- أظهرت الدراسة أن 20% من فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) في المرضى الذين يعانون من أول نوبة ذهانية (FEP) كشفت عن تشوهات إشعاعية.
- التغيرات في المادة البيضاء هي التشوهات الإشعاعية الأكثر شيوعًا، تليها الآفات الكيسية والتشوهات الوعائية.
- في عدد قليل من الحالات (1.2%) فقط، أدت نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي إلى تغييرات في التشخيص أو العلاج.
- تشير النتائج إلى الحاجة إلى دراسة فعالية التكلفة للتصوير العصبي كإجراء فحص في حالات الفصام الأولي.
هل حقًا كل ما نسمعه هلوسات؟ دراسة جديدة تلقي الضوء على التشخيص العصبي للذهان الحاد
أتعرف هذا الشعور… أن العالم يتغير من حولك، الأصوات تهمس، الظلال تتحرك بطرق غريبة؟ بالنسبة للكثيرين، هذه مجرد لحظات عابرة من القلق أو الخيال. لكن بالنسبة لشخص يعاني من الذهان الحاد، هذه ليست مجرد تجربة، بل واقع جديد ومربك. لطالما كان فهم أسباب هذه التجارب تحديًا كبيرًا للأطباء النفسيين. هل هي نتيجة خلل في كيمياء الدماغ، أم صدمة نفسية عميقة، أم ربما… شيء آخر؟ هذا السؤال هو ما تسعى دراسة حديثة، أجراها الدكتور كورسانديان وفريقه في سويسرا، للإجابة عليه، من خلال فحص دقيق لأدمغة المرضى الذين يعانون من أول نوبة ذهانية.
الإطار النظري
الذهان ليس مرضًا واحدًا، بل هو مجموعة من الأعراض التي تشير إلى فقدان الاتصال بالواقع. يمكن أن يشمل ذلك الهلوسات (رؤية أو سماع أشياء غير موجودة)، والأوهام (اعتقادات خاطئة ثابتة)، والتفكير غير المنظم، والسلوك الغريب. تاريخيًا، كان يُنظر إلى الذهان على أنه نتيجة حتمية لاضطرابات نفسية مثل الفصام. ومع ذلك، فإن هذا المنظور بدأ يتغير مع تزايد الأدلة التي تشير إلى أن العوامل البيولوجية، وخاصةً التشوهات في بنية ووظيفة الدماغ، يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا.
تعتمد العديد من النظريات النفسية الحديثة على مفهوم التفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية في تطور الذهان. على سبيل المثال، تفترض النظرية المعرفية السلوكية (CBT) أن الأفكار السلبية وأنماط التفكير المشوهة يمكن أن تساهم في تطور الأعراض الذهانية. بينما تركز التحليلات النفسية الديناميكية على دور الصدمات المبكرة والعلاقات غير الصحية في تشكيل تصور الفرد للواقع. لكن هذه النظريات، على الرغم من أهميتها، غالبًا ما تتجاهل الدور المحتمل للتشوهات العصبية. الدراسة الحالية تسعى إلى سد هذه الفجوة من خلال فحص دقيق للتغيرات العصبية التي قد تكون موجودة لدى المرضى الذين يعانون من الذهان الحاد.
المنهجية
قام الدكتور كورسانديان وفريقه بإجراء دراسة استعادية (retrospective cohort study) شملت سجلات المرضى الذين تم إدخالهم إلى مستشفى جامعي نفسي في سويسرا خلال فترة عشر سنوات (2013-2023). تخيل أنك محقق يحاول تجميع قطع الأحجية. بدلًا من إجراء تجارب جديدة، قام الباحثون بالعودة إلى الماضي، واستكشاف السجلات الطبية الموجودة بالفعل. تم اختيار 812 مريضًا تتراوح أعمارهم بين 18 و 40 عامًا، والذين عانوا من أول نوبة ذهانية. من بين هؤلاء، خضع 421 مريضًا لفحص الرنين المغناطيسي للدماغ (MRI) بعد دخولهم المستشفى.
الرنين المغناطيسي هو تقنية تصوير قوية تستخدم المجالات المغناطيسية وموجات الراديو لإنشاء صور مفصلة للدماغ. يمكن تشبيه الأمر بأخذ “صورة” للدماغ من الداخل، مما يسمح للأطباء برؤية أي تشوهات في البنية أو النسيج. قام فريق الدراسة بتحليل تقارير الرنين المغناطيسي بعناية، بحثًا عن أي علامات غير طبيعية، مثل التغيرات في المادة البيضاء (الألياف التي تربط مناطق الدماغ المختلفة)، أو الآفات الكيسية (تجمعات من السوائل)، أو التشوهات الوعائية (مشاكل في الأوعية الدموية).
بعد تحديد أي تشوهات، قام الباحثون بتقييم ما إذا كانت هذه التشوهات قد أدت إلى تغييرات في تشخيص المريض أو خطة العلاج. هذا هو الجزء الأكثر أهمية في الدراسة: هل كانت هذه التشوهات مجرد “ضوضاء” في الخلفية، أم أنها قدمت معلومات جديدة أدت إلى تحسين رعاية المرضى؟
النتائج
أظهرت النتائج أن 20٪ من فحوصات الرنين المغناطيسي (84 من أصل 421) كشفت عن تشوهات عصبية. كانت التغيرات في المادة البيضاء هي الأكثر شيوعًا (10.2٪)، تليها الآفات الكيسية (2.6٪) والتشوهات الوعائية (1.4٪). ومع ذلك، فإن المفاجأة الحقيقية كانت أن هذه التشوهات أدت إلى تغييرات في التشخيص أو العلاج في حالات قليلة جدًا فقط (1.2٪، أي 5 مرضى). هذا يعني أن غالبية التشوهات التي تم العثور عليها لم يكن لها تأثير مباشر على كيفية علاج المرضى.
يشير الدكتور كورسانديان إلى أن هذه النتائج تتفق مع دراسات سابقة، والتي أظهرت معدلات مماثلة من التشوهات العصبية لدى المرضى الذين يعانون من الذهان الحاد. ومع ذلك، فقد وجدوا معدلًا أقل من التشوهات ذات الأهمية السريرية مقارنةً ببعض الدراسات الأخرى. ويعتقدون أن هذا الاختلاف قد يكون بسبب تقييدهم للدراسة على المرضى الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 40 عامًا. فقد يكون المرضى الأكبر سنًا أكثر عرضة للإصابة بتشوهات عصبية مرتبطة بالعمر، والتي قد تكون ذات صلة بأعراضهم الذهانية.
الآثار
تثير هذه الدراسة تساؤلات مهمة حول الدور الذي يجب أن يلعبه التصوير العصبي في تقييم وتشخيص الذهان الحاد. إذا كانت غالبية التشوهات التي يتم العثور عليها لا تؤثر على العلاج، فهل يستحق الأمر التكلفة والجهد المرتبطين بإجراء فحوصات الرنين المغناطيسي لجميع المرضى؟ يشير الدكتور كورسانديان إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتقييم فعالية التصوير العصبي من حيث التكلفة، ولتحديد أي المرضى قد يستفيدون بشكل أكبر من هذا الإجراء.
من المهم أيضًا أن نتذكر أن التصوير العصبي هو مجرد أداة واحدة في مجموعة الأدوات التي يستخدمها الأطباء النفسيون. لا يمكن أن يحل محل التقييم السريري الشامل، والذي يشمل جمع التاريخ الطبي والنفسي للمريض، وإجراء الفحص النفسي، ومراقبة سلوكه. التشخيص الدقيق يتطلب دائمًا النظر إلى الصورة الكاملة، وليس الاعتماد على نتيجة واحدة فقط.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض العوامل الثقافية الفريدة. في العديد من المجتمعات العربية، لا يزال هناك وصمة عار كبيرة مرتبطة بالأمراض النفسية، مما قد يؤدي إلى تأخر البحث عن العلاج. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هناك نقص في الموارد والخبرة في مجال الصحة النفسية، مما يجعل من الصعب توفير رعاية عالية الجودة لجميع المرضى. قد يؤدي هذا إلى الاعتماد بشكل أكبر على التشخيصات السريرية التقليدية، مع إهمال الدور المحتمل للتصوير العصبي.
علاوة على ذلك، قد تؤثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الفقر والبطالة والنزاعات، على الصحة النفسية للأفراد وزيادة خطر الإصابة بالذهان. في هذه الحالات، قد يكون من الضروري إجراء فحوصات أكثر شمولاً، بما في ذلك التصوير العصبي، لاستبعاد الأسباب العضوية المحتملة للأعراض الذهانية. من المهم أيضًا أن نأخذ في الاعتبار أن التعبير عن الأعراض الذهانية قد يختلف باختلاف الثقافات. على سبيل المثال، قد يكون المرضى في بعض المجتمعات العربية أكثر عرضة للتعبير عن أعراضهم بطرق دينية أو روحية، مما قد يجعل من الصعب التمييز بين الذهان والأعراف الثقافية.
آفاق مستقبلية وقيود
تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من الأسئلة البحثية المستقبلية. هل يمكن استخدام التصوير العصبي لتحديد المرضى الذين هم أكثر عرضة للاستجابة لأنواع معينة من العلاج؟ هل يمكن أن يساعدنا في فهم الآليات العصبية الكامنة وراء الذهان بشكل أفضل؟ هل يمكن أن يؤدي إلى تطوير علاجات جديدة تستهدف هذه الآليات؟
ومع ذلك، من المهم أيضًا
Reference
Khorsandian M.C. (2026). Neuroradiological abnormalities in individuals with first-episode psychosis – a retrospective cohort study. BMC Psychiatry, 26(1).
المناقشة والتفكير النقدي
- ما هي الآثار المترتبة على التوصيات الحالية التي توصي بإجراء التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) كجزء من سير العمل التشخيصي للأفراد الذين يعانون من أول نوبة ذهانية (FEP)، بالنظر إلى معدل التغييرات العلاجية المنخفض الذي تم ملاحظته في هذه الدراسة؟
- كيف يمكن أن تؤثر القيود العمرية في هذه الدراسة على النتائج، وما هي التعديلات التي يمكن إجراؤها في الدراسات المستقبلية لمعالجة هذه المشكلة؟
- ما هي الاعتبارات الأخلاقية والعملية المتعلقة بإجراء التصوير العصبي على نطاق واسع كإجراء فحص في حالات الفصام الأولي، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الفوائد المحتملة والمخاطر المحتملة؟
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي." عرب سايكلوجي, 11 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b4%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d8%b5%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تشوهات تصوير عصبي في حالات الذهان الأول: دراسة جماعية بأثر رجعي. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
