المحتويات:
دافعية الكينونة (B-Motivation)
المجال التأديبي الأساسي: علم النفس الإنساني، نظرية الشخصية، علم النفس الإيجابي
1. التعريف الجوهري والسياق النظري
تُعد دافعية الكينونة، المعروفة اختصاراً بـ B-دافعية (Being-Motivation)، مفهوماً محورياً ضمن إطار نظرية تحقيق الذات التي وضعها عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو. تمثل هذه الدافعية المرحلة العليا والنوعية من الدوافع البشرية، والتي تظهر فقط عندما يكون الفرد قد أشبع بالفعل احتياجاته الأساسية أو النقصية (Deficiency Needs)، والتي يشار إليها بـ D-دافعية. الفارق الجوهري يكمن في أن دافعية النقص موجهة نحو سد فراغ أو نقص مادي أو نفسي، مثل الجوع أو الشعور بالخطر أو الحاجة إلى الانتماء، بينما دافعية الكينونة لا تنبع من نقص، بل من الرغبة الفطرية في النمو، والارتقاء، وتحقيق أقصى إمكانات الذات. إنها الدافع الذي يقود الأفراد لتحقيق إمكاناتهم الكامنة والبحث عن القيم العليا المطلقة، والتي أسماها ماسلو “قيم الكينونة” أو Metaneeds.
لا تهدف دافعية الكينونة إلى استعادة التوازن الداخلي (Homeostasis) الذي يميز الكائنات الحية في مستويات الدافعية الأدنى، بل تسعى بدلاً من ذلك إلى خلق نوع من التوتر البنّاء والمستمر والموجه نحو الإنجاز والتعالي. هذا التوتر ليس سلبياً أو ضاراً، ولكنه التزام مستمر بالتطور والبحث عن الحقيقة والجمال والعدالة. يرى ماسلو أن الأفراد الذين يصلون إلى هذه المرحلة لا يعيشون بدافع الخوف من الخسارة أو النقص، بل بدافع الفرح بالوجود والإثراء المستمر للتجربة الإنسانية. لذلك، فإن دراسة دافعية الكينونة هي في جوهرها دراسة لأعلى مستويات الصحة النفسية والإنجاز البشري، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بظاهرة تحقيق الذات.
يمكن وصف دافعية الكينونة بأنها دافع “النمو” في مقابل دافع “البقاء”. في حين أن دافعية البقاء (D-دافعية) هي عالمية وضرورية لجميع البشر، فإن دافعية النمو (B-دافعية) هي اختيار يتطلب مستوى عالياً من الوعي، والأمن النفسي، والحرية من القيود البيئية. إنها تتجسد في الأنشطة التي يقوم بها الفرد ليس كوسيلة لتحقيق غاية (كسب المال، الحصول على التقدير)، بل كغاية في حد ذاتها، مثل التفاني في الفن، أو الفلسفة، أو مساعدة الآخرين دون انتظار مقابل، أو البحث العلمي من أجل المعرفة المطلقة. هذا التحول من الدافع المادي إلى الدافع القيمي هو ما يميز الأفراد المحققين لذواتهم في نموذج ماسلو.
2. التمييز عن دافعية النقص (D-Motivation)
يُعد التباين بين دافعية الكينونة (B-Motivation) ودافعية النقص (D-Motivation) هو الركيزة الأساسية لفهم الإطار النظري لماسلو. دافعية النقص هي الدوافع التي تسيطر على السلوك البشري عندما تكون الاحتياجات الهرمية الدنيا (الفسيولوجية، والأمان، والانتماء، والتقدير) غير مشبعة. هذه الدوافع محددة، قابلة للإشباع، وتؤدي إلى حالة من الإغاثة أو الرضا المؤقت عند تحقيقها. على سبيل المثال، إذا كان الشخص جائعاً (نقص فسيولوجي)، فإن تناول الطعام يزيل الدافع والجوع، ويعود الجسم إلى حالة التوازن.
في المقابل، تتميز B-دافعية بعدة خصائص تجعلها مختلفة جذرياً. أولاً، هي دوافع غير محددة أو “غير ضرورية” بالمعنى البيولوجي، أي أن عدم إشباعها لا يؤدي إلى المرض أو الموت الجسدي، ولكنه يؤدي إلى ما أسماه ماسلو “الأمراض الميتافيزيقية” (Metapathologies)، مثل فقدان المعنى أو اليأس أو الاغتراب. ثانياً، لا يمكن إشباع دافعية الكينونة بشكل نهائي؛ فكلما زاد إشباع الفرد لقيم الكينونة (مثل العدالة أو الجمال)، زادت رغبته فيها، وهذا ما يُعرف بـ Growth Motivation Paradox. على سبيل المثال، كلما زاد فهم الشخص للحقيقة، زاد شغفه بالبحث عن مزيد من الحقيقة.
علاوة على ذلك، فإن العلاقات التي تنشأ بدافعية النقص تكون “علاقات استخدامية” (Utilistic)، حيث يسعى الفرد إلى الآخر لسد نقص معين (مثل الحاجة إلى الانتماء أو التقدير). بينما العلاقات التي تنشأ بدافعية الكينونة هي “علاقات وجودية” (Being-Love)، حيث يُقدّر الآخر لذاته دون محاولة استغلاله أو السيطرة عليه، وتكون خالية من القلق والغيرة المميزين لعلاقات النقص. هذا التمييز يوضح أن دافعية الكينونة تحرر الفرد من حالة التبعية للاحتياجات الأساسية وتوجهه نحو الاستقلال الذاتي الحقيقي.
3. خصائص وقيم الكينونة (B-Values)
تُعد قيم الكينونة، أو Metaneeds، هي الأهداف النوعية التي تسعى إليها دافعية الكينونة. لقد حدد ماسلو قائمة شاملة لهذه القيم، مؤكداً أنها مترابطة ومتكاملة، وأن السعي لتحقيق أي منها هو في جوهره سعي لتحقيق الذات ككل. هذه القيم ليست مجرد مفاهيم فلسفية مجردة، بل هي صفات يمكن ملاحظتها في سلوك وخبرات الأفراد المحققين لذواتهم، وخاصة أثناء ما أسماه ماسلو “التجارب الذروية” (Peak Experiences).
تتضمن قائمة قيم الكينونة حوالي أربعة عشر قيمة أساسية، تمثل معايير للوجود الصحي والمكتمل. من هذه القيم نجد الكلية (Wholeness)، والتي تعني الوحدة والترابط الداخلي والخارجي؛ والكمال (Perfection)، الذي لا يعني الخلو من الأخطاء، بل الاكتمال المناسب للشيء في سياقه؛ والعدالة (Justice)، التي تتجاوز القانون لتشمل الإنصاف والترتيب الصحيح للأشياء؛ والجمال (Beauty)، الذي يُنظر إليه على أنه الجودة المطلقة للتجربة الجمالية. إن السعي لهذه القيم هو ما يمنح الحياة معنى عميقاً وثراءً لا يمكن أن توفره الإشباعات المادية أو الاجتماعية المؤقتة.
من الخصائص الهامة الأخرى لقيم الكينونة هي الاستقلال الذاتي (Autonomy) والثراء (Richness) والبساطة (Simplicity). الاستقلال الذاتي هنا يعني أن الفرد لا يعتمد على الآخرين أو البيئة لتعريف ذاته أو الشعور بقيمته. الثراء يشير إلى التعقيد العميق والتفاصيل المتعددة في الحياة والخبرة. أما البساطة، فتعني الجوهر والنزاهة والوضوح، والقدرة على رؤية الأساسيات. عندما يوجه الفرد حياته وفقاً لهذه القيم، فإنه يختبر نوعاً من “الوجود المطلق” (Being Cognition) الذي يتجاوز الإدراك النفعي اليومي.
4. التطور التاريخي والإطار الفكري
ظهر مفهوم دافعية الكينونة في منتصف القرن العشرين، وتحديداً بعد نشر أعمال ماسلو الرائدة حول هرم الاحتياجات في الأربعينات والخمسينات. جاء هذا المفهوم كجزء من رد فعل واسع على النظريات السائدة في ذلك الوقت، وتحديداً التحليل النفسي (الذي ركز على المرض والصراع الداخلي) والسلوكية (التي اختزلت الإنسان إلى مجرد استجابات للمنبهات). كان ماسلو رائداً في الحركة الإنسانية التي سعت إلى دراسة إمكانات الإنسان الصحية والعليا.
لم يكتفِ ماسلو بوضع نموذج هرمي للاحتياجات، بل أدرك أن أعلى نقطة في الهرم، وهي تحقيق الذات، تتطلب نوعاً مختلفاً تماماً من الدافعية. لقد استلهم ماسلو أفكاره من دراسته المكثفة لأفراد اعتبرهم “محققين لذواتهم” (Self-Actualizers)، مثل ألبرت أينشتاين وإليانور روزفلت. لاحظ أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا مدفوعين بالرغبة في إشباع النقص، بل بالالتزام بقضية أو مهمة تتجاوز مصالحهم الشخصية، ما أدى إلى صياغة مصطلح دافعية الكينونة لوصف هذا الالتزام المتسامي.
شكلت دافعية الكينونة جسراً بين علم النفس التقليدي والفلسفة الوجودية. ففي حين أن الفلاسفة الوجوديين (مثل سارتر وكامو) ركزوا على القلق والحرية والمسؤولية في مواجهة العبث، قدم ماسلو إطاراً نفسياً يوضح كيف يمكن للإنسان أن يجد المعنى والهدف من خلال تجاوز الذات الضيقة والانخراط في قيم الكينونة. هذا الإطار الفكري ساعد في تأسيس علم النفس الإنساني كقوة ثالثة، ثم مهد الطريق لاحقاً لظهور علم النفس الإيجابي في أواخر القرن العشرين، الذي ورث التركيز على القوة والفضائل البشرية بدلاً من التركيز على الأمراض النفسية.
5. تطبيقات دافعية الكينونة وتحقيق الذات
تتجلى دافعية الكينونة في العديد من جوانب الحياة البشرية، وهي أساس التجارب الإيجابية العميقة التي تمنح الحياة معناها. إحدى أهم تطبيقاتها هي في المجال الإبداعي. فالإبداع الحقيقي، وفقاً لماسلو، ليس مجرد وسيلة لكسب المال أو الشهرة (وهو ما قد يكون دافعاً نقصياً)، بل هو تعبير فطري عن قيم الكينونة، حيث يصبح العمل الفني أو الابتكار العلمي غاية في حد ذاته، ويسعى المبدع إلى تحقيق الكمال والجمال في عمله.
كما تتضح دافعية الكينونة في الخبرات الروحية أو الدينية غير الطائفية، وفي ما أسماه ماسلو التجارب الذروية. هذه التجارب هي لحظات قصيرة ومكثفة يشعر فيها الفرد بالوحدة، والدهشة، والامتنان العميق، ويزول فيها الشعور بالزمان والمكان. خلال هذه التجارب، يختبر الفرد قيم الكينونة بشكل مباشر وغير مشروط. إنها لحظات من الإدراك الوجودي الصافي، حيث يشعر الفرد بأنه على اتصال بأقصى إمكاناته وبجوهر الوجود.
على المستوى الاجتماعي، تتجسد دافعية الكينونة في العمل الاجتماعي والإيثار. عندما يشارك الفرد في مساعدة الآخرين أو الدفاع عن العدالة، ليس بدافع الشعور بالذنب أو الحاجة إلى التقدير الاجتماعي، بل بدافع الالتزام بقيمة العدالة نفسها، فهذا هو التعبير النقي لـ B-دافعية. هذا النوع من الإيثار يُشار إليه بـ “الإيثار الجوهري”، وهو جزء لا يتجزأ من شخصية الفرد المحقق لذاته، حيث يرى أن رفاهية الآخرين وسلامة القيم المطلقة مرتبطة بسلامته الذاتية.
6. الانتقادات والجدل
على الرغم من الأثر الهائل الذي أحدثه مفهوم دافعية الكينونة في علم النفس والتعليم والإدارة، فإنه لم يسلم من النقد الأكاديمي والمنهجي. أحد أبرز الانتقادات الموجهة إليه هو غياب الدقة التعريفية والمنهجية. يرى النقاد أن قيم الكينونة، مثل “الجمال” أو “الحقيقة”، مفاهيم ذاتية يصعب قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي الكمي، مما يجعل النظرية أقل قابلية للتحقق العلمي مقارنة بالنماذج السلوكية أو المعرفية.
انتقاد آخر مهم يتعلق بالتحيز الثقافي (Cultural Bias). أشار العديد من الباحثين إلى أن نموذج تحقيق الذات، وبالتالي دافعية الكينونة، يركز بشكل كبير على القيم الفردية والاستقلالية التي تتميز بها الثقافة الغربية. في الثقافات الجماعية (Collectivist Cultures)، قد لا تكون قمة الدافعية هي الاستقلال الذاتي المطلق، بل هي تحقيق الانسجام الاجتماعي أو الالتزام تجاه الأسرة والمجتمع. وبالتالي، قد لا ينطبق تعريف ماسلو للشخص المحقق لذاته، والمدفوع بـ B-دافعية، على نطاق واسع عبر جميع السياقات الثقافية.
كما واجه ماسلو انتقادات بخصوص طريقة اختياره لـ “العينات” التي استند إليها في بناء نظريته (الأفراد المحققون لذواتهم). فقد اعتمد بشكل كبير على دراسة السير الذاتية لأفراد اختارهم هو شخصياً بناءً على معاييره، وهو ما يثير تساؤلات حول الذاتية والتعميم. يرى البعض أن دافعية الكينونة قد لا تكون مرحلة يمكن الوصول إليها بواسطة غالبية البشر، بل قد تكون حالة نادرة ترتبط بظروف اجتماعية واقتصادية معينة، أو ربما تكون صفة شخصية فطرية وليست مرحلة تطورية يمكن تحقيقها من خلال إشباع الاحتياجات.