علم النفس العام

دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟

كم مرة دفعت نفسك إلى ممارسة الرياضة، ليس لأنك تستمتع بها، بل لأنك تشعر بالذنب إذا لم تفعل؟ أو ربما لأنك تعتقد أنك “يجب” أن تكون لائقًا؟ هذه الدوافع، على الرغم من أنها قد تبدو كافية لإخراجك من المنزل، قد لا تكون مفيدة لصحتك النفسية بقدر ما تعتقد. دراسة جديدة تلقي الضوء على أهمية *نوع* الدافع الذي يحركنا لممارسة الرياضة، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك بشكل كبير على شعورنا العام بالرفاهية.

منهجية البحث

قام الباحثون، بقيادة كلّيس إس. (Claes S.)، بالتحقيق في العلاقة بين دوافع ممارسة الرياضة والشعور بالرفاهية، ولكنهم اتبعوا نهجًا مختلفًا عن الدراسات السابقة. بدلًا من التركيز على ما إذا كان الشخص يمارس الرياضة أم لا، ركزوا على *لماذا* يمارسها. استنادًا إلى نظرية التحديد الذاتي (Self-Determination Theory)، وهي نظرية نفسية بارزة تشرح كيف تنمو الدوافع البشرية وتنظمها، قاموا بتصنيف دوافع ممارسة الرياضة إلى نوعين رئيسيين: الدوافع الذاتية (autonomous motivation) والدوافع الخاضعة للسيطرة (controlled motivation).

الدوافع الذاتية تنبع من داخل الشخص نفسه – الاستمتاع بالنشاط البدني، الشعور بالنشاط والحيوية، أو الرغبة في تحسين الصحة الشخصية. أما الدوافع الخاضعة للسيطرة، فتأتي من مصادر خارجية – الشعور بالذنب، الضغط الاجتماعي، أو الرغبة في تجنب العواقب السلبية (مثل زيادة الوزن). استخدم الباحثون استبيانات مفصلة لتقييم هذه الدوافع لدى مجموعة من المشاركين، بالإضافة إلى مقاييس لتقييم مستويات الرفاهية النفسية لديهم، بما في ذلك الشعور بالسعادة، والرضا عن الحياة، ومستويات التوتر.

التركيز على الأفراد لا على المتوسطات

ما يميز هذه الدراسة هو استخدامها لنهج “متمحور حول الشخص” (person-centered approach). بدلًا من حساب متوسطات للدوافع والرفاهية، قام الباحثون بتحديد مجموعات مختلفة من الأشخاص بناءً على أنماط دوافعهم. هذا سمح لهم بفهم كيف تتفاعل الدوافع المختلفة مع بعضها البعض، وكيف تؤثر على الرفاهية بشكل مختلف لدى الأفراد المختلفين. على سبيل المثال، هل يمكن لشخص لديه دوافع ذاتية قوية أن يعوض عن وجود بعض الدوافع الخاضعة للسيطرة؟

النتائج

أظهرت النتائج أن جودة الدافع لممارسة الرياضة لها تأثير كبير على الرفاهية. وجد الباحثون أن الأشخاص الذين كانت دوافعهم ذاتية بشكل أساسي أبلغوا عن مستويات أعلى من الرفاهية بشكل عام. هذا ليس مفاجئًا، ولكن المفاجأة كانت في تأثير الدوافع الخاضعة للسيطرة.

لاحظ الباحثون أن الدوافع الخاضعة للسيطرة لم تكن مجرد غير فعالة في تعزيز الرفاهية، بل كانت في الواقع مرتبطة بمستويات أقل من الرفاهية. والأكثر إثارة للاهتمام، أن الدوافع الخاضعة للسيطرة بدت وكأنها “تلغي” الفوائد المرتبطة بالدوافع الذاتية. بمعنى آخر، حتى لو كان الشخص يستمتع بالرياضة ولديه دوافع ذاتية قوية، فإن وجود دوافع خاضعة للسيطرة (مثل الشعور بالذنب) يمكن أن يقلل من تأثير هذه الدوافع الإيجابية على الرفاهية.

أظهر التحليل المتمحور حول الشخص وجود مجموعات متميزة من الأفراد. كانت هناك مجموعة تتميز بدوافع ذاتية عالية جدًا، ومجموعة أخرى تتميز بدوافع خاضعة للسيطرة عالية جدًا، ومجموعات أخرى تقع في مكان ما بينهما. كانت المجموعة ذات الدوافع الذاتية العالية هي الأكثر سعادة ورضا عن الحياة، في حين كانت المجموعة ذات الدوافع الخاضعة للسيطرة العالية هي الأكثر عرضة للتوتر والقلق.

دلالات

هذه النتائج لها آثار مهمة على كيفية تفكيرنا في ممارسة الرياضة والرفاهية. إنها تشير إلى أن مجرد ممارسة الرياضة ليست كافية. الأهم هو *لماذا* نمارسها. إذا كنا نفعل ذلك فقط لأننا نشعر بالذنب أو لأننا نعتقد أننا “يجب” أن نفعل ذلك، فقد لا نحصل على الفوائد النفسية الكاملة للنشاط البدني.

يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج يمكن أن تساعد في تصميم برامج تدخلية لتعزيز ممارسة الرياضة والرفاهية. بدلًا من التركيز فقط على تشجيع الناس على ممارسة الرياضة، يجب أن تركز هذه البرامج أيضًا على مساعدة الناس على تطوير دوافع ذاتية لممارسة الرياضة. يمكن تحقيق ذلك من خلال إيجاد أنشطة بدنية يستمتعون بها، وربط ممارسة الرياضة بأهداف شخصية ذات معنى، وخلق بيئة داعمة تشجع على الاستقلالية والاختيار.

في النهاية، تذكرنا هذه الدراسة بأن الصحة لا تتعلق فقط بالجسم، بل أيضًا بالعقل. ومفتاح الصحة العقلية الجيدة، في كثير من الأحيان، يكمن في فهم دوافعنا والعمل على تنمية تلك التي تجلب لنا السعادة والرضا الحقيقيين.


Reference

Claes S. (2026). What moves you? The relation between exercise motivation and well-being using a person-centered approach. BMC Public Health, 26(1), 497-497.

DOI: 10.1186/s12889-025-26028-2

تفاصيل الدراسة

Article
BMC Public Health
يناير 9, 2026
Sara Claes Sterre De Wit Bart Le Clercq Lore Pil
BE
Sara Claes et al. (2026). What moves you? The relation between exercise motivation and well-being using a person-centered approach

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%a7%d9%81%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%a4%d8%ab%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟." عرب سايكلوجي, 26 فبراير. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%a7%d9%81%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%a4%d8%ab%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%a7%d9%81%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%a4%d8%ab%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%a7%d9%81%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d8%a4%d8%ab%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, فبراير, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. دافعية التمارين الرياضية: كيف تؤثر على الصحة النفسية والرفاهية؟. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF