الصحة النفسية

تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين

تخيل طفلاً صغيراً يجد صعوبة بالغة في فهم تعابير وجه الآخرين، أو مراهقاً يواجه تحديات في تكوين صداقات والحفاظ عليها. هذه ليست مجرد صعوبات عابرة، بل قد تكون مؤشرات على اضطراب طيف التوحد (ASD)، وهو حالة عصبية تنموية تؤثر على كيفية تفاعل الشخص مع العالم من حوله. لطالما كان فهم التغيرات في أعراض التوحد مع تقدم العمر هدفاً رئيسياً للباحثين، فهل تختلف الأعراض الأساسية بين الأطفال والمراهقين المصابين بهذا الاضطراب؟ وهل يمكن أن تساعدنا دراسة هذه الاختلافات في تطوير تدخلات علاجية أكثر فعالية؟

منهجية البحث

للإجابة على هذه الأسئلة، قام باحثون بتحليل بيانات شملت 1148 مشاركاً تم تشخيصهم باضطراب طيف التوحد، مقسمين إلى مجموعتين: 678 طفلاً و 470 مراهقاً. استخدم الباحثون مقياساً شاملاً لتقييم ستة مجالات رئيسية مرتبطة بالتوحد: ضعف التكيف الاجتماعي، نقص القدرة على التعاطف (فهم مشاعر الآخرين ومشاركتها)، السلوكيات والاهتمامات المقيدة والمتكررة، صعوبات في الاندماج الاجتماعي المناسب للعمر، وظائف إدراكية فريدة، وحواجز التواصل. تم استخدام التحليلات الإحصائية التقليدية لمقارنة شدة الأعراض بين المجموعتين.

ولكن ما يميز هذه الدراسة هو استخدامها لتقنية متطورة تسمى “تحليل الشبكة” (Network Analysis). تخيل أن أعراض التوحد ليست مجرد قائمة منفصلة، بل هي شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة. يهدف تحليل الشبكة إلى رسم خريطة لهذه العلاقات، وتحديد الأعراض الأكثر مركزية وتأثيراً على الأعراض الأخرى. استخدم الباحثون طريقتين رئيسيتين في تحليل الشبكة: “التأثير المتوقع” (Expected Influence – EI)، والذي يوضح مدى أهمية عرض معين في التأثير على الأعراض الأخرى، واختبار مقارنة الشبكات (Network Comparison Test – NCT)، الذي يحدد ما إذا كانت الروابط بين الأعراض مختلفة بين الأطفال والمراهقين. تم بناء الشبكات التنبؤية بناءً على الارتباطات الجزئية بين الأعراض، مما يعني أن الباحثين حاولوا تحديد العلاقة الفريدة بين كل زوج من الأعراض مع التحكم في تأثير الأعراض الأخرى.

النتائج

أظهرت النتائج أن متوسط درجات الشدة الإجمالية للتوحد، كما تم قياسها باستخدام مقياس Asperger Syndrome Screening Scale (ASSS)، كان أعلى بشكل ملحوظ لدى الأطفال مقارنة بالمراهقين (قيمة الاحتمال P = 0.01). بمعنى آخر، كان الأطفال المصابون بالتوحد يعانون من أعراض أكثر حدة بشكل عام، بمتوسط زيادة قدرها وحدتان في الدرجات.

عند تحليل شبكات الأعراض، تبين أن “حواجز التواصل” (Communication Barriers) كانت العرض الأكثر مركزية لدى الأطفال، حيث أظهرت أقوى الروابط مع الأعراض الأخرى في النموذج، تليها “نقص التعاطف” (Empathy Deficits) و “السلوكيات والاهتمامات المقيدة والمتكررة” (Restricted and Repetitive Behaviors and Interests). أما بالنسبة للمراهقين، فظلت “حواجز التواصل” هي العرض الأكثر مركزية، ولكنها تبعتها “السلوكيات والاهتمامات المقيدة والمتكررة” ثم “نقص التعاطف”.

الأمر المثير للاهتمام هو أن الباحثين وجدوا أن الهيكل العام لشبكات الأعراض، بما في ذلك الترابطات بين الأعراض المختلفة، كان متشابهاً إلى حد كبير بين الأطفال والمراهقين. وهذا يشير إلى أن الأعراض الأساسية للتوحد تظل ثابتة نسبياً مع تقدم العمر، على الرغم من أن شدتها قد تختلف.

دلالات البحث

تسلط هذه الدراسة الضوء على الخصائص السريرية العالمية لاضطراب طيف التوحد، مما يؤكد على أهمية التدخلات العلاجية الفعالة التي تستهدف كلا المجموعتين العمريتين. إن التشابه في هياكل شبكات الأعراض بين الأطفال والمراهقين يشير إلى أن التركيز على معالجة “حواجز التواصل” و “نقص التعاطف” و “ضعف التكيف الاجتماعي” يمكن أن يكون مفيداً للأفراد المصابين بالتوحد في جميع مراحل حياتهم.

على الرغم من أن الدراسة أظهرت أن الأعراض قد تكون أكثر حدة في مرحلة الطفولة، إلا أن هذا لا يعني أن المراهقين المصابين بالتوحد لا يحتاجون إلى دعم. بدلاً من ذلك، يجب أن تكون التدخلات العلاجية مصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات المتغيرة للأفراد المصابين بالتوحد مع تقدمهم في العمر، مع التركيز على تطوير المهارات الاجتماعية والتواصلية وتعزيز قدرتهم على الاندماج في المجتمع. إن فهم العلاقات المعقدة بين أعراض التوحد يمكن أن يساعد الباحثين والأطباء في تطوير استراتيجيات علاجية أكثر استهدافاً وفعالية، مما يحسن نوعية حياة الأفراد المصابين بهذا الاضطراب وعائلاتهم.


Reference

Zhang, W. (2026). A comparison of severity and inter-relationships of autism symptoms between children and adolescents: A network analysis approach. Research in Autism.

DOI: 10.1016/j.reia.2025.202724

تفاصيل الدراسة

Article
Research in Autism
يوليو 12, 2026
Zhang, W.
Zhang, W. (2026). A comparison of severity and inter-relationships of autism symptoms between children and adolescents: A network analysis approach

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%a3%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae-2/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين." عرب سايكلوجي, 16 فبراير. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%a3%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae-2/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%a3%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae-2/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d9%8a%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%a3%d9%88%d8%ac%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae-2/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, فبراير, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. تحليل الشبكات يكشف أوجه التشابه والاختلاف في أعراض التوحد بين الأطفال والمراهقين. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF