الممارسة البنائية: كيف نصنع واقعنا النفسي والاجتماعي؟

الممارسة البنائية

المجال (المجالات) التخصصية الأساسية: علم الاجتماع النظري، الفلسفة الاجتماعية، نظرية الفعل (Praxis Theory)، نظرية البناء الاجتماعي.

1. التعريف الجوهري

تمثل الممارسة البنائية (Constructional Praxis) مفهوماً نظرياً متقدماً يسعى إلى تجاوز الازدواجية التقليدية بين البنية (Structure) والفعل (Agency) في العلوم الاجتماعية. وهي تشير تحديداً إلى عملية التفاعل المستمرة والديناميكية التي يقوم من خلالها الأفراد والجماعات، عبر أفعالهم اليومية والروتينية، بتكوين وإعادة إنتاج، وفي الوقت ذاته، تحويل، الأطر الاجتماعية والثقافية والمادية التي تحدد خياراتهم وسلوكياتهم. لا تُعتبر الممارسة هنا مجرد استجابة سلبية للبنى القائمة، بل هي نشاط إبداعي وفعل قصدي يغرس البنى في الواقع المعاش. هذا المفهوم يؤكد على أن الواقع الاجتماعي ليس معطى موضوعياً ثابتاً، ولكنه نتاج مستمر للنشاط البشري، مما يجعله قابلاً للتغيير والتشكيل.[1]

تتجلى القيمة الأساسية للممارسة البنائية في إصرارها على أن الأفعال البشرية ليست محددة بالكامل بواسطة القوانين الاجتماعية أو الهياكل الاقتصادية، كما يفترض التوجه البنيوي الصارم، ولا هي محض تعبير عن إرادة فردية حرة تماماً، كما قد تفترض النزعات الفردية الراديكالية. بدلاً من ذلك، تقع الممارسة البنائية في المنطقة الوسطى، حيث يتم فهم الأفعال كإجراءات مُتأصلة تاريخياً ومُستنيرة بنائياً. هذه الأفعال، التي تتجسد في الروتين اليومي والتفاعلات المؤسسية، تعمل كمادة خام يتم من خلالها بناء الواقع. على سبيل المثال، فإن التفاعلات اللغوية اليومية لا تعكس مجرد نظاماً لغوياً موجوداً مسبقاً، بل إنها تساهم في تثبيت قواعد هذا النظام أو تعديلها، مما يوضح كيف أن الفعل البنائي هو الأساس الذي يُبنى عليه المعنى الاجتماعي والمؤسسي.

يمكن وصف الممارسة البنائية بأنها تجسيد حي لمبدأ أن “الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يشاءون، بل يصنعونه في ظل ظروف قائمة وموروثة ومُعطاة”. هذا التعبير يلخص التوتر الجدلي بين القيود الهيكلية والقدرة على الفعل. ولتحقيق فهم شامل، يجب النظر إلى الممارسة البنائية كإطار تحليلي يركز على الكيفية التي يتم بها دمج المعرفة العملية (know-how) والمهارات المتأصلة (habitus) في الأداء الاجتماعي، مما يسمح للأفراد بالتنقل في البيئات المعقدة وإعادة إنتاج هذه البيئات بوعي أو دون وعي.[2] هذا التركيز على الجانب العملي والإنشائي للفعل يمنح المفهوم قوته التفسيرية في مجالات تتراوح من تشكيل الهوية إلى تطور المؤسسات السياسية.

2. الجذور الاشتقاقية والتطور التاريخي

يتكون مصطلح الممارسة البنائية من شقين رئيسيين: “الممارسة” (Praxis) و”البنائية” (Constructional). مصطلح “الممارسة” له جذور عميقة تعود إلى الفلسفة اليونانية، تحديداً إلى أرسطو، حيث كانت تمثل النشاط البشري الهادف والموجه نحو الخير، وتمييزه عن “الثيوريا” (النظر المجرد). وفي الفكر الحديث، اكتسبت “الممارسة” دلالات ماركسية، حيث ربطها كارل ماركس بالنشاط التحويلي المادي، مُشدداً على أن وعي الإنسان يتشكل من خلال تفاعله العملي مع العالم المادي والاقتصادي. هذا الإرث الماركسي هو الذي وضع الأساس لفهم الممارسة كفعل لا يفسر العالم فحسب، بل يغيره أيضاً.[3]

أما الشق الثاني، “البنائية” أو “الإنشائية”، فيرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظريات البناء الاجتماعي التي ظهرت بقوة في منتصف القرن العشرين، خاصةً مع عمل بيتر بيرغر وتوماس لوكمان في كتابهما المؤثر “الواقع الاجتماعي كبناء اجتماعي”. أكدت هذه النظريات على أن المؤسسات والقواعد الاجتماعية والمعرفة المشتركة هي اختراعات بشرية، تم تأسيسها وتثبيتها عبر الزمن من خلال التفاعلات المتكررة. التطور النوعي حدث عندما سعى علماء نظريون، أبرزهم بيير بورديو وأنطوني جيدنز، لدمج هذين المفهومين. لم يعد الفعل مجرد نشاط تحويلي (كما في الماركسية الكلاسيكية)، ولا مجرد استجابة بنيوية (كما في البنيوية الفرنسية)، بل أصبح فعلاً بنائياً يعمل على تشكيل وتكوين النسيج الاجتماعي ذاته.

في سياق نظرية جيدنز للتكوين (Structuration Theory)، تُفهم البنية والممارسة كـ”ازدواجية البنية” (Duality of Structure)، حيث لا يمكن فصلهما تحليلياً. فالبنية هي الوسيط والنتيجة للممارسة التي تنظمها. وبالمثل، في نظرية بورديو، يمثل مفهوم الهابيتوس (Habitus) الآلية التي تتوسط بين البنى الموضوعية والممارسات الفردية. الهابيتوس هو نظام من الميول المكتسبة التي تولد ممارسات متكيفة مع متطلبات المجال الاجتماعي. وبالتالي، فإن التطور التاريخي للمفهوم يمثل انتقالاً من الفهم الفلسفي المجرد للفعل إلى نموذج سوسيولوجي مفصل يشرح كيف يتم بناء الواقع الاجتماعي من خلال الأداء اليومي المُتأصل.

3. الخصائص والمكونات الرئيسية

تتميز الممارسة البنائية بعدة خصائص ومكونات أساسية تميزها عن الأشكال الأخرى من تحليل الفعل الاجتماعي، مما يجعلها أداة قوية لفهم التعقيد الاجتماعي. هذه المكونات تعمل معاً لتفسير قدرة الأفراد على التكيف والإبداع ضمن قيود البنية.

  • التضمين البنيوي (Structural Imbedding): الممارسة ليست فعلاً عشوائياً، بل هي مُتأصلة دائماً في سياقات اجتماعية وتاريخية محددة. أي أن الفاعل يستخدم الموارد والقواعد التي توفرها البنية لإجراء الفعل، وبذلك يعزز البنية ذاتها.
  • القدرة على المراقبة العاكسة (Reflexivity): يمتلك الفاعلون الاجتماعيون، وإن بدرجات متفاوتة، القدرة على مراقبة ممارساتهم وممارسات الآخرين، وتعديل سلوكهم وفقاً للنتائج المتوقعة أو غير المتوقعة. هذه العاكسية هي التي تمنح الممارسة جانبها الإبداعي والتحويلي.
  • المعرفة العملية (Practical Consciousness): إن معظم الممارسة البنائية لا تتم على مستوى الوعي الخالص (Discursive Consciousness)، بل تقع ضمن ما يسميه جيدنز “الوعي العملي” أو “الضمير العملي”. وهي المعرفة الضمنية أو المهارات التي تسمح للناس بالتعامل بكفاءة مع الحياة اليومية دون الحاجة إلى صياغة القواعد بشكل صريح.
  • القصديّة المُحدّدة (Bounded Intentionality): الأفعال غالباً ما تكون موجهة نحو أهداف، ولكن هذه القصدية ليست حرة بلا حدود. إنها مقيدة بالموارد المتاحة وبـ”منطق المجال” الذي تعمل فيه، كما يوضح بورديو. القصدية هي محرك البناء، لكن البنية ترسم حدود هذا البناء.

هذه المكونات تؤكد أن الممارسة البنائية هي فعل ذكي ومُقيد في آن واحد. إنها تتطلب فهماً داخلياً للقواعد الاجتماعية، ليس بالضرورة كقوانين مكتوبة، ولكن كـ”حس عملي” يمكّن الفاعل من التصرف بشكل مناسب وفعال في مواقف مختلفة. هذا التفاعل بين المعرفة الضمنية والتجسيد البنيوي هو جوهر ما يجعل الممارسة قادرة على البناء.

علاوة على ذلك، لا يمكن فصل الممارسة البنائية عن بعدها المادي. فالبناء الاجتماعي لا يقتصر على الأفكار والمعاني، بل يشمل أيضاً تشكيل البيئات المادية والمؤسسية. عندما يمارس الأفراد طقوساً معينة أو يستخدمون تقنيات محددة، فإنهم يعيدون بناء المؤسسات الملموسة (كالمباني، أو الأنظمة التكنولوجية) التي بدورها تعود لتنظيم ممارساتهم المستقبلية. هذا التجسيد المادي هو جزء حيوي من دورة البناء الاجتماعي المستمرة.

4. الممارسة البنائية في الفكر الاجتماعي

شكلت الممارسة البنائية حجر الزاوية في العديد من النظريات الاجتماعية المعاصرة التي سعت إلى تخليص التحليل السوسيولوجي من الإفراط في التركيز إما على الحتمية البنيوية أو على الاختيار الفردي المطلق. وقد تجسد هذا المفهوم بوضوح في إطارين نظريين رئيسيين هما نظرية التكوين لجيدنز ونظرية الهابيتوس والمجال لبورديو.

بالنسبة لأنطوني جيدنز، الممارسة البنائية هي الآلية التي تعمل بها ازدواجية البنية. فالبنية (مثل قواعد اللغة أو قواعد المرور) لا توجد كشيء منفصل عن الممارسة؛ بل هي موجودة فقط في لحظة استخدامها وإعادة إنتاجها. عندما يتحدث شخص ما، فإنه يعتمد على قواعد اللغة (البنية) لإنشاء معنى، وبمجرد التحدث، يكون قد أعاد تأكيد هذه القواعد أو قام بتعديلها بشكل طفيف. وبالتالي، فإن الممارسة هي العملية التي يتم من خلالها “بناء” البنية وتجديدها باستمرار. هذا التركيز على التكرار اليومي يبرز كيف أن الاستقرار الاجتماعي ليس ثابتاً، بل هو إنجاز دائم للممثلين الاجتماعيين.

أما بيير بورديو، فقد قدم مفهوم الهابيتوس كأداة رئيسية لشرح الممارسة البنائية. الهابيتوس هو نظام من الاستعدادات المكتسبة والمولّدة، والتي تعمل كـ”مصفوفة إدراك وتقييم وفعل”. يشرح بورديو أن الأفراد الذين ينتمون إلى مجال اجتماعي معين (كالمجال الأكاديمي أو الاقتصادي) يطورون هابيتوساً متكيفاً مع منطق وقواعد هذا المجال. وبالتالي، فإن ممارساتهم (سواء كانت إنفاق المال، أو اختيار الملابس، أو طريقة الكلام) هي ممارسات بنائية لأنها لا تعكس فقط موقعهم الاجتماعي، بل تساهم في إعادة بناء الحدود والتمايزات داخل هذا المجال. الممارسة البنائية عند بورديو هي التجسيد النشط للعلاقة الجدلية بين التاريخ المتمثل في الهابيتوس، واللحظة الحالية المتمثلة في الفعل داخل المجال.[4]

5. العلاقة بالبنيوية والتكوينية

تُعتبر الممارسة البنائية بمثابة تصحيح نقدي وتوسع للمناهج البنيوية الكلاسيكية. فالبنيوية، كما ظهرت في أعمال كلود ليفي ستروس أو لويس ألتوسير، كانت تميل إلى إعطاء الأولوية المطلقة للبنى الخفية (اللغة، الأنظمة الاقتصادية) كقوى حتمية تشكل الوعي والسلوك البشريين. في هذا الإطار، يُنظر إلى الفاعل البشري كحامل بسيط للبنية، بدون قدرة حقيقية على التغيير أو الإبداع.

في المقابل، ترفض الممارسة البنائية هذا الموقف الحتمي. إنها لا تنكر وجود البنى أو أهميتها، بل تعيد تعريف علاقتها بالفعل. فبدلاً من رؤية البنية كقيد خارجي يُفرض على الفاعل، ترى الممارسة البنائية البنية كمجموعة من القواعد والموارد التي يتم تفعيلها واستخدامها من قبل الفاعل في عملية إنتاج الواقع. هذا التطور النظري سمح للعلوم الاجتماعية بالانتقال من نموذج السببية الخطية (البنية تسبب الفعل) إلى نموذج التكوين الدائري (الفعل والبنية يوجدان ويتشكلان معاً).

يُعد مفهوم التكوينية (Constructivism) أيضاً ذا صلة، ولكنه يختلف عن الممارسة البنائية. التكوينية (أو البنائية المعرفية) تركز غالباً على كيفية بناء الأفراد للمعرفة والمعنى في أذهانهم (مثل أعمال بياجيه). بينما البنائية الاجتماعية (Social Constructionism) تركز على بناء الظواهر الاجتماعية الكبرى (مثل النقود، الدولة، النوع الاجتماعي). الممارسة البنائية هي مفهوم يربط بين هذين المستويين؛ فهي تدرس كيف أن الأفعال العملية اليومية (الممارسة) هي التي تترجم البنى الاجتماعية الكبرى إلى واقع ملموس وتجعلها مستدامة أو قابلة للتغيير. إنها جسر بين الفهم النظري البحت والتجسيد العملي.

6. آليات التجسيد والتفعيل

تتطلب دراسة الممارسة البنائية تحليلاً دقيقاً للآليات التي يتم من خلالها تحويل القواعد والموارد المجردة إلى أفعال ملموسة. يمكن تقسيم هذه الآليات إلى ثلاثة مستويات متداخلة: التجسيد (Embodiment)، المؤسسة (Institutionalization)، والترميز (Codification).

أولاً: التجسيد (Embodiment): يتم بناء الواقع الاجتماعي أولاً عبر جسد الفاعل. فالهابيتوس، كما وصفه بورديو، هو “تاريخ أصبح جسداً”. إن طريقة الوقوف، أو المشي، أو الأكل، أو التعبير العاطفي هي ممارسات بنائية تُجسد الانتماء الطبقي أو الثقافي. هذه الممارسات المتجسدة لا تعكس ببساطة البنية، بل تعمل على بناء الهوية الاجتماعية للفرد في نظر الآخرين، وبالتالي، تُعيد بناء النظام الاجتماعي للتصنيف والتراتبية.

ثانياً: المؤسسة (Institutionalization): تتحول الممارسة الفردية إلى ممارسة بنائية ذات تأثير واسع عندما تتصل بالمؤسسات. المؤسسات هي مجموعات من الممارسات المتكررة والمستقرة التي يتم الاعتراف بها اجتماعياً. على سبيل المثال، ممارسة التصويت هي ممارسة بنائية لأنها، عند تكرارها من قبل ملايين الأفراد، تعيد بناء وتأكيد شرعية المؤسسة الديمقراطية. إن البناء المؤسسي يضمن أن الممارسة الفردية تتجاوز نطاق الفاعل الواحد وتصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي الدائم.

ثالثاً: الترميز (Codification) والتداول اللغوي: اللغة هي الأداة البنائية الأساسية. الممارسة اللغوية لا تصف الواقع فحسب، بل تسميه وتصنفه، وفي النهاية، تبنيه. عندما يتم “ترميز” ظاهرة ما (مثل تعريف فئة اجتماعية معينة أو تشريع قانون)، فإن هذا الترميز يحولها إلى حقيقة موضوعية يتم التعامل معها في الممارسات اللاحقة. الممارسة البنائية تدرس كيف أن استخدام اللغة في التداول اليومي، وفي الخطابات الإعلامية والسياسية، يساهم في بناء الهيمنة أو المقاومة.

7. الأهمية والتأثير النظري

تكمن الأهمية الجوهرية للممارسة البنائية في قدرتها على تقديم إطار نظري متماسك يتجاوز الثنائيات المنهجية التي عانت منها العلوم الاجتماعية لفترة طويلة. لقد مكن هذا المفهوم الباحثين من الابتعاد عن الأسئلة العقيمة حول “هل البنية أم الفعل أهم؟” والتركيز بدلاً من ذلك على كيفية تداخل هذين القطبين في الوقت والمكان.

أثرت الممارسة البنائية بشكل كبير على منهجيات البحث، مشجعة على استخدام طرق تحليلية تجمع بين دراسة الظروف الموضوعية (مثل الإحصاءات الاقتصادية أو التشريعات) وبين دراسة التجارب الذاتية والمهارات العملية للفاعلين (عبر الإثنوغرافيا والمقابلات المتعمقة). لقد سمح هذا المنهج التكاملي بفهم أعمق لظواهر معقدة مثل التفاوت الاجتماعي، حيث لا يتم تفسير التفاوت فقط بالقيود الاقتصادية (البنية)، بل أيضاً عبر الطرق التي يتم بها بناء وتجسيد التمايزات الاجتماعية في الممارسات اليومية المتجذرة في الهابيتوس.

علاوة على ذلك، للممارسة البنائية تأثير عميق على نظرية التغيير الاجتماعي. فإذا كان الواقع مبنياً باستمرار عبر الممارسة، فإن التغيير الاجتماعي ليس بالضرورة ثورة كبرى أو انهياراً بنيوياً مفاجئاً، بل يمكن أن يحدث من خلال تراكم التحولات الطفيفة في الممارسات اليومية. إن مقاومة النظم الاجتماعية، على سبيل المثال، لا تقتصر على الاحتجاجات المنظمة، بل تشمل أيضاً المقاومة اليومية السرية أو التلاعب بالقواعد، وهي كلها أشكال من الممارسة البنائية التي تعمل على تفكيك البنى المهيمنة ببطء.

8. الجدالات والانتقادات

على الرغم من القوة التفسيرية للممارسة البنائية، فإنها لم تسلم من النقد والجدل، خاصة فيما يتعلق بمسألة التحديد والحرية، وصعوبة التحقق التجريبي.

أحد الانتقادات الرئيسية الموجهة للمفاهيم المرتبطة بالممارسة البنائية (مثل الهابيتوس) هو أنها قد تقع في فخ الحتمية البنيوية مرة أخرى، وإن كانت بشكل مُقنّع. يرى بعض النقاد أن التركيز على أن الممارسة هي إعادة إنتاج للظروف التي أنتجتها، يقلل من المساحة الحقيقية للإرادة الحرة والاختيار العقلاني. بمعنى آخر، إذا كان الهابيتوس يحدد الأفعال بشكل كبير، فكيف يمكن تفسير حالات الابتكار أو التمرد الجذري التي تكسر القواعد البنيوية؟ يواجه المفهوم صعوبة في شرح كيف يمكن للفاعل أن “يخرج” من بنيته البنائية لإحداث تحول جذري غير متوقع.

انتقاد آخر يتعلق بالصعوبة المنهجية في قياس وتحليل الممارسة البنائية. بما أن جزءاً كبيراً من هذه الممارسة يقع في نطاق “الوعي العملي” أو المعرفة الضمنية، فإنه يصبح من الصعب جداً على الباحثين الاجتماعيين الوصول إلى هذه المعرفة وتوثيقها بشكل كامل وموضوعي. كيف يمكن للمرء أن يميز تجريبياً بين الفعل الذي هو مجرد إعادة إنتاج للبنية والفعل الذي يمثل تحويلاً بنائياً حقيقياً؟ هذا الغموض المنهجي يجعل التحليل قابلاً للتأويل النظري أكثر من كونه قابلاً للاختبار الإمبريقي الصارم.

كما أن هناك جدلاً حول ما إذا كانت الممارسة البنائية تولي اهتماماً كافياً للقوى غير البشرية أو المادية. فبعض المناهج الحديثة، مثل نظرية الفاعل-الشبكة (ANT)، تجادل بأن الممارسة لا تتشكل فقط من خلال التفاعلات البشرية والقواعد الاجتماعية، ولكن أيضاً من خلال تأثيرات الأشياء غير البشرية (مثل التكنولوجيا، البيئة، البنية التحتية). الممارسة البنائية التقليدية، التي تركز بشكل كبير على القواعد والموارد الاجتماعية، قد تكون قاصرة في إدراج الدور النشط لهذه الكيانات المادية في عملية البناء الاجتماعي.

9. مصادر إضافية للقراءة