المحتويات:
مفهوم عدم التحصيل الأكاديمي
المجالات التخصصية الأساسية: التربية، علم النفس التربوي، علم النفس التنموي، علم الاجتماع
1. التعريف الجوهري
يُعرّف عدم التحصيل الأكاديمي، أو التأخر الدراسي، على أنه التفاوت الملحوظ بين القدرة الكامنة للطالب على التعلم والأداء الفعلي الذي يحققه في البيئة الأكاديمية. لا ينبغي الخلط بينه وبين ضعف القدرة الفكرية العامة أو الإعاقات التعليمية المحددة؛ فجوهر عدم التحصيل يكمن في امتلاك الطالب لإمكانات فكرية كافية – قد تكون متوسطة أو فوق المتوسطة – ولكنه لا يترجم هذه الإمكانات إلى إنجازات تعليمية ملموسة. هذا التباين يمكن أن يظهر في مادة دراسية واحدة أو في عدة مواد، ويمكن أن يكون مستمرًا على مدى فترة طويلة أو يظهر بشكل متقطع في مراحل معينة من المسار التعليمي للطالب.
إن تحديد القدرة الكامنة يمثل تحديًا منهجيًا، حيث غالبًا ما يُستدل عليها من خلال اختبارات الذكاء الموحدة، أو تقييمات المعلمين، أو الأداء السابق للطالب. ومع ذلك، فإن هذه المقاييس قد لا تعكس دائمًا الصورة الكاملة لإمكانات الطالب الحقيقية، خاصة إذا كان يعاني من عوامل تؤثر على أدائه في الاختبارات. لذا، يتطلب تعريف عدم التحصيل الأكاديمي مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار مجموعة واسعة من المؤشرات، بما في ذلك الملاحظات السلوكية، والسجلات الأكاديمية، والتقارير النفسية والاجتماعية، لضمان تقييم دقيق لا يغفل أي جانب من جوانب شخصية الطالب أو بيئته.
يعد عدم التحصيل الأكاديمي ظاهرة متعددة الأوجه ومعقدة، ولا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط. غالبًا ما يكون نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل فردية (مثل الدافعية، وعادات الدراسة، والقضايا العاطفية)، وعوامل أسرية (مثل الدعم الأسري، والظروف المعيشية)، وعوامل مدرسية (مثل جودة التعليم، وبيئة الفصل)، وحتى عوامل مجتمعية أوسع. ولذلك، فإن فهمه يتطلب منظورًا متعدد التخصصات يجمع بين رؤى من علم النفس، والتربية، وعلم الاجتماع، مع التركيز على البحث عن الأسباب الجذرية وتقديم التدخلات المستهدفة التي تتناسب مع احتياجات الطالب الفردية.
2. التطور التاريخي والمفاهيمي
تعود جذور الاهتمام بظاهرة عدم التحصيل الأكاديمي إلى بدايات القرن العشرين مع تطور علم النفس التربوي وظهور الحاجة إلى فهم الفروق الفردية بين الطلاب. في البدايات، كان التركيز ينصب على قياس الذكاء والقدرات المعرفية، وكان يُفترض أن الطلاب الذين يمتلكون قدرات عالية يجب أن يحققوا أداءً أكاديميًا متميزًا. إلا أن الملاحظات الميدانية والبحوث المبكرة كشفت عن وجود مجموعة من الطلاب لا يتناسب أداؤهم مع قدراتهم الفكرية، مما أثار تساؤلات حول العوامل الأخرى التي قد تؤثر على التحصيل الدراسي.
شهدت منتصف القرن العشرين تطورًا كبيرًا في فهم هذا المفهوم، مع تزايد الاهتمام بالعوامل غير المعرفية مثل الدافعية، ومفهوم الذات، والقلق. بدأت الأبحاث تتجه نحو استكشاف الأسباب النفسية والاجتماعية التي قد تمنع الطلاب من استغلال إمكاناتهم الكاملة. في هذه الفترة، برزت نظريات مثل نظرية الإسناد (Attribution Theory) التي تفسر كيف يعزو الطلاب نجاحاتهم وإخفاقاتهم، وتأثير ذلك على دافعيتهم للتعلم. كما بدأ التمييز يتضح بشكل أكبر بين صعوبات التعلم المحددة، التي غالبًا ما ترتبط باضطرابات عصبية معرفية، وبين عدم التحصيل الأكاديمي الذي قد ينبع من مجموعة أوسع من العوامل النفسية والبيئية.
في العقود الأخيرة، أصبح المفهوم أكثر تعقيدًا وتعددية، حيث تجاوز التركيز على القدرة الكامنة وحدها ليشمل عوامل السياق البيئي والاجتماعي. أدت نظريات مثل نظرية النظم البيئية (Ecological Systems Theory) لبرونفنبرينر إلى فهم أعمق لتأثير التفاعلات بين الطالب والأسرة والمدرسة والمجتمع على التحصيل الأكاديمي. كما ازداد الوعي بأهمية العوامل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في تشكيل مسار الطالب الأكاديمي، مما استدعى مقاربات أكثر شمولية وتكاملية للتعامل مع هذه الظاهرة. اليوم، يُنظر إلى عدم التحصيل الأكاديمي على أنه مشكلة معقدة تتطلب حلولًا متعددة الأبعاد تستهدف الفرد والبيئة المحيطة به.
3. الخصائص والمؤشرات الرئيسية
تتميز ظاهرة عدم التحصيل الأكاديمي بمجموعة من الخصائص والمؤشرات التي تساعد على تحديد الطلاب الذين يعانون منها، وتتجاوز مجرد الدرجات المنخفضة. أولى هذه الخصائص هي التباين الواضح بين القدرة الكامنة والأداء الفعلي. يمكن قياس القدرة الكامنة من خلال اختبارات الذكاء الموحدة أو تقييمات المعلمين التي تشير إلى مستوى فهم الطالب وقدرته على الاستيعاب والتفكير. عندما يكون هناك تباين كبير بين هذه التقييمات والأداء العملي للطالب في الامتحانات أو المشاريع أو الواجبات المدرسية، فإن ذلك يعد مؤشرًا قويًا على عدم التحصيل.
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يُلاحظ أن الطلاب المتأخرين دراسيًا يظهرون نقصًا في الدافعية الأكاديمية، حيث قد يفقدون الاهتمام بالمهام المدرسية، أو يتجنبون المشاركة في الأنشطة الصفية، أو يظهرون لامبالاة تجاه درجاتهم. قد يرتبط هذا النقص في الدافعية بانخفاض الكفاءة الذاتية (Self-efficacy)، حيث يشك الطالب في قدرته على النجاح حتى لو كان يمتلك الإمكانات اللازمة. كما أنهم قد يفتقرون إلى مهارات الدراسة الفعالة، مثل التنظيم، وإدارة الوقت، وتدوين الملاحظات، مما يعيق قدرتهم على التعلم بفعالية واستغلال قدراتهم المعرفية. يمكن أن تتجلى هذه الخصائص أيضًا في شكل سلوكيات سلبية مثل التسويف، أو الانسحاب من الأنشطة المدرسية، أو حتى السلوكيات التخريبية التي قد تكون محاولة لجذب الانتباه أو للتعبير عن الإحباط.
من المهم الإشارة إلى أن عدم التحصيل الأكاديمي قد يكون عامًا (يؤثر على جميع المواد الدراسية) أو محددًا (يقتصر على مادة أو مجال معين). كما أنه قد يكون مصحوبًا بمشكلات عاطفية أو اجتماعية، مثل القلق، أو الاكتئاب، أو انخفاض احترام الذات، أو صعوبات في التكيف الاجتماعي مع الأقران والمعلمين. هذه المشكلات يمكن أن تكون سببًا لعدم التحصيل أو نتيجة له، وتشكل حلقة مفرغة تؤثر سلبًا على الأداء الأكاديمي للطالب. لذا، يتطلب تحديد هذه الخصائص فهمًا عميقًا لسلوك الطالب ونمطه الأكاديمي، بالإضافة إلى استبعاد أي إعاقات تعلم محددة أو اضطرابات نمائية قد تكون هي السبب الأساسي في ضعف الأداء.
4. الأسباب والعوامل المؤثرة
تتعدد العوامل التي تسهم في عدم التحصيل الأكاديمي، ويمكن تصنيفها إلى أربع فئات رئيسية تتفاعل فيما بينها لتشكل صورة معقدة. أولاً، العوامل الفردية التي تتعلق بالطالب نفسه. تشمل هذه العوامل قلة الدافعية الداخلية للتعلم، وضعف الكفاءة الذاتية، والقلق المفرط من الأداء، أو حتى الاكتئاب الذي يمكن أن يؤثر على التركيز والاهتمام. كما تلعب عادات الدراسة غير الفعالة، مثل عدم التنظيم، والتسويف، وعدم القدرة على إدارة الوقت، دورًا كبيرًا. قد يعاني بعض الطلاب أيضًا من مشكلات في التنظيم الذاتي، حيث يجدون صعوبة في تحديد الأهداف ومراقبة تقدمهم وتعديل استراتيجياتهم التعليمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن أنماط التعلم غير المتوافقة مع طرق التدريس السائدة يمكن أن تسهم في هذه الظاهرة.
ثانيًا، العوامل الأسرية التي تتعلق بالبيئة المنزلية والدعم الذي يتلقاه الطالب من أسرته. يمكن أن يؤثر المستوى التعليمي للوالدين، وتوقعاتهم الأكاديمية، ونمط التنشئة الأسرية، ومدى مشاركتهم في حياة الطالب الدراسية بشكل كبير. فالأسر التي تفتقر إلى الموارد التعليمية، أو التي تشهد صراعات أسرية، أو التي يكون فيها الوالدان غير قادرين على تقديم الدعم الأكاديمي أو العاطفي الكافي، قد تسهم في عدم تحصيل أبنائها. كما أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسرة يلعب دورًا، حيث قد تحد الظروف المعيشية الصعبة من قدرة الأسرة على توفير بيئة تعليمية مناسبة أو الوصول إلى موارد تعليمية إضافية.
ثالثًا، العوامل المدرسية التي تتعلق ببيئة التعلم والمؤسسة التعليمية. تشمل هذه العوامل جودة التدريس، وكفاءة المعلمين، والمناهج الدراسية غير الملائمة أو التي لا تلبي احتياجات الطلاب المتنوعة. فالفصول الدراسية الكبيرة، أو النقص في الموارد التعليمية، أو عدم وجود برامج دعم للطلاب الذين يواجهون صعوبات، يمكن أن تعيق التحصيل. كما أن العلاقة بين الطالب والمعلم، وديناميكيات الفصل الدراسي، وتأثير الأقران، كلها عوامل يمكن أن تؤثر على دافعية الطالب ومشاركته. فالمدرسة التي لا توفر بيئة داعمة ومحفزة للتعلم قد تفشل في إخراج أفضل ما لدى طلابها.
رابعًا، العوامل المجتمعية والثقافية الأوسع نطاقًا. تشمل هذه العوامل التوقعات المجتمعية من التعليم، والقيم الثقافية المتعلقة بالنجاح الأكاديمي، والوصول إلى الفرص التعليمية. ففي بعض المجتمعات، قد لا يكون هناك تقدير كافٍ للتعليم، أو قد تكون هناك عوائق هيكلية تمنع بعض الفئات من الوصول إلى تعليم جيد. كما أن التحديات الاجتماعية مثل التمييز، والفقر، ونقص الخدمات المجتمعية يمكن أن تزيد من احتمالية عدم التحصيل الأكاديمي. إن فهم هذه الشبكة المعقدة من العوامل أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات تدخل فعالة وشاملة.
5. النظريات المفسرة لعدم التحصيل الأكاديمي
تفسر العديد من النظريات النفسية والتربوية ظاهرة عدم التحصيل الأكاديمي من زوايا مختلفة، وتقدم كل منها رؤى قيمة حول أسبابها المحتملة. من أبرز هذه النظريات هي نظرية الإسناد (Attribution Theory) التي طورها برنارد وينر. تفترض هذه النظرية أن الطريقة التي يفسر بها الأفراد أسباب نجاحاتهم وإخفاقاتهم تؤثر بشكل كبير على دافعيتهم وسلوكهم المستقبلي. فالطلاب الذين يعزون إخفاقاتهم إلى عوامل داخلية ثابتة لا يمكن التحكم فيها (مثل نقص القدرة)، يميلون إلى الشعور باليأس والعجز، مما يقلل من جهودهم المستقبلية. على النقيض، الطلاب الذين يعزون إخفاقاتهم إلى عوامل خارجية مؤقتة أو عوامل داخلية يمكن التحكم فيها (مثل نقص الجهد)، يحتفظون بدافعية أكبر للمحاولة والتحسين.
تعد نظرية الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy Theory) لألبرت باندورا من النظريات المحورية أيضًا. تشير هذه النظرية إلى أن إيمان الفرد بقدرته على تنظيم وتنفيذ الأفعال اللازمة لإدارة المواقف المستقبلية يؤثر على أدائه. فالطلاب الذين لديهم مستويات منخفضة من الكفاءة الذاتية في مجال معين قد يتجنبون المهام الصعبة، أو يستسلمون بسهولة عند مواجهة العقبات، حتى لو كانوا يمتلكون القدرة الكامنة. هذا الشعور بعدم القدرة يعيق الاستفادة من الإمكانات الحقيقية ويؤدي إلى عدم التحصيل. بناء الكفاءة الذاتية من خلال الخبرات الناجحة، والنمذجة، والإقناع اللفظي، يعد استراتيجية أساسية لمواجهة عدم التحصيل.
علاوة على ذلك، تقدم نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory) التي وضعها إدوارد ديسي و ريتشارد رايان، تفسيرًا مهمًا من خلال التأكيد على الحاجات النفسية الأساسية للكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. عندما لا يتم تلبية هذه الحاجات في البيئة التعليمية، تنخفض الدافعية الجوهرية للتعلم، مما يؤثر سلبًا على التحصيل. فالطلاب الذين لا يشعرون بالكفاءة في مهامهم الدراسية، أو لا يمتلكون شعورًا بالتحكم في تعلمهم، أو لا يشعرون بالانتماء إلى مجتمع الفصل، غالبًا ما يعانون من انخفاض في الدافعية والأداء. كما تسلط نظرية العقلية (Mindset Theory) لكارول دويك الضوء على أهمية نظرة الطالب لقدراته؛ فالعقلية الثابتة (الاعتقاد بأن القدرات ثابتة) تؤدي إلى تجنب التحديات، بينما العقلية النامية (الاعتقاد بأن القدرات يمكن تطويرها) تشجع على الجهد والمثابرة، مما يؤثر بشكل مباشر على التحصيل الأكاديمي.
6. التداعيات والآثار
تتجاوز تداعيات عدم التحصيل الأكاديمي مجرد الدرجات المنخفضة لتشمل آثارًا سلبية عميقة على الفرد والأسرة والمجتمع ككل. على المستوى الفردي، غالبًا ما يؤدي الفشل المتكرر في تحقيق الإمكانات إلى انخفاض حاد في احترام الذات والشعور بالعجز. يمكن أن تتطور هذه المشاعر إلى مشكلات نفسية مثل القلق، والاكتئاب، والانسحاب الاجتماعي، حيث يشعر الطالب بالخجل أو الإحباط من أدائه. كما أن عدم التحصيل يعيق فرص الطالب التعليمية المستقبلية، حيث قد يجد صعوبة في الالتحاق بالتعليم العالي أو الحصول على وظائف تتطلب مؤهلات أكاديمية معينة، مما يحد من خياراته المهنية ويسهم في تضييق آفاقه المستقبلية.
أما على مستوى الأسرة، فإن عدم التحصيل الأكاديمي لأحد الأبناء يمكن أن يسبب ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا. قد يشعر الوالدان بالإحباط أو الذنب أو القلق بشأن مستقبل أطفالهم، وقد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقات الأسرية. قد تضطر الأسر أيضًا إلى تحمل أعباء مالية إضافية لتوفير دروس تقوية أو دعم متخصص، مما يزيد من الضغط الاقتصادي. يمكن أن تؤثر هذه التحديات على استقرار الأسرة وقدرتها على توفير بيئة داعمة لجميع أفرادها، مما يخلق حلقة مفرغة من التوتر والصعوبات.
على الصعيد المجتمعي، يمثل عدم التحصيل الأكاديمي خسارة للإمكانات البشرية والطاقات الكامنة التي يمكن أن تسهم في التنمية والتقدم. فعندما لا يتمكن عدد كبير من الأفراد من استغلال قدراتهم التعليمية، يفقد المجتمع مواهب ومهارات يمكن أن تكون ضرورية للابتكار، والنمو الاقتصادي، والحلول للمشكلات الاجتماعية. يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة في معدلات البطالة، والاعتماد على الرعاية الاجتماعية، وتفاقم عدم المساواة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يفشل في دعم جميع أفراده لتحقيق أقصى إمكاناتهم التعليمية يواجه تحديات كبيرة في بناء مستقبل مزدهر ومستدام، مما يؤكد على أهمية التدخلات الشاملة للتصدي لهذه الظاهرة.
7. استراتيجيات التدخل والدعم
لمواجهة ظاهرة عدم التحصيل الأكاديمي، تتطلب استراتيجيات التدخل والدعم مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد تستهدف العوامل الفردية والأسرية والمدرسية. أولاً، على المستوى الفردي، يجب التركيز على تنمية المهارات الأكاديمية والاجتماعية-العاطفية. يمكن أن يشمل ذلك برامج لتعليم مهارات الدراسة الفعالة، مثل تنظيم الوقت، وتدوين الملاحظات، واستراتيجيات المراجعة، وحل المشكلات. كما أن تقديم الدعم النفسي والاجتماعي من خلال الإرشاد الفردي أو الجماعي يساعد الطلاب على التعامل مع القلق، والاكتئاب، وبناء الثقة بالنفس، وتحسين مفهوم الذات. إن تعزيز الدافعية الجوهرية من خلال ربط التعلم باهتمامات الطالب وأهدافه الشخصية يعد أمرًا بالغ الأهمية.
ثانيًا، على المستوى المدرسي، يجب على المؤسسات التعليمية تبني مقاربات تعليمية مرنة ومُعدة خصيصًا (differentiated instruction) تلبي احتياجات التعلم المتنوعة للطلاب. يمكن أن يشمل ذلك تقديم تعليمات فردية، أو مجموعات دعم صغيرة، أو برامج إثراء للطلاب الموهوبين الذين قد يشعرون بالملل في الفصول العادية. كما أن تدريب المعلمين على تحديد مؤشرات عدم التحصيل الأكاديمي وتقديم الدعم المبكر، بالإضافة إلى تطوير بيئات صفية داعمة ومحفزة، يعد من الركائز الأساسية. يجب أن توفر المدارس أيضًا أنظمة دعم شاملة، بما في ذلك المرشدين التربويين والأخصائيين النفسيين، لتقديم المشورة والتدخلات اللازمة.
ثالثًا، لا يمكن فصل دور الأسرة عن نجاح استراتيجيات التدخل. يجب على المدارس العمل على إشراك الأهل كشركاء فعالين في العملية التعليمية. يمكن تحقيق ذلك من خلال ورش عمل للوالدين حول كيفية دعم تعلم أطفالهم في المنزل، أو اجتماعات دورية لمناقشة تقدم الطالب، أو تقديم موارد تعليمية للأسرة. إن توفير بيئة منزلية داعمة ومشجعة للتعلم، مع وضع توقعات واقعية، وتعزيز التواصل الإيجابي بين الأهل والأبناء، يسهم بشكل كبير في تحسين التحصيل الأكاديمي. تتطلب هذه الاستراتيجيات تعاونًا وتنسيقًا بين جميع الأطراف المعنية لضمان حصول الطالب على الدعم اللازم لتحقيق إمكاناته الكاملة.
8. التحديات والاعتبارات المستقبلية
تتسم معالجة ظاهرة عدم التحصيل الأكاديمي ببعض التحديات الجوهرية التي تستدعي اهتمامًا مستمرًا وبحثًا دؤوبًا. أحد أبرز هذه التحديات هو التعريف الدقيق والتمييز الفعال بين عدم التحصيل الأكاديمي وغيره من الصعوبات التعليمية. فغالبًا ما تتداخل أعراض عدم التحصيل مع صعوبات التعلم المحددة أو اضطرابات الانتباه أو حتى المشكلات العاطفية، مما يجعل التشخيص الدقيق معقدًا ويصعب تحديد التدخل الأنسب. يتطلب ذلك أدوات تقييم شاملة وموحدة تأخذ في الاعتبار السياق الثقافي والاجتماعي للطالب، وتجنب الاعتماد الكلي على اختبارات الذكاء التي قد لا تعكس دائمًا القدرة الكامنة الحقيقية.
تحدٍ آخر يكمن في تطوير برامج تدخل فعالة ومستدامة تتناسب مع التنوع الكبير في أسباب عدم التحصيل وأنماطه. فالبرامج التي تنجح مع مجموعة من الطلاب قد لا تكون فعالة مع آخرين، مما يستدعي تصميم تدخلات مرنة وقابلة للتكيف، وتستند إلى الأدلة. هناك حاجة ملحة للمزيد من الدراسات الطولية التي تتبع الطلاب المتأخرين أكاديميًا عبر مراحل تعليمية مختلفة لتقييم فعالية التدخلات على المدى الطويل وفهم المسارات التنموية لهذه الظاهرة. كما أن دمج التكنولوجيا الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات، يمكن أن يوفر فرصًا جديدة لتحديد الطلاب المعرضين للخطر في وقت مبكر وتقديم دعم مخصص.
على المدى البعيد، يجب أن تتناول الاعتبارات المستقبلية القضايا النظامية والهيكلية التي تسهم في عدم التحصيل الأكاديمي، مثل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ونقص المساواة في الوصول إلى تعليم جيد. إن معالجة هذه التحديات تتطلب سياسات تعليمية واجتماعية أوسع نطاقًا تهدف إلى خلق بيئات تعليمية أكثر عدلاً وإنصافًا، وتوفير الموارد الكافية للمدارس والمجتمعات المحرومة. كما أن تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، وتغيير التوقعات السلبية حول عدم التحصيل، يمكن أن يسهم في بناء ثقافة تعليمية أكثر شمولاً ودعمًا.
9. مناقشات وانتقادات
يواجه مفهوم عدم التحصيل الأكاديمي، رغم أهميته، عددًا من المناقشات والانتقادات الجوهرية، خاصة فيما يتعلق بتعريفه وقياسه. أحد أبرز نقاط الجدل يدور حول تعريف “القدرة الكامنة” وكيفية قياسها. فغالبًا ما تُستخدم اختبارات الذكاء الموحدة كمقياس رئيسي للقدرة الكامنة، لكن هذه الاختبارات ليست خالية من التحيزات الثقافية واللغوية، وقد لا تعكس بدقة القدرات المتعددة للطلاب، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات متنوعة. يجادل النقاد بأن الاعتماد المفرط على هذه الاختبارات قد يؤدي إلى تصنيف خاطئ للطلاب أو تضييق نطاق فهمنا للذكاء والإمكانات الحقيقية.
انتقاد آخر يتعلق بـخطر الوصم (labeling) الذي قد يترتب على تصنيف الطالب كـ “متأخر دراسيًا”. فمثل هذا التصنيف قد يؤثر سلبًا على مفهوم الذات لدى الطالب، ويقلل من دافعيته، ويؤدي إلى توقعات منخفضة من قبل المعلمين والأقران. قد يخلق هذا “التنبؤ الذي يحقق ذاته” (self-fulfilling prophecy)، حيث يبدأ الطالب في التوافق مع التوقعات السلبية. لذا، يشدد النقاد على أهمية استخدام لغة إيجابية وداعمة، والتركيز على نقاط القوة لدى الطالب، وتقديم التدخلات بطريقة لا تزيد من شعوره بالقصور أو الاختلاف.
بالإضافة إلى ذلك، هناك نقاش حول تمييز عدم التحصيل الأكاديمي عن مجرد نقص الدافعية أو الجهد. ففي بعض الحالات، قد يكون الطالب قادرًا على التحصيل ولكنه يختار عدم بذل الجهد اللازم لأسباب مختلفة، قد تكون مرتبطة بالاهتمامات الشخصية أو الأولويات المختلفة. يصبح التحدي هنا في تحديد ما إذا كان عدم الأداء ناتجًا عن نقص القدرة على التحصيل (رغم امتلاك الإمكانات)، أم عن نقص الرغبة أو الدافعية. يتطلب هذا التمييز فهمًا عميقًا للعوامل النفسية والسلوكية للطالب، ويتجاوز مجرد تحليل الدرجات، مما يسلط الضوء على التعقيد الكامن في تقييم هذه الظاهرة وتحديد التدخلات المناسبة.