هل تساءلت يومًا لماذا يعاني الأشخاص الذين يعيشون في مناطق أقل حظًا من مشاكل صحية أكثر؟ قد يكون الجواب ليس في العادات السيئة أو نقص الرعاية الصحية فحسب، بل أيضًا في عالم معقد يعيش داخل أجسادنا: الميكروبيوم المعوي (مجموعة الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في أمعائنا). دراسة حديثة تلقي الضوء على العلاقة المدهشة بين الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وتكوين الميكروبيوم المعوي، والصحة العقلية والجسدية.
منهجية البحث
قام باحثون بتحليل بيانات من دراسة TwinsUK، وهي دراسة واسعة النطاق تشمل التوائم في المملكة المتحدة. شملت الدراسة 1390 امرأة، وتم جمع عينات من الحمض النووي للبكتيريا الموجودة في أمعائهن باستخدام تقنية تسمى “تسلسل الميتراجينوم الكامل” (shotgun metagenomics). تسمح هذه التقنية بتحديد أنواع البكتيريا الموجودة ووظائفها بدقة عالية. بالإضافة إلى ذلك، تم جمع معلومات حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمشاركات، باستخدام مؤشر تاونسند للحرمان (Townsend Deprivation Index)، وهو مقياس يأخذ في الاعتبار عوامل مثل البطالة، والتعليم، والملكية، والاكتظاظ السكاني. ربط الباحثون هذه البيانات بمعلومات حول الصحة العقلية (القلق) والصحة الجسدية (داء السكري).
النتائج
أظهرت النتائج أن هناك علاقة واضحة بين مستويات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي وتكوين الميكروبيوم المعوي. النساء اللاتي يعشن في مناطق أكثر حرمانًا لديهن تنوع أقل من أنواع البكتيريا في أمعائهن (انخفاض التنوع ألفا). هذا التنوع الأقل ليس مجرد مسألة عدد، بل يشير إلى أن النظام البيئي المعوي أقل قدرة على التكيف مع التغيرات والتعامل مع التحديات.
بالإضافة إلى ذلك، اكتشف الباحثون تغييرات محددة في أنواع البكتيريا الموجودة. اثنا عشر نوعًا من البكتيريا ارتبطت بشكل خاص بالحرمان، مما سمح للباحثين بالتمييز بين المجموعات المختلفة من حيث مستويات الحرمان بدقة تصل إلى 72.5٪ إلى 74.4٪. الأكثر إثارة للاهتمام، أن هذه التغييرات في البكتيريا ارتبطت بتغييرات في المسارات الأيضية (عمليات كيميائية حيوية تحدث في الجسم)، وخاصة تلك المتعلقة باستقلاب الطاقة. وهذا يشير إلى أن الحرمان الاجتماعي والاقتصادي قد يؤثر على كيفية معالجة الجسم للطعام واستخدامه للطاقة.
لم تتوقف النتائج عند هذا الحد. وجد الباحثون أن الحرمان الاجتماعي والاقتصادي مرتبط بزيادة خطر الإصابة بالقلق (بنسبة 9٪) وداء السكري (بنسبة 16٪). والأمر الأكثر أهمية، أنهم اكتشفوا أن بعض أنواع البكتيريا تلعب دورًا وسيطًا في هذه العلاقة. على سبيل المثال، بكتيريا Intestinimonas massiliensis و Lawsonibacter sp_NSJ_51 ساهمت جزئيًا في العلاقة بين الحرمان والقلق. وبالمثل، ساهمت Lawsonibacter sp_NSJ_51 في العلاقة بين الحرمان وداء السكري. وهذا يعني أن هذه البكتيريا قد تكون بمثابة حلقة وصل بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة وتطور هذه الأمراض.
دلالات
تشير هذه النتائج إلى أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي لا يؤثر على صحتنا بشكل مباشر فحسب، بل يؤثر أيضًا على الميكروبيوم المعوي، الذي بدوره يؤثر على صحتنا العقلية والجسدية. هذا الاكتشاف له آثار عميقة على فهمنا لعدم المساواة في الصحة.
تقليديًا، كان يُنظر إلى الفوارق الصحية على أنها نتيجة للعوامل الفردية مثل الخيارات الصحية السيئة أو نقص الرعاية الصحية. لكن هذه الدراسة تشير إلى أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن تؤثر على صحتنا من خلال تغيير البيئة الداخلية لأجسامنا.
هذا لا يعني أننا عاجزون عن تغيير هذه الديناميكية. فهمنا المتزايد للميكروبيوم المعوي يفتح الباب أمام تدخلات جديدة. على سبيل المثال، قد يكون من الممكن تطوير استراتيجيات غذائية أو علاجات تعتمد على البروبيوتيك (بكتيريا مفيدة) لتعزيز التنوع البكتيري في أمعاء الأشخاص الذين يعيشون في مناطق محرومة، وبالتالي تحسين صحتهم.
ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن معالجة الفوارق الصحية تتطلب أكثر من مجرد حلول بيولوجية. يجب أيضًا معالجة الأسباب الجذرية للحرمان الاجتماعي والاقتصادي، مثل الفقر والبطالة والتمييز. فقط من خلال اتباع نهج شامل يمكننا تحقيق المساواة في الصحة للجميع.
Reference
Lin Y. (2026). Gut microbiome composition and function reflect socioeconomic deprivation. npj Biofilms and Microbiomes, 12(1).
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%8a%d9%83%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي." عرب سايكلوجي, 3 مارس. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%8a%d9%83%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%8a%d9%83%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%8a%d9%83%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, مارس, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تأثير الفقر الاجتماعي على ميكروبيوم الأمعاء والصحة النفسية والتمثيل الغذائي. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
