تخيل أنك مريض تعاني من آثار جانبية غير متوقعة بعد تناول دواء موصوف. من تتوقع أن يلجأ إليه؟ غالبًا ما يكون الطبيب أو الصيدلي هو أول من يتبادر إلى الذهن. لكن، هل تعلم أن هناك نظامًا كاملاً مخصصًا لرصد هذه الآثار الجانبية وتحليلها لتحسين سلامة الأدوية؟ هذا النظام يسمى “اليقظة الدوائية” (Pharmacovigilance)، وهو محور دراسة حديثة أجريت في السودان، تلقي الضوء على مدى وعي العاملين في القطاع الصحي بهذه الممارسة الهامة، ومدى تطبيقهم لها على أرض الواقع.
منهجية البحث
قام الباحث حميد محمد وفريقه بإجراء دراسة مقطعية (Cross-sectional study) في أحد المستشفيات الجامعية الرئيسية في السودان. استهدفت الدراسة جمع بيانات من مجموعة متنوعة من المهنيين الصحيين، بما في ذلك الأطباء والصيادلة والممرضين وغيرهم من العاملين المرتبطين بصرف الأدوية أو رعاية المرضى. تم استخدام استبيان مُصمم خصيصًا لتقييم ثلاثة جوانب رئيسية: المعرفة باليقظة الدوائية، والموقف تجاهها، والممارسة الفعلية للإبلاغ عن الآثار الجانبية للأدوية.
شمل الاستبيان أسئلة حول تعريف اليقظة الدوائية وأهدافها، وأهمية الإبلاغ عن الآثار الجانبية، والعقبات التي قد تواجه المهنيين الصحيين في الإبلاغ. كما تضمن أسئلة حول عدد المرات التي قام فيها المشاركون بالإبلاغ عن آثار جانبية في الأشهر الستة الماضية، والقنوات التي استخدموها للإبلاغ (مثل النماذج الورقية أو الأنظمة الإلكترونية). تم تحليل البيانات باستخدام الأساليب الإحصائية المناسبة لتحديد العلاقة بين هذه الجوانب المختلفة.
نتائج البحث
أظهرت النتائج أن المهنيين الصحيين المشاركين في الدراسة يتمتعون بمستوى جيد من المعرفة حول اليقظة الدوائية. كان معظمهم قادرًا على تعريف المفهوم بشكل صحيح وتحديد أهدافه الرئيسية. كما أبدوا مواقف إيجابية تجاه اليقظة الدوائية، مع إدراكهم لأهميتها في حماية المرضى وتحسين سلامة الأدوية. ومع ذلك، كان هناك تباين كبير بين المعرفة والموقف من جهة، والممارسة الفعلية من جهة أخرى.
على الرغم من أن غالبية المشاركين أبدوا استعدادًا للإبلاغ عن الآثار الجانبية، إلا أن معدلات الإبلاغ الفعلية كانت منخفضة بشكل ملحوظ. أشار الباحث حميد محمد إلى أن نسبة قليلة فقط من المهنيين الصحيين قاموا بالإبلاغ عن آثار جانبية في الأشهر الستة الماضية. وقد أرجع الباحثون هذا التناقض إلى عدة عوامل، بما في ذلك نقص التدريب المستمر، وعدم وجود آليات إبلاغ مبسطة وفعالة، والعبء الإضافي الذي يمثله الإبلاغ على المهنيين الصحيين المشغولين بالفعل.
أظهرت الدراسة أيضًا أن هناك اختلافات في معدلات الإبلاغ بين مختلف الفئات المهنية. على سبيل المثال، كان الصيادلة أكثر عرضة للإبلاغ عن الآثار الجانبية مقارنة بالأطباء، ربما بسبب دورهم المباشر في صرف الأدوية والتفاعل مع المرضى.
دلالات البحث
تشير نتائج هذه الدراسة إلى وجود فجوة كبيرة بين المعرفة والموقف والممارسة في مجال اليقظة الدوائية في السودان. على الرغم من أن المهنيين الصحيين يدركون أهمية الإبلاغ عن الآثار الجانبية، إلا أنهم لا يفعلون ذلك بالقدر الكافي. وهذا يمثل تحديًا كبيرًا لسلامة المرضى، حيث أن الإبلاغ عن الآثار الجانبية هو الخطوة الأولى في تحديد المشكلات المتعلقة بالأدوية واتخاذ الإجراءات اللازمة لحلها.
يوصي الباحثون بتنفيذ تدخلات مستهدفة لتحسين ممارسة اليقظة الدوائية في السودان. وتشمل هذه التدخلات توفير تدريب مستمر للمهنيين الصحيين حول اليقظة الدوائية، وتبسيط آليات الإبلاغ، وتوفير حوافز للمهنيين الصحيين للإبلاغ عن الآثار الجانبية. كما يشددون على أهمية وضع سياسات ولوائح واضحة تدعم اليقظة الدوائية وتشجع على الإبلاغ عن الآثار الجانبية.
إن تعزيز اليقظة الدوائية ليس مجرد مسؤولية المهنيين الصحيين، بل هو جهد جماعي يتطلب مشاركة جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الحكومات وشركات الأدوية والمرضى. من خلال العمل معًا، يمكننا بناء نظام يقظة دوائية قوي وفعال يضمن سلامة الأدوية وحماية صحة المرضى.
Reference
Hamid M. (2025). Knowledge, attitude, and practice of pharmacovigilance among healthcare professionals at a tertiary level hospital, Sudan: a cross sectional study. BMC Health Services Research, 26(1), 89-89.
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d9%85%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان." عرب سايكلوجي, 24 مارس. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d9%85%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d9%85%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%81-%d9%88%d9%85%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, مارس, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. وعي ومواقف وممارسات الرعاية الدوائية: دراسة في السودان. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
