مبحث كامل حول سيكلوجية الارادة (مفاهيم و النظريات المفسرة لها)

ثانيا : الإرادة في الفكر الغربي :
كانت اليونانية و مفكروها من الأوائل الذين ادلو بدلوهم في مفهوم الإرادة فهي تؤكد إن للأنسان إرادة حرة ، كما إن رائديها الفيلسوفين أفلاطون و آرسطو يذهبان إلى كون الفضيلة و الرذيلة إرادة بشرية إذ يرى أفلاطون إن الشخص الذي اختار الفضيلة أو الرذيلة هو المسؤول ، و ليس للسماء أية مسؤولية عنه ( كندي ، بلا ، ص8 ) ، و يذهب آرسطو الى إن الفضيلة هي ملكة الاختيار ، و الأختيار لا يصدر إلا إرادة و العمل الإرادي يقتضي من البشر و نزوعا داخليا (( دافع بالمعنى الحديث )) ،
و يرى إن الفعل الاختياري أضيق من الإرادي ، و إن الإنسان في أفعاله الصالحة و غير الصالحة يحمل تبعتها ، فيحسن الاختيار ، فتكون الفضيلة
و يسيء الاختيار فتكون الرذيلة .
( غالب،1981،ص25 )
و صفة الإرادة يرى ديكارت بأن الإرادة متسقة بطبيعتها و إنها لمزية عظمى أن تكون لنا القدرة على العمل بواسطتها و يرى ديكارت إن لنا إرادة حرة نقوم من خلالها بفعل او عدم فعله وان نظهر هذا او نخفيه ، و أن نقدم عليه او نحجم عنه ، أي إننا نتصرف وفقا لاختياراتنا ، التي تشكل في مجموعها الإرادة الحرة .
(غالب ، 1981 ، ص27 ) (الجسر ، 1983 ،ص150 )
و يذهب ديكارت إلى اختلاف الإرادة الفكر فالإرادة عنده هي واقعية الاختيار ، بينما الفكر هو الفهم الذي يمثل واقعية المعرفة ، وهو بذلك يخالف سبينوزا الذي يرى إن الإرادة و الفكر هما شيء واحد بل يذهب إلى ابعد من ذلك و يقول انهما نفس الشيء .
( غزوان ، 1999 ، ص25 )
و يشير (سبينوزا) إلى عدم وجود قوى للنفس ، فهو لا يميز بين النفس و قواها ومن ثم لا يميز بين الإرادة و العقل ، لكن الإرادة عنده ترجع الى العقل ، أي إن الإرادة هي ميل العقل إلى قبول المعاني التي تروقه ، و استبعاد التي لا تروقه ، فما يسمى بالفعل الإرادي فكرة تثبت نفسها أو تنفيها .
أما (كانت) فيرى إن الإرادة تمثل عنصر الخير بغض النظر عن النتائج التي تسفر عنها ، و هذا يعني إذا قصد الإنسان سلوك الخير أيا كان نوعه ، و لكن محاولته باءت بالفشل ، فليس معنى هذا إن الإرادة غير خيرة بسبب فشل العمل الذي قصدته ، فهي خيرة سواء أدت الواجب المطلوب منها أم فشلت في ذلك طالما أنها استخدمت كل إمكاناتها .
إن ( كانت ) هنا يركز على أهمية الأخلاق الصالحة التي مبعثها الطهارة المطلقة للقلب و منبعها الإرادة الصالحة التي يظهر خيرها من باطنها أي من باطن الإرادة الصالحة .
( المعيني ،1999،ص82 )
و يرى ( شوبنهاور ) إن الإرادة تعمل بشكل يجعل العقل عنصرا فاعلا ثانويا فالإنسان عند إقدامه على عمل الخير تقترن إرادته على هذا العمل بالامتثال لما يجري من حوله (( أي إن ذلك يتوقف على الموقف السلوكي الذي يعيشه )) ، و هو بهذا يخرج عن نطاق ارتباط الإرادة بالعقل او بما يجري من أفكار تحيط بذهن الإنسان .
إنما الإرادة عند شوبنهاور هي امتثال لما يجري من مواقف تستدعي فعل الخير أو الشر .
أما ( نتشه ) فيرى إن الإرادة من صميم الطبيعة الإنسانية ، و يمكن لنا أن نفسر كل مظاهر الوجود الأخرى من خلالها ، و هذا الطرح من قبل (نتشه ) يأتي بسبب تقديسه للقوة ، فالوجود عنده ما هو إلا حياة ، و الحياة ماهي إلا إرادة ، و الإرادة ليست شيئا سوى إرادة القوى ، فالحياة عنده هي إرادة و سيطرة و استيلاء ، و ما دامت كذلك فلا يمكن لها الاستمرار دون كفاح و ألم ، فلا انفصال لأرادة القوة عن الألم .
و الإرادة لدى نتشه هي الفضيلة العليا و القتال و الكفاح هو السبيل للتقدم لأنه يظهر مواضع الضعف و مواطن القوة . و يرى إن العدوان و الخصومات تتناسب طرديا مع الحياة ، ومن ثم تعد تحقيقا لأرادة القوة . و بهذا كلما زادت الخصومات زادت قيمة الحياة نحو تحقيق إرادة القوة ، و من هنا يقول ( نتشه ) لكي تجني اعظم الثمار من الوجود و تنعم بما فيه عش في خطر ، أي إن إرادة القوة هي الكفيلة برفعنا إلى المراتب العليا و تحقيق التقدم في الحياة
(تيرجر ، 1954 ،ص105 )
و نجد إن ( سارتر ) و في مبدا من أولى مبادئ ، يرى إن الإنسان ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه ، كما انه يجعل من شعورا ملازما لأدراك الإنسان لحريته ( غالب ، 1981 ، ص56 ) ، كما إن هنا يرتبط بفكرة الاختيار سواء كان اختيار الإنسان لمصيره أو حريته أو تمييزه بين الخير و الشر .
كما إن تجعل من الإنسان مسؤولا بشكل كلي عن تقرير مصيره و مسؤولا أمام ذاته و أمام الآخرين الذين يلتزم معهم في الوجود ، لأن الإنسان حسبما يرى ( سار تر ) حينما يختار ذاته و يلتزم بها فأنه يختار الآخرين و يلتزم بذواتهم الإنسانية في الحياة إذ إن أهم ، إنها تبدا من الإنسان و إنها فلسفة للذات ، فالذات هي التي توجد أولا و بذلك فهي تعترض على الآراء التي تعد الإنسان شيئا ، و هي تقف ضد كل رأي يطمس العقلية الجمعية و هي تقف ضد كل النزعات الاستبدادية في السياسي . كما إنها تؤمن بالحرية الملازمة للأنسان في وجوده بالحياة ، و هو يملك إرادة لاختيار نوع الحياة التي يعيش فيها ، و هو الذي يحدد مصيره في إطار هذه .
و خلاصة القول لسار تر : إن الإنسان مطلق في الاختيار يصنع نفسه بنفسه و يملأ وجوده على النحو الذي يلائمه .
( ناصر ، 1990 ، ص 13 )

ثالثا : النظريات التي فسرت الإرادة :
كان من أوائل المنظرين في الإرادة و منذ بدايات القرن التاسع عشر و تحديدا عام ( 1812 م ) العالم ( باكانون Bachanon ) ، الذي قدم قامت بتفسير الفعل الإرادي بأنه فعل مكتسب و ليس فطريا و قد درست هذه ربط الفعل العضلي مع الرغبة القوية في الأداء لدى مجموعة من ممارسي الرياضة ، و قد حدد ( باكانون ) العملية التي نتعرف من خلالها على الإرادة وفقا لثلاث مبادئ أساسية ، هي :
1 . الفكرة (Thought) : و يعني بها الفكرة القائمة للعمل
او المراد عمله .
2 . الرغبة (Desire) : أي الرغبة في تنفيذ الفعل .
3 . (Behavior) : و أخيرا الفعل نفسه .
أما سيشنوف (Sechenov) 1863 ، فقد طور في (باكانون) و قدم توجها عمليا لتوضيح مفهوم الإرادة و فقا لقاعدة تجريبية تظهر في مفهوم الارتباط الذي وصفه بين عناصر الإثارة في الفعل المنعكس ، ويرى
(سيشنوف ) إن كل الحركات المدركة تسمى أحيانا (إرادية) ، و قام باستخدام مفهوم التغذية الراجعة (Feed Back) ، ليأخذ دوره في السلوك الإرادي .
(Kimble, 1970,p364)