مبحث كامل حول القدرات المعرفية

لقد تعددت التسميات والمصطلحات التي استعملها النفس فيما يتعلق بتوضيح القدرات المعرفية ، فقد أطلق عليها البعض اسم الأساليب المعرفية وأطلق عليها قسم آخر اسم أساليب التحكم المعرفي ، والاستراتيجيات المعرفية أو انماط العمليات المعرفية، ويعود السبب في ذلك الى اختلاف النظرة الفلسفية أو العلمية القائمة عليها أكثر من كونها اختلافات في شرح الظاهرة أو تفسيرها (ابو علام وشريف ، 1989 : 109) . فهي يستوعبها الانسان الواقع المحيط به . وتقوم على وحدة الخبرة وصورها التجريدية المثالية . وهي تؤلف مضمون الوعي الانساني وآلياته مثل (التحليل والتركيب والتجريد والتصميم والتفكير والتصور والذاكرة والاستدعاء …) والتي تسمح بتكوين حسية كلية محيط واسترجاع هذه النماذج وتبصرها وتكوين متميزة عما يخبره من المحيط (منصور والشرقاوي وعز الدين ، 1984 :159) . فالقدرات المعرفية هي القدرات المتعلقة بالعمليات المتضمنة في اكتشاف المعلومات أو التعرف عليها أو تحصيلها (الشيخ ، 1982 : 135) .

ولما كان أساس الميدان المعرفي هو إنماء القدرات نمواً متدرجاً يبدأ بالسهل وينتهي بالصعب فقد اهتم المشتغلون بالقياس والبحوث وعلى رأسهم بلوم وزملائه بذلك . وتمكنوا من وضع للقدرات العقلية الموظفة في تحقيق أهداف الميدان المعرفي (قلادة ، 1981 : 66-67) والمتعلقة بالعمليات المعرفية ، كالتفكير والإدارك والاستدلال والمحاكمة (نشواتي ، 1985 : 72) .

ان الغاية الرئيسة من إقامة للأهداف التربوية هي الوصول الى تعريف دقيق للتفكير أو حل ومن ثم تسهيل الاتصال بين العاملين في ميادين البحث التربوي وتطوير المنهاج المخصص لهم وبين العاملين في ميدان الاختبارات (بلوم وآخرون ، 1985: 29) .

وتتضح أهمية بلوم (Bloom Taxonomy) للأهداف في الميدان المعرفي في مجالي وضع الاهداف وتكوين الاختبارات ، لأن هذا التصنيف يتناول على نحو شمولي معظم انواع النشاطات العقلية ، ويوجه انتباه المعلم الى تلك النشاطات التي يسقطها من حسابه في أحيان كثيرة ، كالتحليل والتركيب والتقويم . فقد بين تراتشتنبرغ (1974) لدى تحليله (61.000) عبارة تتناول الاسئلة والنشاطات والاختبارات المقترحة في تسع مجموعات من كتب التاريخ العالمي الحديثة ان 95{2b391ab7d5e676fc7c1e329bd63aea3f511e8e1340fbf37346ac5521b67be11d} من هذه العبارات تصنف في مستويي المعرفة والفهم بحسب تعريف بلوم لهذين المستويين ، وان نسبة ضئيلة منها تصنف في المستويات الأعلى ، الأمر الذي يشير الى إغفال النشاطات العقلية المهمة للمتعلم وعدم رعايتها . وهذا يدعو المعلمين وواضعي الأهداف والاختبارات الى التأكيد على مستويات التحليل والتركيب والتقويم لتنمية تلك النشاطات عند المتعلم (نشواتي ، 1985 :80) .

ويعد تصنيف بلوم للأهداف التربوية أكثر انتشاراً واستعمالاً والتي وضعها في ثلاثة مجالات رئيسة هي المعرفي ، والمجال الوجداني ، والمجال النفسحركي .

 

 

المجــال المعـــرفي        (Cognitive Domain)

ويشمل الأهداف التي تعبر الجوانب المعرفية التي تتضمنها العملية التعليمية ، وتتعلق الأهداف التدريسية في هذا باكتساب المتعلم المعرفة العلمية والمعلومات وتنمية القدرات والمهارات في استعمال هذه المعرفة العلمية (زيتون ، 1999 : 358) .

ويعد تصنيف بلوم للأهداف التربوية في المعرفي الذي ظهر لأول مرة عام (1956) من اشهر التصنيفات وهو تصنيف هرمي يحتوي ستة مستويات مرتبة بموجب تسلسل يمتد من أوطأ مستوى وهي عمليات التذكر والاسترجاع بوصفها أدنى العمليات العقلية وأسهلها ويمر بمستويات الاستيعاب فالتطبيق فالتحليل فالتركيب وينتهي بالتقويم لكونه أعلى القدرات العقلية (دروزة ، 1987 : 33) . وان لإنجاز الأهداف أو تحقيقها في أي مستوى يعتمد على تحقيق الأهداف في المستوى الأدنى منه (محمد ، 1991: 94)، وهذا يعني ان عمليات العليا جميعها تبنى على مستوى المعرفة لأنه على الرغم من قيمة اسئلة العليا وأهميتها ، إلا انه في الوقت نفسه لا غنى للمدرس اسئلة الدنيا لأنها تزود الطالب بالمعلومات والحقائق ليتمكن من ممارسة مهارات المتعددة مثل التطبيق والتحليل والتركيب والتقويم (الريان ، 1995: 8) . فعندما نشجع ذي المستوى الاعلى فاننا ببساطة نشجع وطرائق التعليم التي تشجع هكذا والذي يحصل في المستويات العليا من تصنيف بلوم (التحليل والتركيب والتقويم) . وتوجد علاقة وثيقة بين الناقد (Critical Thinking) مع ذي المستوى العالي على وفق تصنيف بلوم . فالتفكير الناقد ببساطة يعني عمليات التي تتقدم الى الأعلى بالاتجاه المعيّن . بداية على ان يحلل بنقد المعرفة أو المعلومات أو الموقف ، بعد ذلك يفكر في الخيارات المحتملة للخطوة الآتية ، وأخيراً ينشأ القرار أو القيمة الجديدة (Thomas & Albee , 1998: 2) .

ويؤكد كانيه (Gange) الحاجة الى الحصول على واسعة تعتمد على التذكر قبل الانتقال الى مستويات أعلى في التفكير (سند وكارين ، 1985 :161) . ومن هذا التدرج في المستويات يمكن استنتاج تدرج التعلم نفسه اذ ان الوصول الى المستويات العليا كالتركيب والتقويم يحتاج الى اجتياز المستويات التي قبلها (المعرفة والاستيعاب والتطبيق والتحليل) ، وهذا يعني ان اتقان الطالب لأية ممارسة لمهام التعلم على مستوى معرفي أعلى كالتحليل على سبيل المثال يعني أنه قادر على ممارسة مهمات تعليمية أقل مستوى منه كالتطبيق والاستيعاب (زيتون ، 1999 :358) .

وعند اجراء مقارنة بين تصنيف بلوم وجيلفورد للقدرات المعرفية نرى ان المعرفة والاستيعاب لهما المعنى نفسه في التصنيفين وهو ان يصبح المتعلم قادراً على الدراية بشيء ما وفهمه . واقترح جيلفورد عملية الذاكرة في حين لم يدرج بلوم هذه العملية في القائمة بوصفها قدرة معرفية . فجيلفورد يفترض ان عملية التذكر جوهرية فيما يخص العمليات الأخرى . وأشار جيلفورد الى نوعين من التفكير هما التفكير المنتج أو التقاربي (Convergent Thinking) ، والتفكير التباعدي أو التشعبي (Divergent Thinking) في حين يفترض بلوم ثلاث عمليات من دون الإشارة الى النتيجة النهائية المتحققة . ومع ذلك فان تطبيق المعلومات وتركيبها قد يؤدي الى استجابات مختلفة وجديدة من النوع الذي ينتج من التفكير التباعدي لجيلفورد الذي يقتضي اجراء تحويلات . وبصورة مماثلة فان تطبيق المعلومات وتحليلها قد يؤدي الى انتاج استجابات قد يصدر بشأنها حكماً بأنها صحيحة أو غير صحيحة ، ولذا فهو مشابه للتفكير التقاربي . ويعد حل في كلا التصنيفين نشاطاً بالغ التعقيد يعتمد توحيد الكثير من القدرات المعرفية.(Klausmeier , 1974 :43-44) ويبدأ المجال المعرفي على وفق تصنيف بلوم بالامور المعرفية السهلة مثل تذكر المعرفة ثم ادراكها ، وفيما يأتي عرضاً مفصلاً للمستويات الستة :

 

  1. المعـــرفة (Knowledge)

ويقصد بها قدرة المتعلم على تذكر المعلومات والمعرفة العلمية التي تم تعلمها سابقاً، أي القدرة على استدعاء المادة التعليمية واستذكارها التي سبق للمتعلم ان تعلمها
(زيتون ، 1999: 358) ، اذ يقتصر عمل المتعلم فيها على تذكر المعلومات التي حصل عليها ، فاذا ما طلب منه شيء منها استدعاها وتعرف عليها من دون تطوير او تغيير فيها (البجة ، 2000: 76) ، أي تذكر فكرة بشكل مقارب للشكل الذي عرفت فيه أصلاً ، وتعد هذه القدرة أمراً رئيساً لغايات التربية وأهدافها الأخرى جميعها .