هل أنت مستعد لما لا يمكن توقعه؟ هذا السؤال يتردد صداه في أروقة المستشفيات والمراكز الصحية في جميع أنحاء العالم، ولكنه يكتسب أهمية خاصة في منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتزايد التحديات الطبيعية والاجتماعية. دراسة حديثة أجراها الباحث سامي الشامي في قطر، تلقي الضوء على استعداد العاملين في القطاع الصحي لمواجهة الكوارث، وتكشف عن نقاط قوة وضعف في منظومة الاستعداد، وتقدم رؤى قيمة حول كيفية تعزيز القدرة على الصمود في وجه الأزمات.
الإطار النظري
تستند هذه الدراسة إلى إطار عمل إدارة الكوارث، وهو نموذج شامل يركز على أربعة عناصر رئيسية: التخفيف، والاستعداد، والاستجابة، والتعافي. هذا الإطار لا ينظر إلى الكوارث كأحداث منعزلة، بل كجزء من دورة مستمرة تتطلب تخطيطًا استباقيًا وتنسيقًا فعالًا. من الناحية النفسية، يمكن فهم استعداد العاملين الصحيين للكوارث من خلال نظريات مثل نظرية الفعالية الذاتية (Self-Efficacy) لألبرت باندورا، والتي تشير إلى أن إيمان الفرد بقدرته على التعامل مع موقف معين يؤثر بشكل كبير على سلوكه. فإذا كان العامل الصحي يعتقد أنه يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للاستجابة للكارثة، فمن المرجح أن يكون أكثر استعدادًا للمشاركة الفعالة. بالإضافة إلى ذلك، تلعب نظرية الضغط النفسي (Stress and Coping Theory) دورًا هامًا، حيث تحدد العوامل التي تزيد من الضغط النفسي أثناء الكوارث، وآليات التكيف التي يستخدمها الأفراد للتعامل مع هذا الضغط. فالعاملون الصحيون الذين يتمتعون بمهارات إدارة الضغط النفسي، والذين يتلقون الدعم النفسي الكافي، يكونون أكثر قدرة على الحفاظ على أدائهم الوظيفي في ظل الظروف الصعبة.
المنهجية
اعتمد الباحث الشامي على منهجية مختلطة (Mixed-Methods) تجمع بين البيانات الكمية والكيفية للحصول على فهم شامل لوجهات نظر العاملين الصحيين في قطر حول إدارة الكوارث. تم جمع البيانات الكمية من خلال استبيان ذاتي الإبلاغ تم توزيعه على عينة عشوائية طبقية (Stratified Random Sample) مكونة من 771 عاملاً صحيًا من مختلف المؤسسات الصحية في قطر. وقد بلغت نسبة الاستجابة 56.5%، مع 403 استجابة صالحة للتحليل. هذه العينة تجاوزت الحجم المطلوب لضمان قوة إحصائية كافية. أما البيانات الكيفية، فقد تم جمعها من خلال ست مجموعات تركيز (Focus Groups) عبر الإنترنت باستخدام برنامج Microsoft Teams، بمشاركة 41 عاملاً صحيًا تم اختيارهم بشكل مقصود (Purposive Sampling) لضمان تمثيل ذوي الخبرة في الاستجابة للكوارث. تم تحليل البيانات الكيفية بشكل موضوعي (Thematic Analysis) حتى الوصول إلى التشبع الموضوعي (Thematic Saturation)، مما يعني أن جمع البيانات توقف عندما لم تعد تظهر أفكار جديدة. وقد تم دمج البيانات الكمية والكيفية في مرحلة التفسير والتقرير باستخدام نهج سردي متجاور (Contiguous Narrative Approach)، مما سمح بتقديم رؤى متكاملة وتعزيز مصداقية النتائج. يمكن تشبيه هذه المنهجية ببناء لوحة فسيفسائية، حيث تمثل البيانات الكمية القطع الأساسية، بينما تضيف البيانات الكيفية التفاصيل والألوان التي تكمل الصورة.
النتائج
أظهرت البيانات الكمية أن العاملين الصحيين في قطر لديهم تصورات جيدة فيما يتعلق بمعرفتهم (بمتوسط وسيط [IQR] يبلغ 41 [34-44]) ومواقفهم (بمتوسط وسيط [IQR] يبلغ 46 [43-50]) واستعدادهم للممارسة (بمتوسط وسيط [IQR] يبلغ 23 [1-24]) وإدارة مؤسساتهم (بمتوسط وسيط [IQR] يبلغ 43 [40-50]). ومع ذلك، أبلغوا عن مشاركة أقل تكرارًا في الأنشطة العملية لإدارة الكوارث (بمتوسط وسيط [IQR] يبلغ 31 [24-39]). كما أظهرت النتائج وجود ارتباط كبير بين التصورات الإيجابية لإدارة الكوارث وبين تلقي التدريب المسبق، وشغل المناصب الإدارية، والخبرة في حالات الطوارئ الوطنية، والجنس، وعدد سنوات الخبرة، والمهنة، ومكان العمل (p < 0.05). أما البيانات الكيفية، فقد أكدت على أهمية التدريب العملي، والدعم النفسي، والابتكارات التكنولوجية، والتعاون متعدد التخصصات، والمشاركة المجتمعية، والتخطيط القوي والقيادة لتعزيز إدارة الكوارث وتحسين نتائج الصحة العامة. لقد عبر المشاركون في مجموعات التركيز عن الحاجة إلى محاكاة واقعية للكوارث، وتوفير معدات واقية كافية، وتطوير بروتوكولات اتصال فعالة، وتسهيل الوصول إلى الموارد اللازمة. كما شددوا على أهمية بناء الثقة بين العاملين الصحيين والمجتمع، وتعزيز الوعي العام حول إجراءات السلامة.
التأثيرات
تشير هذه النتائج إلى أن المؤسسات الصحية في جميع أنحاء العالم يجب أن تولي الأولوية للاستعداد الاستباقي للكوارث، والتقييم المستمر، وأنظمة الدعم الشاملة، والبروتوكولات القابلة للتكيف، والمشاركة المجتمعية لتعزيز القدرة على الصمود والتكيف والشراكة المجتمعية في إدارة الكوارث. بالنسبة للعاملين الصحيين، فإن هذه الدراسة تؤكد على أهمية الاستثمار في التدريب المستمر، وتطوير مهارات إدارة الضغط النفسي، وبناء شبكات دعم قوية. بالنسبة للمرضى، فإن الاستعداد الجيد للكوارث يعني توفير رعاية صحية أكثر فعالية وأمانًا في حالات الطوارئ. أما بالنسبة للجمهور، فإن الوعي العام حول إجراءات السلامة والاستعداد للكوارث يمكن أن ينقذ الأرواح ويقلل من الأضرار. إن تعزيز ثقافة الاستعداد للكوارث يتطلب جهودًا مشتركة من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الحكومات والمؤسسات الصحية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، تظهر بعض الفروق الدقيقة. ففي العديد من الدول العربية، قد تكون هناك تحديات إضافية تتعلق بالموارد المحدودة، والبنية التحتية غير الكافية، والقيود السياسية. كما أن العوامل الثقافية، مثل التمييز بين الجنسين، والاعتماد على التسلسل الهرمي، والتردد في التعبير عن الآراء، قد تؤثر على استعداد العاملين الصحيين للمشاركة في أنشطة إدارة الكوارث. على سبيل المثال، قد تواجه النساء العاملات في القطاع الصحي صعوبات في الحصول على التدريب اللازم، أو قد يترددن في تولي مناصب قيادية في حالات الطوارئ. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هناك نقص في الوعي العام حول أهمية الاستعداد للكوارث، مما يؤدي إلى ضعف المشاركة المجتمعية. لذلك، من الضروري تصميم برامج إدارة الكوارث التي تأخذ في الاعتبار هذه العوامل الثقافية، وتعمل على تعزيز المساواة بين الجنسين، وتشجيع المشاركة المجتمعية، وتوفير التدريب المناسب لجميع العاملين الصحيين. كما يجب الاستفادة من القيم الثقافية الإيجابية، مثل التكافل الاجتماعي والتضامن، لتعزيز القدرة على الصمود في وجه الأزمات.
آفاق مستقبلية وقيود
تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من الأسئلة البحثية المستقبلية. على سبيل المثال، يمكن إجراء دراسات مقارنة بين الدول العربية المختلفة لتقييم مدى استعدادها للكوارث، وتحديد أفضل الممارسات. كما يمكن إجراء دراسات طولية (Longitudinal Studies) لتقييم تأثير برامج التدريب على أداء العاملين الصحيين في حالات الطوارئ. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) لتحسين التنبؤ بالكوارث، وتطوير أنظمة استجابة أكثر فعالية. أما فيما يتعلق بالقيود، فإن هذه الدراسة اعتمدت على عينة من العاملين الصحيين في قطر فقط، مما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على الدول العربية الأخرى. كما أن الاستبيان ذاتي الإبلاغ قد يكون عرضة للتحيز (Bias
Reference
Elshami S. (2026). A mixed methods assessment of disaster management perceptions among healthcare practitioners in Qatar. Scientific Reports, 16(1).
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة." عرب سايكلوجي, 15 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84-%d9%84%d8%a5%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تقييم شامل لإدراك العاملين الصحيين في قطر لإدارة الكوارث: دراسة مختلطة. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
