علم النفس العام

إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية

إدمان الإنترنت والتكيف الاجتماعي لدى المراهقين: هل فقدان الذات هو المفتاح؟

هل لاحظتَ كيف يقضي بعض المراهقين ساعات طويلة من اليوم منغمسين في عالم الإنترنت، لدرجة أن ذلك يؤثر على علاقاتهم الاجتماعية ودراستهم وحياتهم بشكل عام؟ هذا السؤال ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو محور بحث علمي متزايد الأهمية في عالمنا الرقمي المتسارع. فالإنترنت، على الرغم من فوائده العديدة، يحمل في طياته مخاطر الإدمان، خاصةً بين فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة حرجة من التطور النفسي والاجتماعي. ولكن ما الذي يدفع المراهق إلى الانغماس في هذا العالم الافتراضي؟ وهل هناك علاقة بين هذا الانغماس وقدرته على التكيف مع الحياة الواقعية؟ هذا ما يحاول الباحث لياو إكس. الإجابة عليه في دراسة حديثة، تكشف عن دور معقد تلعبه العلاقات مع الأقران وتكوين الهوية في هذه المعادلة.

الإطار النظري

لفهم هذه الدراسة، يجب أن نعود إلى بعض المفاهيم الأساسية في علم النفس. تعتمد الدراسة على “النموذج البيئي الحيوي” (Bioecological Model) الذي طوره عالم النفس الأمريكي يوري برونفنبرينر. هذا النموذج يرى أن تطور الفرد يتأثر بتفاعله مع مختلف الأنظمة البيئية المحيطة به، بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولًا إلى الثقافة والمجتمع. إدمان الإنترنت، في هذا السياق، لا يُنظر إليه على أنه مشكلة فردية بحتة، بل كنتيجة لتفاعل معقد بين الفرد وبيئته.

كما تستند الدراسة إلى نظريات الهوية، وخاصةً تلك التي قدمها عالم النفس إريك إريكسون. فالمراهقة هي مرحلة أساسية لتكوين الهوية، حيث يسعى الشاب إلى اكتشاف ذاته وقيمها ومبادئها. إذا لم يتمكن المراهق من تحقيق هذا الهدف، فقد يشعر بالضياع والارتباك، مما يجعله أكثر عرضة للانغماس في سلوكيات هروبية مثل إدمان الإنترنت. فالإنترنت، في هذه الحالة، يوفر ملاذًا افتراضيًا يسمح للمراهق بتجربة هويات مختلفة والتعبير عن نفسه بطرق قد لا يستطيع فعلها في الحياة الواقعية.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب العلاقات مع الأقران دورًا حاسمًا في التطور الاجتماعي والعاطفي للمراهق. فالأقران يوفرون الدعم الاجتماعي والقبول والانتماء، وهي احتياجات أساسية للمراهق. إذا كان المراهق يعاني من صعوبات في تكوين علاقات صحية مع أقرانه، فقد يلجأ إلى الإنترنت كبديل، مما يزيد من خطر الإدمان.

الوساطة المتسلسلة: سلسلة من التأثيرات

تعتمد الدراسة على مفهوم “الوساطة المتسلسلة” (Chain Mediation)، وهو يعني أن تأثير إدمان الإنترنت على التكيف الاجتماعي لا يحدث بشكل مباشر، بل من خلال سلسلة من المتغيرات الوسيطة. في هذه الحالة، العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية هما المتغيران الوسيطان. بعبارة أخرى، إدمان الإنترنت يؤثر على العلاقات مع الأقران، مما يؤثر بدوره على الهوية الذاتية، والتي تؤثر في النهاية على التكيف الاجتماعي.

المنهجية

أجرى الباحث لياو إكس. دراسته على عينة من المراهقين الصينيين، باستخدام استبيانات لجمع البيانات حول إدمان الإنترنت، والعلاقات مع الأقران، والهوية الذاتية، والتكيف الاجتماعي. تم قياس إدمان الإنترنت باستخدام مقياس متخصص يقيم مدى الانشغال بالإنترنت، وفقدان السيطرة عليه، والمعاناة من أعراض الانسحاب عند محاولة التوقف عنه. أما العلاقات مع الأقران، فقد تم قياسها من خلال تقييم جودة العلاقات مع الأصدقاء، ومستوى الدعم الاجتماعي الذي يتلقاه المراهق من أقرانه. فيما يتعلق بالهوية الذاتية، فقد تم قياسها من خلال تقييم مدى وضوح رؤية المراهق لذاته، وقيمه، وأهدافه في الحياة. أخيرًا، تم قياس التكيف الاجتماعي من خلال تقييم قدرة المراهق على التعامل مع الضغوط الاجتماعية، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، والشعور بالرضا عن حياته.

استخدم الباحث تحليلًا إحصائيًا متطورًا يسمى “النمذجة بالمعادلات الهيكلية” (Structural Equation Modeling) لتحليل البيانات وتحديد العلاقات بين المتغيرات المختلفة. هذه الطريقة تسمح للباحث باختبار الفرضيات حول العلاقات السببية بين المتغيرات، وتقييم مدى قوة هذه العلاقات.

النتائج

أظهرت نتائج الدراسة أن إدمان الإنترنت يرتبط سلبًا بالتكيف الاجتماعي لدى المراهقين. وهذا يعني أن المراهقين الذين يعانون من إدمان الإنترنت يميلون إلى أن يكونوا أقل قدرة على التعامل مع الضغوط الاجتماعية، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، والشعور بالرضا عن حياتهم. ولكن الأهم من ذلك، كشفت الدراسة عن أن هذه العلاقة تتوسطها العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية. بعبارة أخرى، إدمان الإنترنت يؤدي إلى تدهور العلاقات مع الأقران، مما يؤدي بدوره إلى ضعف الهوية الذاتية، مما يؤدي في النهاية إلى انخفاض التكيف الاجتماعي.

كما وجدت الدراسة أن هذه العلاقات تختلف بين الذكور والإناث. فقد تبين أن تأثير إدمان الإنترنت على العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية كان أقوى لدى الذكور مقارنة بالإناث. وهذا يشير إلى أن الذكور قد يكونون أكثر عرضة للتأثر بالآثار السلبية لإدمان الإنترنت على التكيف الاجتماعي.

التأثيرات السريرية والعملية

تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة للعاملين في مجال الصحة النفسية، والتربية، والآباء، والمراهقين أنفسهم. فمن الواضح أن مكافحة إدمان الإنترنت تتطلب نهجًا شاملاً يتجاوز مجرد الحد من استخدام الإنترنت. يجب أن تركز التدخلات على تعزيز العلاقات مع الأقران، ومساعدة المراهقين على تكوين هوية ذاتية قوية وواضحة. يمكن تحقيق ذلك من خلال برامج تدريبية تركز على تطوير المهارات الاجتماعية، وتعزيز الثقة بالنفس، وتشجيع المراهقين على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والهوايات المختلفة. كما يجب على الآباء والمربين توفير بيئة داعمة ومشجعة تساعد المراهقين على استكشاف اهتماماتهم وقدراتهم، وتكوين علاقات صحية مع أقرانهم.

بالنسبة للمراهقين الذين يعانون من إدمان الإنترنت، قد يكون من المفيد اللجوء إلى العلاج النفسي، وخاصةً العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي يساعد على تغيير الأنماط السلوكية السلبية والتفكير بطرق أكثر إيجابية وواقعية. كما يمكن أن يكون العلاج الجماعي مفيدًا، حيث يوفر للمراهقين فرصة للتواصل مع أقرانهم الذين يواجهون نفس المشاكل، وتبادل الخبرات والدعم.

السياق الثقافي العربي

عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. ففي العديد من المجتمعات العربية، لا تزال العلاقات الأسرية تلعب دورًا مركزيًا في حياة المراهقين، وقد يكون لديهم فرص أقل للتفاعل مع أقرانهم خارج نطاق الأسرة والمدرسة. كما أن الضغوط الاجتماعية والثقافية قد تكون أكبر في بعض المجتمعات العربية، مما قد يزيد من خطر الإدمان كآلية للتكيف مع هذه الضغوط. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هناك وصمة عار مرتبطة بالصحة النفسية في بعض المجتمعات العربية، مما قد يمنع المراهقين من طلب المساعدة عند الحاجة.

لذلك، يجب أن تكون التدخلات التي تستهدف مكافحة إدمان الإنترنت في العالم العربي حساسة ثقافيًا وتراعي هذه الفروق. يجب أن تركز التدخلات على تعزيز العلاقات الأسرية الإيجابية، وتوفير فرص للمراهقين للتفاعل مع أقرانهم في بيئة آمنة وداعمة، ورفع مستوى الوعي حول الصحة النفسية وتقليل الوصمة المرتبطة بها.

آفاق مستقبلية وقيود الدراسة

على الرغم من


Reference

Liao X. (2026). Internet addiction and social adaptation among adolescents: the chain mediation effects of peer relationships and self-identity. BMC Psychology, 14(1).

DOI: 10.1186/s40359-026-04116-1

تفاصيل الدراسة

Article
BMC Psychology
فبراير 16, 2026
Xiaohua Liao Liqin Yin Yinghong Li Yuting Wang
CN
Xiaohua Liao et al. (2026). Internet addiction and social adaptation among adolescents: the chain mediation effects of peer relationships and self-identity

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a5%d8%af%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%b1%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%aa%d9%83%d9%8a%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية." عرب سايكلوجي, 14 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a5%d8%af%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%b1%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%aa%d9%83%d9%8a%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a5%d8%af%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%b1%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%aa%d9%83%d9%8a%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a5%d8%af%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%aa%d8%b1%d9%86%d8%aa-%d9%88%d8%aa%d9%83%d9%8a%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. إدمان الإنترنت وتكيّف المراهقين: دور العلاقات مع الأقران والهوية الذاتية. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF