“لأجل طفلي يجب أن أعيش”: دراسة نوعية حول الأبوة والأمومة وتجربة مرض السل في جنوب أفريقيا
أشعر بضيق في صدري، وسعال لا يتوقف، وخوف يزداد كل يوم. ليس خوفي على نفسي فقط، بل على أطفالي، على مستقبلهم. كيف أستطيع أن أعتني بهم وأنا بالكاد أستطيع الاعتناء بنفسي؟ هذه الأسئلة تدور في رأسي باستمرار منذ أن تم تشخيصي بمرض السل. هذه ليست مجرد قصة شخصية، بل هي صدى لتجارب الآلاف من الآباء والأمهات حول العالم، وخاصة في المجتمعات التي تعاني من وطأة هذا المرض.
الإطار النظري
تستند هذه الدراسة إلى فهم عميق للتفاعلات المعقدة بين الفرد وبيئته الاجتماعية، مستخدمةً نموذج “الشبكة-الفرد-الموارد” (Network-Individual-Resource – NIR). هذا النموذج يرى أن قدرة الفرد على التعامل مع التحديات الصحية، مثل مرض السل، لا تعتمد فقط على حالته الصحية الشخصية أو الموارد المتاحة له، بل أيضاً على شبكة الدعم الاجتماعي التي يمتلكها. يمكن تشبيه هذا النموذج بشجرة: الفرد هو الجذع، وصحته وقدراته هي القوة التي تسمح له بالنمو، والشبكة الاجتماعية هي الجذور التي تثبته وتغذيه، والموارد هي الأوراق التي تمتص الضوء وتساعده على الازدهار.
بالإضافة إلى ذلك، تستند الدراسة إلى مفاهيم أساسية في علم النفس الاجتماعي، مثل الأدوار الجندرية والتوقعات المجتمعية. فالأدوار التي يلعبها الأب والأم في المجتمع، والتوقعات المرتبطة بهذه الأدوار، تؤثر بشكل كبير على كيفية تعاملهم مع المرض وكيفية تأثيره على حياتهم. على سبيل المثال، قد يشعر الأب بالضغط لتحمل المسؤولية المالية للأسرة، حتى لو كان يعاني من المرض، بينما قد تشعر الأم بالضغط لتقديم الرعاية للأطفال، حتى لو كانت صحتها في خطر. هذه الضغوط يمكن أن تؤثر على قدرتهم على الالتزام بالعلاج والتعافي من المرض.
المنهجية
أجرت الباحثة روت ك. (Rutt K.) دراسة نوعية متعمقة في مدينة بوفالو سيتي في جنوب أفريقيا، بين شهري مارس 2021 ويناير 2022. اعتمدت الدراسة على إجراء مقابلات معمقة مع 98 مريضاً مصاباً بمرض السل، منهم 44 أماً و 54 أباً. لم تكن هذه مجرد استبيانات بسيطة، بل كانت حوارات طويلة تهدف إلى فهم تجاربهم الشخصية، ومشاعرهم، وتحدياتهم.
تم تحليل البيانات باستخدام طريقة “الترميز الطبقي” (layered coding)، وهي عملية منظمة لتحديد الأنماط والموضوعات المتكررة في المقابلات. ثم تم استخدام “التدوين” (memoing) لتسجيل الأفكار والتفسيرات الأولية للباحثة. وأخيراً، تم استخدام “رسم الخرائط السببية” (causal mapping) لتحديد العلاقات بين العوامل المختلفة التي تؤثر على تجربة المرض والأبوة والأمومة. هذه العملية تشبه تجميع قطع الأحجية، حيث تحاول الباحثة تجميع الأجزاء المختلفة لفهم الصورة الكاملة.
النتائج
أظهرت النتائج أن الأمهات غالباً ما يتحملن المسؤولية الرئيسية عن رعاية الأطفال، ويستمددن الدافع من حبهن لأطفالهن. كما أنهن يعتمدن بشكل كبير على دعم الأجيال المتعاقبة من العائلة للحصول على المساعدة في رعاية الأطفال والالتزام بالعلاج. في بعض الحالات، كان الأطفال أنفسهم يقدمون الدعم العاطفي والعملي لأمهاتهم، مثل الطهي وتذكيرهن بتناول الدواء. هذا يوضح قوة الروابط العائلية في هذه المجتمعات، وكيف يمكن للعائلة أن تكون مصدراً أساسياً للدعم في أوقات الأزمات.
في المقابل، كان الآباء أكثر ميلاً إلى الابتعاد عن أسرهم لحمايتهم من العدوى، وشعروا بالعزلة، وواجهوا صعوبات في القيام بدورهم كموفرين بسبب فقدانهم لوظائفهم. كان الدعم العائلي المتاح للآباء محدوداً، وزادت الضغوط المالية من تحدياتهم في الحصول على العلاج. هذا يسلط الضوء على التحديات الفريدة التي يواجهها الآباء المصابون بالسل، وكيف يمكن للأدوار الجندرية التقليدية أن تعيق قدرتهم على الحصول على الدعم الذي يحتاجونه.
التأثيرات
هذه النتائج لها آثار عميقة على كيفية تعاملنا مع مرض السل والأبوة والأمومة. بالنسبة للأطباء والمعالجين، يجب أن يكونوا على دراية بالتحديات الفريدة التي يواجهها الآباء والأمهات المصابون بالسل، وأن يقدموا لهم الدعم المناسب. يجب أن يشمل هذا الدعم المساعدة في رعاية الأطفال، وتقديم المشورة النفسية، وتوفير الموارد المالية اللازمة.
بالنسبة للمرضى أنفسهم، يجب أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك مصادر للدعم المتاحة لهم. يجب أن يشعروا بالراحة في طلب المساعدة من عائلاتهم وأصدقائهم ومقدمي الرعاية الصحية.
بالنسبة للجمهور العام، يجب أن نزيد الوعي بمرض السل وتأثيره على الأسر. يجب أن نعمل على مكافحة الوصمة المرتبطة بالمرض، وتشجيع الناس على الحصول على العلاج في أقرب وقت ممكن.
السياق الثقافي العربي
تتردد أصداء هذه النتائج بقوة في السياق العربي، ولكن مع بعض الفروق الدقيقة. في العديد من المجتمعات العربية، تلعب العائلة دوراً محورياً في حياة الفرد، وتقديم الدعم العائلي للمرضى أمر شائع. ومع ذلك، قد تكون هناك اختلافات في كيفية توزيع المسؤوليات بين الأمهات والآباء، وفي مدى توفر الموارد المالية والاجتماعية.
على سبيل المثال، في بعض المجتمعات العربية، قد يكون هناك توقعات ثقافية قوية بأن الأم هي المسؤولة الرئيسية عن رعاية الأطفال، حتى لو كانت مريضة. هذا يمكن أن يزيد من الضغط عليها ويجعل من الصعب عليها الحصول على العلاج الذي تحتاجه. في المقابل، قد يواجه الأب صعوبات في الاعتراف بحاجته إلى المساعدة، بسبب الخوف من فقدان مكانته كمعيل للأسرة.
بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك تحديات خاصة في الحصول على الرعاية الصحية في بعض البلدان العربية، بسبب محدودية الموارد أو عدم كفاية البنية التحتية. هذا يمكن أن يجعل من الصعب على المرضى الحصول على التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.
آفاق المستقبل والقيود
هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة في فهم العلاقة المعقدة بين مرض السل والأبوة والأمومة. ومع ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من البحث لاستكشاف هذه العلاقة بشكل أعمق. على سبيل المثال، يمكن إجراء دراسات مستقبلية لفحص تأثير مرض السل على التطور العاطفي والاجتماعي للأطفال، أو لتقييم فعالية التدخلات التي تهدف إلى دعم الآباء والأمهات المصابين بالسل.
من القيود الرئيسية لهذه الدراسة أنها أجريت في منطقة جغرافية محددة (جنوب أفريقيا)، وقد لا تكون النتائج قابلة للتعميم على جميع المجتمعات. بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الدراسة على المقابلات الذاتية، والتي قد تكون عرضة للتحيز.
على الرغم من هذه القيود، فإن هذه الدراسة تقدم رؤى قيمة حول التحديات التي يواجهها الآباء والأمهات المصابون بالسل، وتسلط الضوء على أهمية توفير الدعم المناسب لهم. من خلال فهم هذه التحديات، يمكننا العمل على تطوير استراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة مرض السل وتحسين صحة ورفاهية الأسر المتضررة.
Reference
Rutt K. (2026). 'I have a child i need to live for': a qualitative study of parenthood and the TB experience in South Africa. Global Public Health, 21(1), 2648959-2648959.
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي." عرب سايكلوجي, 10 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. الأبوة والأمومة في مواجهة السل: دراسة جنوب أفريقية تكشف تحديات النوع الاجتماعي. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
