المحتويات:
المُيسِّر المُشارك (Cofacilitator)
المجالات التخصصية الرئيسية: إدارة الاجتماعات؛ التنمية التنظيمية؛ التعليم التعاوني؛ تدريب المجموعات الكبيرة؛ حل النزاعات.
1. التعريف الجوهري
يشير مصطلح المُيسِّر المُشارك إلى محترف يتقاسم مسؤولية تخطيط وتوجيه وتنفيذ عملية تيسير مجموعة أو ورشة عمل أو اجتماع أو برنامج تدريبي مع مُيسِّر رئيسي آخر. لا يقتصر دور المُيسِّر المُشارك على المساعدة الإدارية أو الدعم اللوجستي، بل هو شريك فاعل ومتساوٍ في السلطة المهنية والمسؤولية تجاه تحقيق الأهداف المرجوة من الجلسة. يتمثل جوهر هذا المفهوم في فكرة التآزر المنهجي، حيث يعمل شخصان على استغلال مجموعة مهاراتهما المتكاملة لتقديم تجربة تيسيرية أكثر عمقاً وشمولية مما يمكن أن يقدمه مُيسِّر واحد بمفرده. هذه الشراكة الاستراتيجية ضرورية بشكل خاص في السياقات التي تتسم بالتعقيد العالي، أو الحجم الكبير للمشاركين، أو عندما تتطلب الجلسة نطاقاً واسعاً من الخبرات التخصصية.
يكمن التمييز الأساسي للمُيسِّر المُشارك في كونه يساهم بفعالية في إدارة “عملية” المجموعة (Process)، وليس فقط “محتوى” الجلسة (Content). هذا يعني أن المُيسِّر المُشارك مسؤول عن قراءة ديناميكيات المجموعة، ومراقبة مستوى الطاقة والاشتباك، وتحديد نقاط الصراع أو المقاومة، وتقديم التدخلات التصحيحية في الوقت المناسب بالتنسيق مع المُيسِّر الرئيسي. يتمثل الهدف النهائي من العمل المشترك في خلق بيئة تعليمية أو تشاورية آمنة ومنتجة، حيث يتم توزيع الحمل المعرفي والعاطفي بين الشريكين، مما يضمن استمرارية الجودة حتى في مواجهة التحديات غير المتوقعة أو الظروف الصعبة التي قد تنشأ أثناء الجلسة.
يجب أن يستند الدور إلى الثقة المتبادلة والبروتوكولات الواضحة والمُتفق عليها مسبقاً. فبدون تخطيط دقيق لتقسيم المهام وتحديد لحظات تسليم القيادة بينهما، قد يؤدي التيسير المشترك إلى ارتباك المشاركين أو خلق تضارب في الرسائل الموجهة إليهم. ولذلك، يُنظر إلى علاقة المُيسِّرين المشاركين على أنها نموذج مصغر للعلاقة التعاونية المثالية التي تحاول الجلسة غرسها في المجموعة نفسها، مما يرفع من مصداقية عملية التيسير ويعزز القدوة الإيجابية في العمل الجماعي الفعال.
2. التطور التاريخي والجذور المنهجية
على الرغم من أن ممارسة العمل في فرق لتدريب المجموعات ليست حديثة، فإن تبلور مفهوم المُيسِّر المُشارك كدور منهجي ومنظم يعود إلى منتصف القرن العشرين، وتحديداً مع صعود حركة التنمية التنظيمية وظهور مختبرات المجموعات التدريبية (T-Groups) التي أسسها كورت ليوين وزملاؤه في الأربعينيات. كانت هذه المجموعات تهدف إلى دراسة ديناميكيات التفاعل البشري في بيئة مُتحكَّم بها. في هذه المختبرات، كان من الضروري وجود أكثر من مُيسِّر (أو مُدرِّب) لتغطية التعقيد العاطفي والسلوكي الهائل الذي يظهر في المجموعات المكثفة.
تأثر التيسير المشترك أيضاً بمنهجيات التعليم التعاوني، حيث أصبحت الحاجة ملحة لاستخدام فريق تدريب قادر على إدارة مجموعات كبيرة ومتنوعة، وتوفير التغذية الراجعة الفردية والجماعية في آن واحد. خلال الثمانينيات والتسعينيات، ومع ازدياد تعقيد المشاريع الإدارية والحاجة إلى إشراك أصحاب المصلحة المتعددين في عمليات التخطيط الاستراتيجي، أصبح التيسير المشترك الممارسة القياسية لضمان الحياد والشمولية. وقد ساهمت المدارس التي تركز على حل النزاعات وحوارات المجتمع المدني في ترسيخ فكرة أن وجود مُيسِّرين من خلفيات مختلفة يمكن أن يزيد من شرعية العملية ويجعلها أكثر استجابة للتنوع الثقافي والآراء المتباينة.
في العصر الحديث، اكتسب دور المُيسِّر المُشارك أهمية مضاعفة مع التحول إلى بيئات العمل والتدريب الافتراضية والمهجنة. تتطلب إدارة جلسة افتراضية ناجحة تركيزاً عالياً على الجوانب التقنية، وإدارة أدوات التفاعل الرقمي، ومراقبة حالة المشاركين عبر الشاشة. هذا الضغط المزدوج (التقني والمنهجي) جعل من الصعوبة بمكان أن يضطلع به مُيسِّر واحد بفعالية كاملة، مما عزز الحاجة إلى تقسيم الأدوار بوضوح بين مُيسِّر يركز على المحتوى والتفاعل الإنساني، وآخر يركز على الإدارة اللوجستية والتقنية للجلسة الافتراضية.
3. الأدوار والمسؤوليات الأساسية للميسر المشارك
تتنوع الأدوار التي يضطلع بها المُيسِّر المُشارك، وهي تتجاوز مجرد المساعدة الإدارية لتشمل الجوانب الاستراتيجية والديناميكية. المسؤولية الأولى هي المراقبة التشخيصية، حيث يعمل المُيسِّر المُشارك كـ “عيون وأذني” المُيسِّر الرئيسي. بينما يكون المُيسِّر الرئيسي منخرطاً في تقديم المحتوى أو قيادة النشاط، يراقب المُيسِّر المُشارك لغة الجسد، ومستويات الملل أو الحماس، والمشاركين الصامتين أو المهيمنين، ويقوم بتسجيل هذه الملاحظات لتقديمها لاحقاً أو التدخل بناءً عليها بشكل سلس.
تتضمن المسؤوليات الرئيسية أيضاً تحقيق التوازن في إدارة الوقت والموارد. في كثير من الأحيان، يكون المُيسِّر المُشارك هو المسؤول عن الإشارة إلى الحاجة للانتقال إلى المرحلة التالية أو ضمان الالتزام بالجدول الزمني المخصص للأنشطة الفرعية. كما يلعب دوراً حاسماً في إدارة الأدوات والمواد، سواء كانت فيزيائية (مثل توزيع المواد) أو رقمية (مثل إدارة استطلاعات الرأي أو غرف الاجتماعات الفرعية). هذا التوزيع يسمح للمُيسِّر الرئيسي بالتركيز الكلي على جودة التفاعل والاتصال المباشر مع المجموعة.
فيما يلي قائمة بأبرز المهام المشتركة:
- الدعم التكميلي: تقديم محتوى متخصص يكمل خبرة المُيسِّر الرئيسي، خاصة إذا كانت الجلسة متعددة التخصصات.
- إدارة الصراع: التدخل كطرف ثالث محايد في حالات النزاع الحاد، مما يسمح للمُيسِّر الرئيسي بالبقاء على الحياد وإعادة توجيه المجموعة نحو الهدف.
- التغذية الراجعة الفورية: توفير ملاحظات سرية (خارج إطار الجلسة أو أثناء فترات الاستراحة) للمُيسِّر الرئيسي حول فعالية أسلوبه أو الحاجة إلى تغيير المسار.
- نمذجة السلوك: العمل كشريك في الأنشطة لنمذجة التفاعل المطلوب أو توضيح التعليمات للمشاركين.
4. المزايا والفوائد الاستراتيجية للتيسير المشترك
يوفر التيسير المشترك مجموعة من الفوائد الاستراتيجية التي تبرر الاستثمار في مُيسِّرين اثنين، خاصة عندما تكون المخاطر أو أهمية المخرجات عالية. الفائدة الأبرز هي زيادة المرونة والاستجابة. في حال واجه أحد المُيسِّرين صعوبة مفاجئة (سواء كانت صحية، أو تحدياً عاطفياً مع المجموعة، أو فقداناً مؤقتاً للتركيز)، يمكن للمُيسِّر المُشارك أن يتولى القيادة بسلاسة دون أن يشعر المشاركون بأي اضطراب كبير، مما يضمن استمرارية الجلسة وسلامة العملية.
علاوة على ذلك، يتيح التيسير المشترك إمكانية معالجة مجموعات أكبر بكثير مما يمكن لمُيسِّر واحد إدارته بفعالية. عندما يتم تقسيم المشاركين إلى مجموعات عمل فرعية، يمكن لكل مُيسِّر أن يخصص وقته للإشراف على عدد أقل من المجموعات، مما يرفع من جودة التفاعل والتعلم في تلك المجموعات الأصغر. كما أن وجود مُيسِّرين من خلفيات أو أساليب مختلفة يضمن تلبية أنماط التعلم المتنوعة للمشاركين؛ فقد يفضل البعض الأسلوب الأكثر عاطفية، بينما يفضل آخرون الأسلوب الهيكلي والمنطقي، ويمكن للشراكة أن تلبي كلتا الحاجتين.
يساهم التيسير المشترك أيضاً في تقليل إجهاد المُيسِّر (Facilitator Burnout). تتطلب عملية التيسير تركيزاً ذهنياً وعاطفياً مكثفاً. تقاسم العبء المعرفي والعاطفي بين شريكين يمنع استنزاف الطاقة، ويسمح لكل مُيسِّر بأخذ فترات راحة ذهنية قصيرة خلال الجلسة، مما يضمن بقاء مستوى الطاقة والوضوح الذهني عالياً طوال مدة البرنامج، خاصة في الورش الطويلة التي تمتد لعدة أيام.
5. نماذج تطبيقية وحالات الاستخدام
تتعدد السياقات التي يُعد فيها التيسير المشترك هو الخيار الأمثل. أحد أبرز هذه السياقات هو التدريب على مهارات القيادة وتطوير فرق العمل في البيئات المؤسسية. في هذه الحالة، يمكن أن يتولى مُيسِّر ذو خلفية في علم النفس التنظيمي قيادة الأنشطة المتعلقة بديناميكيات الفريق، بينما يركز المُيسِّر المُشارك ذو الخلفية الإدارية على ربط تلك الديناميكيات بالأهداف الاستراتيجية ونتائج الأعمال القابلة للقياس، مما يضمن التكامل بين النظرية والتطبيق.
كما يُعد التيسير المشترك حاسماً في جلسات حل النزاعات المعقدة أو الوساطة، خاصة عندما تكون الأطراف المتنازعة من ثقافات مختلفة أو لديها مستويات سلطة غير متساوية. في هذه الحالة، قد يتم اختيار المُيسِّرين بشكل متعمد لتمثيل أو فهم كلا المنظورين، أو قد يركز أحدهما على الجانب العاطفي وبناء الثقة، بينما يركز الآخر على هيكلة الاتفاقيات القانونية والعملية. هذا التوزيع يضمن إحساساً بالعدالة والحيادية بين جميع الأطراف المشاركة.
أما في البيئات الأكاديمية وورش العمل الكبيرة، يتم استخدام مُيسِّر مشارك غالباً لإدارة التكنولوجيا التفاعلية. فعلى سبيل المثال، في مؤتمر كبير يستخدم أدوات مثل التصويت الفوري عبر الإنترنت أو جلسات العصف الذهني الرقمية (مثل Miro أو Mentimeter)، يتولى المُيسِّر المُشارك مهمة إدارة الشاشات، وتجميع البيانات، وعرض النتائج، بينما يركز المُيسِّر الرئيسي على تفسير النتائج وقيادة النقاش حولها، مما يمنع حدوث أي انقطاع في التدفق النقاشي بسبب مشكلات تقنية.
6. التحديات والمخاطر في التيسير المشترك
على الرغم من المزايا الواضحة، لا يخلو التيسير المشترك من التحديات والمخاطر التي يجب إدارتها بعناية فائقة. التحدي الأكبر هو خطر التنافر وعدم التوافق بين الشريكين. إذا لم تكن هناك كيمياء مهنية قوية أو فهم مشترك للفلسفة المنهجية، قد ينتهي الأمر بالمُيسِّرين بتقديم رسائل متضاربة للمجموعة، أو إظهار خلافاتهم أمام المشاركين، مما يقوض سلطة كلا الطرفين ويؤدي إلى فقدان المجموعة للثقة في العملية برمتها.
هناك أيضاً مخاطر تتعلق بالصراع على السلطة والقيادة. في بعض الأحيان، قد يحاول أحد المُيسِّرين الهيمنة على الجلسة أو قد يشعر المُيسِّر المُشارك بأنه مُهمَّش أو أن دوره غير مُقدَّر بشكل كافٍ. يجب أن تكون العلاقة بين المُيسِّرين قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بأن لكل منهما مجاله الخاص للقيادة. يتطلب الأمر نضجاً مهنياً عالياً من كلا الطرفين لـ “تسليم” القيادة بشكل متكرر وسلس، والاعتراف علناً بمساهمات الشريك.
بالإضافة إلى ذلك، يجب الانتباه إلى التكلفة والموارد. قد تنظر المؤسسات إلى توظيف مُيسِّرين اثنين على أنه مضاعفة غير ضرورية للتكلفة. وللتغلب على هذا النقد، يجب على المُيسِّرين تبرير القيمة المضافة التي يوفرها التيسير المشترك، مثل زيادة جودة المخرجات، وتقليل احتمالية فشل الجلسة، والقدرة على إدارة مجموعات أكبر، مما يجعل الاستثمار في النهاية أكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنةً بالمخاطر المحتملة لجلسة يديرها شخص واحد بشكل ضعيف.
7. معايير اختيار وتطوير الميسرين المشاركين
إن نجاح التيسير المشترك يعتمد بشكل كبير على عملية اختيار الشركاء وتطويرهم المشترك. يجب أن تبدأ عملية الاختيار بتقييم التوافق الشخصي والمهني. لا يحتاج المُيسِّرون المشاركون إلى أن يكونوا متطابقين في أساليبهم، بل يجب أن تكون مهاراتهم مُكمِّلة لبعضها البعض. على سبيل المثال، إذا كان أحد الشركاء قوياً في إدارة البيانات والتحليل، فيجب أن يكون الآخر قوياً في الذكاء العاطفي وإدارة التفاعلات البشرية المعقدة.
يُعد التخطيط المُسبق التفصيلي هو العمود الفقري لنجاح هذه الشراكة. يجب على المُيسِّرين المشاركين قضاء وقت كبير قبل الجلسة في تحديد كل تحول، وكل تدخل محتمل، وتوزيع دقيق لمهام المراقبة والقيادة. يتضمن ذلك صياغة “بروتوكولات التواصل” الخاصة بهم، والتي قد تشمل إشارات سرية غير لفظية (مثل نظرة معينة أو كلمة مفتاحية) يمكن استخدامها لتنبيه الشريك إلى مشكلة ناشئة أو الحاجة إلى تغيير المسار دون إزعاج تدفق الجلسة.
وأخيراً، يجب التأكيد على أهمية جلسات الاستخلاص (Debriefing) المنتظمة. بعد كل جلسة، يجب على المُيسِّرين المشاركين تخصيص وقت لتقييم أدائهم المشترك بصراحة وشفافية. يجب أن تتناول هذه الجلسات ما سار بشكل جيد وما يمكن تحسينه، بالإضافة إلى تقديم تغذية راجعة بناءة حول كيفية تعامل كل شريك مع التحديات. هذا التقييم المستمر ضروري لتعزيز الثقة وتطوير ديناميكية الفريق المشترك بمرور الوقت، وتحويل الشراكة من مجرد تقاسم للمهام إلى وحدة تيسيرية متكاملة وقوية.