الصحة النفسية

العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي

تخيل أنك تعيش في مدينة صاخبة، محاطًا بالناس، لكن تشعر بالعزلة التامة. هذا الشعور، الذي يصفه الكثيرون، يمكن أن يكون له تأثير مدمر على الصحة العقلية، خاصةً بالنسبة للأفراد الذين يعانون من الفصام (Schizophrenia). هل يمكن أن يكون هذا الشعور بالعزلة مرتبطًا بشكل مباشر بحدة أعراض هذا المرض؟ وكيف تتفاعل القدرة على فهم التفاعلات الاجتماعية مع هذا التأثير؟

منهجية البحث

للإجابة على هذه الأسئلة، قام باحثون في تشيلي بدراسة شملت 175 مريضًا مستقرًا وظيفيًا يعانون من الفصام. ركزت الدراسة على ثلاثة جوانب رئيسية: مستوى العزلة الاجتماعية، والقدرة على الإدراك الاجتماعي (Social Cognition) – وهي القدرة على فهم الإشارات الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين – وشدة الأعراض الإيجابية والسلبية للفصام. استخدم الباحثون مقياسًا لتقييم العزلة الاجتماعية، وهو جزء من مقياس “وصمة العار الداخلية لمرض العقلي” (Internalized Stigma of Mental Illness Scale – ISMI). كما استخدموا مقياسًا آخر، GEOPTE، لتقييم الإدراك الاجتماعي للمرضى. أما لتقييم شدة الأعراض، فقد اعتمدوا على مقياس “مقياس الأعراض الإيجابية والسلبية” (Positive and Negative Syndrome Scale – PANSS)، وهو أداة قياسية تستخدم على نطاق واسع في تشخيص وتقييم الفصام.

لم يكتفِ الباحثون بجمع البيانات، بل قاموا بتحليلها إحصائيًا باستخدام مجموعة من الأساليب المتقدمة. شمل ذلك تحليل إحصائيات وصفية، واختبارات الارتباط (Spearman correlations) لتحديد العلاقات بين المتغيرات المختلفة، وتحليل عاملي تأكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA) للتأكد من أن المقاييس المستخدمة تقيس ما يفترض أن تقيسه. والأهم من ذلك، استخدموا نموذجًا إحصائيًا معقدًا يسمى “نموذج المعادلات الهيكلية” (Structural Equation Modeling – SEM) لفحص العلاقات السببية المحتملة بين العزلة الاجتماعية، والإدراك الاجتماعي، وشدة الأعراض. كما أجروا تحليل انحدار متعدد (Multiple Regression) لتحديد العوامل التي تتنبأ بشدة الأعراض.

النتائج

أظهرت النتائج أن جميع المقاييس المستخدمة تتمتع بموثوقية عالية، مما يعني أن النتائج التي تم الحصول عليها دقيقة وثابتة. وكشفت الدراسة عن وجود ارتباط قوي بين العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي (ρ = 0.54)، مما يشير إلى أن الأفراد الذين يشعرون بالعزلة يميلون إلى أن يكون لديهم صعوبة أكبر في فهم التفاعلات الاجتماعية.

عند تحليل البيانات باستخدام نموذج المعادلات الهيكلية، وجد الباحثون أن العزلة الاجتماعية مرتبطة بشكل كبير بالإدراك الاجتماعي (β = 0.64)، ولكنها لم يكن لها تأثير مباشر على الأعراض الإيجابية للفصام (مثل الهلوسة والأوهام). أما بالنسبة للأعراض السلبية (مثل الانعزال العاطفي وقلة الدافع)، فقد تبين أن كلاً من الإدراك الاجتماعي (β = 0.26) والعزلة الاجتماعية (β = 0.48) لهما تأثير مباشر على شدتها.

الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الدراسة كشفت عن أن الإدراك الاجتماعي يلعب دورًا وسيطًا في العلاقة بين العزلة الاجتماعية والأعراض الإيجابية. وهذا يعني أن العزلة الاجتماعية تؤدي إلى ضعف الإدراك الاجتماعي، والذي بدوره يزيد من شدة الأعراض الإيجابية. ولكن هذا التأثير الوسيط لم يكن موجودًا بالنسبة للأعراض السلبية.

دلالات البحث

تشير هذه النتائج إلى أن العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي يلعبان دورًا مهمًا في تفاقم أعراض الفصام، ولكن بطرق مختلفة. يبدو أن العزلة الاجتماعية تؤثر بشكل أساسي على الأعراض السلبية بشكل مباشر، بينما تؤثر على الأعراض الإيجابية بشكل غير مباشر من خلال تأثيرها على الإدراك الاجتماعي.

هذه النتائج لها آثار مهمة على كيفية علاج الفصام. فبدلاً من التركيز فقط على تخفيف الأعراض الدوائية، يجب أن تشمل خطط العلاج أيضًا تدخلات تهدف إلى تقليل العزلة الاجتماعية وتحسين الإدراك الاجتماعي للمرضى. قد تشمل هذه التدخلات العلاج الجماعي، والتدريب على المهارات الاجتماعية، وبرامج الدعم المجتمعي. من خلال معالجة هذه الجوانب، يمكننا مساعدة المرضى على تحسين نوعية حياتهم وتقليل العبء الذي يفرضه هذا المرض عليهم.

تؤكد هذه الدراسة، التي أجريت على عينة من المرضى التشيلين، على أهمية فهم العوامل الاجتماعية والنفسية التي تساهم في تطور وشدة الفصام. إنها تذكرنا بأن الصحة العقلية ليست مجرد مسألة بيولوجية، بل هي أيضًا مسألة اجتماعية وثقافية.


Reference

Caqueo-Urízar, A. (2026). Social isolation, social cognition and symptom severity in Chilean patients with Schizophrenia: A mediational model. Journal of Psychiatric Research.

DOI: 10.1016/j.jpsychires.2025.10.070

تفاصيل الدراسة

Article
Journal of Psychiatric Research
يوليو 15, 2026
Caqueo-Urízar, A.
Caqueo-Urízar, A. (2026). Social isolation, social cognition and symptom severity in Chilean patients with Schizophrenia: A mediational model

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي." عرب سايكلوجي, 10 فبراير. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, فبراير, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. العزلة الاجتماعية والإدراك الاجتماعي: دور الوساطة في أعراض الفصام لدى مرضى تشيلي. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF