تخيل أنك مراهق، في فترة حرجة من حياتك، مليئة بالتغيرات والتحديات. الضغط الدراسي، العلاقات الاجتماعية المعقدة، ومحاولة اكتشاف هويتك كلها عوامل قد تسبب ضغوطًا نفسية كبيرة. الآن، تخيل أنك تعلم أن أحد أصدقائك أو زملائك في المدرسة قد أضرّ بنفسه. هل يمكن أن يزيد هذا من احتمالية أن تفكر أنت أيضًا في إيذاء نفسك؟ هذا هو السؤال الذي حاول باحثون في فنلندا الإجابة عليه، ونتائجهم تحمل دلالات مهمة للصحة النفسية للمراهقين.
منهجية البحث
قام فريق بحثي بقيادة الباحث آلهو من فنلندا بدراسة بيانات شاملة من سجلات وطنية تغطي جميع الفنلنديين المولودين بين عامي 1985 و 2000. شملت الدراسة ما يقرب من 913,149 شخصًا، وتم تتبعهم حتى أول حالة مسجلة لإيذاء النفس، أو الهجرة، أو الوفاة، أو حتى نهاية عام 2020، أيهما يأتي أولاً. (إيذاء النفس هنا يشمل مجموعة واسعة من السلوكيات، من الجروح الطفيفة إلى محاولات الانتحار).
ركز الباحثون على تحديد ما إذا كان وجود زملاء في نفس الصف الدراسي قد قاموا بإيذاء أنفسهم يرتبط بزيادة خطر إيذاء النفس لدى المشاركين في الدراسة. استخدموا نماذج إحصائية متطورة، تسمى نماذج كوكس المتناسبة (Cox proportional hazards models)، لتحليل البيانات. هذه النماذج تسمح للباحثين بتقييم العلاقة بين التعرض لإيذاء النفس لدى الزملاء وخطر إيذاء النفس لدى الأفراد، مع الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى قد تؤثر على النتيجة، مثل الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، وخصائص الأسرة، ومستوى الأداء الدراسي، والمنطقة الجغرافية التي يعيش فيها المشاركون.
النتائج
أظهرت الدراسة أن وجود زملاء في نفس الصف الدراسي قد قاموا بإيذاء أنفسهم بين سن بداية المدرسة وحتى نهاية الصف التاسع كان مرتبطًا بزيادة طفيفة في خطر إيذاء النفس في وقت لاحق من الحياة. (الزيادة في الخطر تم التعبير عنها باستخدام ما يسمى “نسبة الخطر” أو Hazard Ratio – HR، وهي مقياس لمدى تأثير التعرض على الخطر). كانت نسبة الخطر 1.05، مما يعني أن الأفراد الذين كان لديهم زملاء قاموا بإيذاء أنفسهم كانوا أكثر عرضة بنسبة 5٪ لإيذاء أنفسهم مقارنة بأولئك الذين لم يكن لديهم مثل هذا التعرض.
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن هذه الزيادة في الخطر كانت أعلى في بداية فترة المتابعة، عندما كان المشاركون في الدراسة في حوالي سن 16 عامًا (نسبة الخطر 1.45). كما وجد الباحثون أن التعرض لإيذاء النفس لدى الزملاء في الصف الثامن أو التاسع كان مرتبطًا بأعلى خطر، خاصةً عندما بدأ التتبع بعد انتهاء هذين الصفين.
الدلالات
تشير هذه النتائج إلى أن إيذاء النفس قد ينتشر اجتماعيًا بين المراهقين. بمعنى آخر، قد يؤثر سلوك إيذاء النفس لدى الأقران على سلوك الآخرين. (هذا لا يعني أن إيذاء النفس “معدي” بالمعنى التقليدي، بل يشير إلى أن التعرض لهذا السلوك قد يزيد من احتمالية أن يفكر الأفراد في إيذائهم أنفسهم).
يرى الباحثون أن الزيادة في الخطر في سن 16 عامًا قد تكون مرتبطة بالضغوط الخارجية المرتبطة بالانتقال إلى مراحل جديدة من الحياة، مثل الاستعداد للثانوية أو التفكير في المستقبل المهني. في هذه المرحلة العمرية، قد يكون المراهقون أكثر عرضة للتأثر بأقرانهم وأكثر حساسية للضغوط النفسية.
تؤكد هذه الدراسة على أهمية تطوير برامج الوقاية والتدخل التي تأخذ في الاعتبار التأثير المحتمل للأقران على سلوك إيذاء النفس لدى المراهقين. قد تشمل هذه البرامج تثقيف المراهقين حول إيذاء النفس، وتعزيز مهارات التأقلم الصحية، وتوفير الدعم النفسي للأفراد المعرضين للخطر. من خلال فهم كيفية انتشار إيذاء النفس بين المراهقين، يمكننا العمل على تقليل العبء العام لهذا المشكلة الصحية الهامة.
تم تمويل هذا البحث من قبل المجلس الأوروبي للبحث والمجلس الفنلندي للبحث العلمي.
Reference
Alho, J. (2026). Examination of self-harm clustering in adolescent peer networks: a nationwide registry cohort study in Finland. The Lancet Regional Health – Europe.
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%8e%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%8f%d9%87%d9%8e%d8%a7%d8%aa%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b0%d9%89-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران." عرب سايكلوجي, 16 فبراير. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%8e%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%8f%d9%87%d9%8e%d8%a7%d8%aa%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b0%d9%89-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%8e%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%8f%d9%87%d9%8e%d8%a7%d8%aa%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b0%d9%89-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%8e%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%8f%d9%87%d9%8e%d8%a7%d8%aa%d9%8f-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b0%d9%89-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, فبراير, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تَشابُهَاتُ الأذى بالنفس بين المراهقين: دراسة فنلندية واسعة النطاق تكشف عن تأثير الأقران. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
