائي أو الخيالي (Fantasy) إن الأول يفترض أن يكون غير شخصي ، ونظامي وعقلاني ومنطقي ، في حين أن الثاني يفترض حدوثه لأنه يرضي الأماني والرغبات الذاتية للشخص ، وعليه يكون غير عقلاني وغير منطقي ولا يتصل بالواقع (Linde et. al., 1968 , P. 125) . وينبغي التمييز بين كل من مفهومي التفكير (Thinking) وحلم اليقظة (Daydreaming) ، فالتفكير يشير الى واجب نقوم بتأديته كالواجبات المدرسية ، وتكون الأفكار مرتبطة مباشرة بالواجب الذي يكون وشيك الحدوث ، أما أحلام اليقظة فلا تكون مرتبطة بواجب نقوم به في وقت معين (Gold et. al., 1986 , P. 242) .

وفي التصور العقلي (Mental Imagery) يستطيع الدماغ أن يخلق صوراً من دون حسية من الخارج ، ويستطيع أن يخلق إنموذجاً جديداً على أساس الذكريات للنماذج التي خلقها في الماضي . وفي الحقيقة فأن جزءاً كبيراً من الوعي يتشكل من التصور العقلي (Mental Imagery) (Klinger , 1990 , P. 205) . ويقدم بايفيو (Paivew) أقتراحاً مفاده أن المعلومات في الذاكرة ربما تكون مخزونة بصيغتين : رموز لفظية (Verbal Codes) ورموز تخيلية (Imaginal Codes) ، وأن أي حادثة أو شيء يمكن أن يكون موصوفاً ، فإنه ربما يكون مخزوناً بصورة رمز لفظي ، كما أن أي حادثة أو شيء يمكن أن يكون مرئياً ، فإنه ربما يكون مخزوناً بصورة رمز تخيلي أو كليهما (Ellis & Hunt , 1993 , P. 127) . والتصور لفظ يشير الى الصور الذهنية عموماً أو إلى أنواع معينة منها أو إلى عملية تكوين الصور الذهنية في عمليات التفكير والتخيل والتخطيط وغيرها (الخولي ، 1976 ، ص250) .