الصحة النفسية

تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.

أبرز النقاط
  • تُظهر الدراسة أن شعور الأهل بالاغتراب يؤثر على شعور الأطفال بالاغتراب.
  • يكون تأثير الأهل على الأطفال أقوى عندما يكون الأهل والأطفال من نفس الجنس.
  • يتم التوسط في انتقال الاغتراب بين الأجيال من خلال الأحداث التي يمر بها الأطفال.
  • يتم تعديل هذا التأثير من خلال جنس الأطفال وحالتهم كأطفال متروكين.

هل تساءلت يومًا لماذا تتكرر أنماط العلاقات الأسرية عبر الأجيال؟ لماذا يشعر بعض الأبناء بالتباعد العاطفي عن والديهم، تمامًا كما شعر آباؤهم من قبل؟ هذا السؤال ليس مجرد استفسار عابر، بل هو لب بحث جديد يكشف عن آليات معقدة تنتقل بها مشاعر الاغتراب الأسرية من جيل إلى آخر. دراسة حديثة بقيادة سونغ إكس، تلقي الضوء على هذه الظاهرة، مقدمةً رؤى قيمة حول كيفية تأثير تصورات الآباء للاغتراب على مشاعر أبنائهم، وكيف تتشابك هذه العملية مع تجارب الحياة المختلفة والظروف الاجتماعية الفريدة.

الإطار النظري

تستند هذه الدراسة إلى مجموعة من النظريات النفسية التي تفسر كيفية تشكل العلاقات الأسرية وتأثرها بالعوامل الوراثية والبيئية. من بين هذه النظريات، تبرز نظرية التعلق (Attachment Theory) التي طورها جون بولبي، والتي تؤكد على أهمية الروابط العاطفية المبكرة بين الطفل ووالديه في تشكيل شخصيته وعلاقاته المستقبلية. عندما يشعر الوالدان بالتباعد أو الاغتراب، قد يجدان صعوبة في توفير الرعاية العاطفية اللازمة لأطفالهما، مما يؤدي إلى تكوين روابط تعلق غير آمنة.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory) لألبرت باندورا دورًا هامًا في فهم هذه الظاهرة. فالأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة والتقليد، وبالتالي فإنهم يميلون إلى تبني تصورات آبائهم عن العلاقات، بما في ذلك مشاعر الاغتراب. إذا كان الوالدان يعبران عن مشاعر سلبية تجاه والديهما، فقد يميل الأبناء إلى تبني هذه المشاعر وتطبيقها على علاقاتهم الخاصة.

كما أن مفهوم الوراثة النفسية (Psychological Inheritance) يلعب دورًا، ليس بالمعنى البيولوجي المباشر، بل بمعنى انتقال الأنماط السلوكية والعاطفية عبر الأجيال. هذه الأنماط ليست محددة جينيًا، بل تتشكل من خلال التفاعلات المعقدة بين العوامل الوراثية والبيئية والتجارب الحياتية.

منهجية البحث

أجرى فريق سونغ إكس دراسته على عينة من الأسر، حيث تم جمع البيانات من الآباء والأبناء بشكل منفصل. اعتمد الباحثون على الاستبيانات (Questionnaires) لتقييم تصورات الآباء للاغتراب تجاه والديهم، وكذلك تصورات الأبناء للاغتراب تجاه آبائهم. تم تصميم الاستبيانات لقياس جوانب مختلفة من الاغتراب، مثل الشعور بالبعد العاطفي، ونقص الدعم، والصراعات المستمرة.

بالإضافة إلى ذلك، تم جمع معلومات حول أحداث الحياة (Life Events) التي مر بها الأبناء، مثل الطلاق، أو فقدان أحد الأقارب، أو الانتقال إلى مدرسة جديدة. تم تقييم هذه الأحداث من حيث تأثيرها السلبي على حياة الأبناء. كما تم جمع بيانات حول الوضع الاجتماعي للأبناء، وتحديدًا ما إذا كانوا “أبناء تركوا وراءهم” (Left-Behind Children)، أي أنهم يعيشون بعيدًا عن أحد أو كلا الوالدين بسبب الهجرة للعمل.

استخدم الباحثون التحليل الإحصائي (Statistical Analysis) لتقييم العلاقة بين تصورات الآباء للاغتراب وتصورات الأبناء للاغتراب. وقد استخدموا تحليل الوساطة (Mediation Analysis) لتحديد ما إذا كانت أحداث الحياة تلعب دورًا وسيطًا في هذه العلاقة، أي ما إذا كانت تصورات الآباء للاغتراب تؤثر على تصورات الأبناء للاغتراب من خلال تأثيرها على أحداث حياتهم. كما استخدموا تحليل الاعتدال (Moderation Analysis) لتحديد ما إذا كان جنس الأبناء ووضعهم كأبناء تركوا وراءهم يؤثر على قوة هذه العلاقة.

نتائج البحث

أظهرت النتائج أن هناك علاقة قوية بين تصورات الآباء للاغتراب وتصورات الأبناء للاغتراب. بمعنى آخر، إذا كان الوالدان يشعران بالتباعد العاطفي تجاه والديهما، فمن المرجح أن يشعر أبناؤهما بالتباعد العاطفي تجاههما. ولفت الباحثون إلى أن هذه العلاقة كانت أقوى بين الآباء والأبناء من نفس الجنس. وهذا يشير إلى أن الأبناء يميلون إلى تبني تصورات آبائهم من نفس الجنس بشكل أكبر.

كما أظهرت النتائج أن أحداث الحياة تلعب دورًا وسيطًا في هذه العلاقة. بمعنى آخر، فإن تصورات الآباء للاغتراب تؤثر على تصورات الأبناء للاغتراب من خلال تأثيرها على أحداث حياتهم. على سبيل المثال، إذا كان الوالدان يشعران بالتباعد العاطفي تجاه والديهما، فقد يكونان أقل قدرة على توفير الدعم العاطفي لأطفالهما في أوقات الشدة، مما يؤدي إلى زيادة شعور الأبناء بالاغتراب.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت النتائج أن جنس الأبناء ووضعهم كأبناء تركوا وراءهم يلعبان دورًا معتدلًا في هذه العلاقة. بمعنى آخر، فإن قوة العلاقة بين تصورات الآباء للاغتراب وتصورات الأبناء للاغتراب تختلف باختلاف جنس الأبناء ووضعهم الاجتماعي. على سبيل المثال، قد تكون العلاقة أقوى بين الأبناء الذكور الذين تركوا وراءهم، مقارنة بالأبناء الإناث الذين لم يتركوا وراءهم.

تأثيرات البحث

تحمل هذه الدراسة آثارًا عميقة على كل من الممارسين النفسيين والجمهور العام. بالنسبة للمعالجين النفسيين (Psychotherapists)، تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية معالجة مشاعر الاغتراب لدى الآباء، بالإضافة إلى معالجة مشاعر الاغتراب لدى الأبناء. فإذا تمكن المعالجون من مساعدة الآباء على حل مشاعرهم السلبية تجاه والديهم، فقد يكونون قادرين على منع انتقال هذه المشاعر إلى أبنائهم.

بالنسبة للمرضى (Patients)، تقدم هذه الدراسة فهمًا أعمق للعوامل التي تساهم في شعورهم بالاغتراب. قد يساعدهم هذا الفهم على إدراك أن مشاعرهم ليست ناتجة عن عيوب شخصية، بل هي جزء من نمط أسرى متوارث. قد يشجعهم هذا على طلب المساعدة والدخول في علاج نفسي.

أما بالنسبة للجمهور العام (General Public)، فإن هذه الدراسة تزيد الوعي بأهمية العلاقات الأسرية الصحية. قد تشجع الناس على التفكير في علاقاتهم مع والديهم وأبنائهم، وعلى اتخاذ خطوات لتحسين هذه العلاقات. كما قد تشجعهم على دعم الأسر التي تعاني من مشاكل في العلاقات.

السياق الثقافي العربي

عند النظر إلى هذه النتائج في السياق الثقافي العربي، تظهر بعض الفروق الدقيقة الهامة. في العديد من المجتمعات العربية، لا تزال العلاقات الأسرية تتميز بدرجة عالية من التماسك والتسلسل الهرمي. قد يكون من الصعب على الأبناء التعبير عن مشاعر الاغتراب تجاه آبائهم، خوفًا من إحداث صدمة أو إزعاج لهم. كما أن هناك وصمة عار مرتبطة بطلب المساعدة النفسية، مما قد يمنع الأفراد من طلب العلاج.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ظاهرة “الأبناء الذين تركوا وراءهم” شائعة جدًا في العديد من الدول العربية، بسبب الهجرة للعمل. هؤلاء الأبناء غالبًا ما يعانون من مشاكل عاطفية واجتماعية كبيرة، بسبب انفصالهم عن أحد أو كلا الوالدين. قد يكونون أكثر عرضة للشعور بالاغتراب، وقد يكونون أكثر عرضة لتبني تصورات آبائهم السلبية عن العلاقات.

لذلك، من المهم أن يتم تكييف التدخلات النفسية لتناسب السياق الثقافي العربي. يجب أن تكون هذه التدخلات حساسة للقيم والمعتقدات الثقافية، وأن تأخذ في الاعتبار التحديات الفريدة التي يواجهها الأفراد والأسر في المنطقة. قد يكون


Reference

Sun X. (2026). Parent-to-child intergenerational influence of perceived alienation towards parents: mediation of children’s life-events, and moderation of children’s gender and left-behind status. BMC Psychology, 14(1).

DOI: 10.1186/s40359-026-04284-0

المناقشة والتفكير النقدي

  • ما هي الآليات النفسية التي تفسر انتقال الاغتراب بين الأجيال، وكيف يمكن أن تختلف هذه الآليات بين الأطفال من نفس الجنس والأطفال من جنس مختلف؟
  • كيف يمكن للتدخلات النفسية في المدارس والأسر أن تساهم في تعطيل انتقال الاغتراب بين الأجيال، مع الأخذ في الاعتبار حالة الأطفال المتروكين؟
  • ما هي العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد من خطر الشعور بالاغتراب لدى الأهل والأطفال، وكيف يمكن معالجة هذه العوامل؟

تفاصيل الدراسة

متوسط Article
BMC Psychology
مارس 6, 2026
Xiaoxiao Sun Xingcong Zhao Chun Hua Cui Jieying Tan Xuemei Qin ...
CN
Xiaoxiao Sun et al. (2026). Parent-to-child intergenerational influence of perceived alienation towards parents: mediation of children’s life-events, and moderation of children’s gender and left-behind status

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab-%d8%a7%d9%84/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.." عرب سايكلوجي, 18 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab-%d8%a7%d9%84/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab-%d8%a7%d9%84/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab-%d8%a7%d9%84/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. تأثير الأهل على الأبناء: دور الأحداث الحياتية والجنس والحالة الاجتماعية في الشعور بالاغتراب.. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF