- تُظهر الدراسة وجود علاقة إيجابية بين الاستخدام المفرط لوسائل الإعلام والسلوكيات المتعطّفة وغير العاطفية لدى الأطفال الصغار.
- يساهم ضعف التنظيم العاطفي كوسيط في العلاقة بين الاستخدام المفرط لوسائل الإعلام والسلوكيات المتعطّفة وغير العاطفية.
- يلعب تدخل الوالدين دورًا حاسمًا في حماية الأطفال من الآثار السلبية للاستخدام المفرط لوسائل الإعلام على التنظيم العاطفي والسلوكيات المتعطّفة وغير العاطفية.
- تسلط النتائج الضوء على أهمية تعزيز التنظيم العاطفي وتدخل الوالدين فيما يتعلق باستخدام الشاشات وعلاقته بالسلوكيات الخارجية المبكرة والعواطف الإيجابية.
هل يهدد الإفراط في استخدام وسائل الإعلام تنمية المشاعر لدى الأطفال؟ دراسة تكشف عن دور هام للرقابة الأبوية
كم مرة تساءلت، وأنت تشاهد طفلك منغمسًا في عالم الأجهزة الذكية، عن تأثير هذا العالم على مشاعره وقدرته على التعاطف مع الآخرين؟ هل يمكن أن يؤدي قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات إلى تقليل حساسيته تجاه مشاعر الآخرين، وتحويله إلى شخص أقل اهتمامًا بالقيم الإنسانية؟ هذه الأسئلة، التي تشغل بال العديد من الآباء والأمهات، أصبحت محور اهتمام متزايد للباحثين في مجال علم النفس، خاصةً مع الانتشار الهائل للتكنولوجيا الرقمية في حياتنا اليومية.
الإطار النظري
تستند هذه الدراسة إلى مجموعة من النظريات النفسية الهامة التي تفسر تطور المشاعر والسلوك الاجتماعي لدى الأطفال. من بين هذه النظريات، نظرية التعلق (Attachment Theory) التي تؤكد على أهمية العلاقة الآمنة بين الطفل ووالديه في بناء قدرته على تنظيم المشاعر وتكوين علاقات صحية مع الآخرين. كما تعتمد الدراسة على نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) التي تشير إلى أن الأطفال يتعلمون السلوكيات من خلال الملاحظة والتقليد، وبالتالي فإن تعرضهم لمحتوى غير مناسب عبر وسائل الإعلام يمكن أن يؤثر سلبًا على سلوكهم. بالإضافة إلى ذلك، تلعب نظرية التنظيم الانفعالي (Emotion Regulation Theory) دورًا حاسمًا في فهم كيفية قدرة الأطفال على التحكم في مشاعرهم والتعبير عنها بطرق صحية. ضعف التنظيم الانفعالي يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات عدوانية أو غير مبالية بمشاعر الآخرين.
السلوكيات عديمة الشعور
السلوكيات عديمة الشعور (Callous-Unemotional Traits) هي مجموعة من الخصائص التي تتميز باللامبالاة بمشاعر الآخرين، ونقص التعاطف، والعدوانية، وعدم الشعور بالندم. هذه السلوكيات تعتبر مؤشرًا مبكرًا على خطر تطور اضطرابات السلوك في المستقبل. تخيل أن طفلك يلعب بلعبة صديقه ويُفسدها دون أن يشعر بأي تأنيب ضمير أو تعاطف مع صديقه. هذا مثال بسيط على سلوك عديم الشعور. تؤكد الأبحاث أن هذه السلوكيات ليست مجرد سمات شخصية، بل يمكن أن تتأثر بعوامل بيئية، مثل التعرض المفرط لوسائل الإعلام.
المنهجية
أجرى الباحث ران تان (Tan R.) دراسة شاملة شملت 1033 من الآباء والأمهات الصينيين الذين لديهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 40 و 84 شهرًا. تم جمع البيانات من خلال استبيان إلكتروني، حيث قام الآباء بتقييم سلوك أطفالهم فيما يتعلق باستخدام وسائل الإعلام، وتنظيم المشاعر، والسلوكيات عديمة الشعور، بالإضافة إلى مستوى الرقابة الأبوية التي يمارسونها على استخدام أطفالهم لوسائل الإعلام.
تصميم الدراسة
اعتمدت الدراسة على تصميم مقطعي (Cross-sectional design)، مما يعني أن البيانات تم جمعها في نقطة زمنية واحدة. هذا التصميم يسمح للباحثين بتحديد العلاقات بين المتغيرات المختلفة، ولكنه لا يسمح بتحديد العلاقة السببية بشكل قاطع. لتقييم استخدام وسائل الإعلام، استخدم الباحثون مقياسًا لتقييم الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام (Problematic Media Use)، والذي يقيس مدى تأثير استخدام وسائل الإعلام على حياة الطفل اليومية، مثل صعوبة التوقف عن استخدامها، والشعور بالقلق عند عدم القدرة على الوصول إليها. أما لتقييم تنظيم المشاعر، فقد استخدموا مقياسًا يقيس قدرة الطفل على التحكم في مشاعره والتعبير عنها بطرق صحية. ولتقييم السلوكيات عديمة الشعور، استخدموا مقياسًا يقيس مدى لامبالاة الطفل بمشاعر الآخرين وعدم تعاطفه معهم. أخيرًا، استخدموا مقياسًا لتقييم مستوى الرقابة الأبوية، والذي يقيس مدى قيام الآباء بمراقبة استخدام أطفالهم لوسائل الإعلام وتحديد المحتوى الذي يشاهدونه.
النموذج الإحصائي
استخدم الباحثون نموذجًا إحصائيًا متطورًا يسمى نموذج الوساطة المشروطة (Moderated Mediation Model) لتحليل البيانات. هذا النموذج يسمح لهم بفهم كيفية تأثير استخدام وسائل الإعلام على السلوكيات عديمة الشعور، وكيف أن هذا التأثير يتوسطه تنظيم المشاعر، وكيف أن مستوى الرقابة الأبوية يمكن أن يعدل هذا التأثير. تخيل أن استخدام وسائل الإعلام هو السبب، والسلوكيات عديمة الشعور هي النتيجة، وتنظيم المشاعر هو الوسيط الذي يربط بينهما، والرقابة الأبوية هي العامل الذي يغير قوة هذا الربط.
النتائج
أظهرت نتائج الدراسة وجود علاقة إيجابية قوية بين الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام والسلوكيات عديمة الشعور لدى الأطفال. وهذا يعني أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلاً في استخدام وسائل الإعلام هم أكثر عرضة لإظهار سلوكيات تدل على اللامبالاة بمشاعر الآخرين وعدم التعاطف معهم. كما أظهرت النتائج أن هذه العلاقة تتوسطها عملية تنظيم المشاعر. بمعنى آخر، الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام يؤدي إلى ضعف تنظيم المشاعر لدى الأطفال، وهذا الضعف في التنظيم الانفعالي بدوره يؤدي إلى زيادة السلوكيات عديمة الشعور.
الأهم من ذلك، أظهرت النتائج أن مستوى الرقابة الأبوية يلعب دورًا حاسمًا في تعديل هذه العلاقة. فقد وجد الباحثون أن الرقابة الأبوية القوية تقلل من التأثير السلبي للاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام على تنظيم المشاعر والسلوكيات عديمة الشعور. بمعنى آخر، عندما يراقب الآباء استخدام أطفالهم لوسائل الإعلام ويحددون المحتوى الذي يشاهدونه، فإنهم يحمونهم من الآثار السلبية المحتملة لهذه الوسائل.
الآثار
تلقي هذه النتائج الضوء على أهمية معالجة قضية الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام لدى الأطفال، خاصةً في المراحل المبكرة من الطفولة. إنها تؤكد على أن الاستخدام المفرط لوسائل الإعلام لا يؤثر فقط على الجوانب المعرفية للأطفال، بل يؤثر أيضًا على تطورهم العاطفي والاجتماعي. بالنسبة للمعالجين النفسيين، تشير هذه النتائج إلى أهمية تقييم استخدام وسائل الإعلام لدى الأطفال الذين يعانون من سلوكيات عديمة الشعور، والعمل معهم وأسرهم على تطوير استراتيجيات لتقليل الاستخدام الإشكالي وتحسين تنظيم المشاعر. بالنسبة للآباء والأمهات، فإن هذه النتائج تدعو إلى توخي الحذر بشأن استخدام أطفالهم لوسائل الإعلام، وممارسة الرقابة الأبوية الفعالة، وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية التي تعزز التعاطف والتواصل مع الآخرين.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في السياق الثقافي العربي، نجد أن هناك بعض العوامل التي قد تزيد من أهميتها. ففي العديد من المجتمعات العربية، هناك تركيز كبير على القيم العائلية والاجتماعية، مثل التعاطف والتكافل. لذلك، فإن أي شيء يهدد هذه القيم، مثل الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام، يمكن أن يكون له آثار سلبية عميقة على المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه الآباء والأمهات في العالم العربي تحديات خاصة في ممارسة الرقابة الأبوية الفعالة، مثل ضيق الوقت، والضغط الاجتماعي، ونقص الوعي بأهمية هذه القضية. كما أن انتشار الأجهزة الذكية بين الأطفال في العالم العربي قد يكون أعلى من بعض الدول الأخرى، مما يزيد من خطر الاستخدام الإشكالي لوسائل الإعلام.
آفاق مستقبلية وقيود الدراسة
على الرغم من أهمية هذه الدراسة، إلا أنها لا تخلو من بعض القيود. أولاً، اعتمدت الدراسة على تصميم مقطعي، مما يجعل من الصعب تحديد العلاقة السببية بين المتغيرات المختلفة. ثانيًا، تم جمع البيانات من خلال استبيان ذاتي الإبلاغ، مما يعني أن النتائج قد تتأثر بالتحيز الذاتي للآباء والأمهات. ثالثًا، اقتصرت الدراسة على عينة من الآباء والأمهات الصينيين، مما يحد من إمكانية تعميم النتائج على ثقافات أخرى.
لذلك، هناك حاجة
Reference
Tan R. (2026). Problematic media use and callous-unemotional behaviors in early childhood: the roles of emotion regulation and parental mediation. BMC Psychology, 14(1).
المناقشة والتفكير النقدي
- ما هي الآليات النفسية المحددة التي من خلالها يؤدي الاستخدام المفرط لوسائل الإعلام إلى السلوكيات المتعطّفة وغير العاطفية لدى الأطفال الصغار، بخلاف التنظيم العاطفي؟
- كيف يمكن تصميم تدخلات فعالة لتعزيز التنظيم العاطفي لدى الأطفال الصغار الذين قد يكونون عرضة للاستخدام المفرط لوسائل الإعلام؟
- ما هي أنواع تدخلات الوالدين الأكثر فعالية في التخفيف من الآثار السلبية للاستخدام المفرط لوسائل الإعلام على نمو الأطفال العاطفي والاجتماعي؟
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%b1%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي." عرب سايكلوجي, 30 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%b1%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%b1%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ae%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%b1%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. استخدام وسائل الإعلام المفرط والسلوكيات القاسية والعاطفية لدى الأطفال: دور التنظيم العاطفي والإشراف الأبوي. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
