هل يعيق صعوبة التعبير عن المشاعر قدرة الممرضات المتدربات على التواصل الفعال؟ دراسة صينية تلقي الضوء على دور الثقة بالنفس
كم مرة تساءلتَ، وأنتَ في عيادة الطبيب أو المستشفى، عن سبب صعوبة فهم احتياجاتك العاطفية من قبل الطاقم الطبي؟ أو ربما شعرتَ بأنهم يتجاهلون مشاعرك، ويركزون فقط على الأعراض الجسدية؟ هذا الشعور ليس وليد الصدفة، بل قد يكون مرتبطًا بعوامل نفسية تؤثر على قدرة مقدمي الرعاية الصحية على التواصل بفعالية. تُظهر دراسة حديثة أجريت في الصين أن هناك علاقة معقدة بين صعوبة التعرف على المشاعر والتعبير عنها – وهي حالة نفسية تُعرف بـ “الكسيثيميا” – وقدرة الممرضات المتدربات على التواصل مع المرضى، وأن الثقة بالنفس تلعب دورًا حاسمًا في هذه العلاقة.
الإطار النظري
تستند هذه الدراسة إلى فهم عميق لعدة نظريات نفسية رئيسية. أولاً، مفهوم الكسيثيميا، الذي صاغه ناتانيل ستيل في السبعينيات، يشير إلى صعوبة في تحديد المشاعر، ووصفها، وفهمها. تخيل أن مشاعرك كألوان باهتة، لا تستطيع تمييزها بوضوح، أو التعبير عنها بدقة. هذا النقص في الوعي العاطفي يمكن أن يؤثر سلبًا على العلاقات الشخصية والمهنية. ثانيًا، تلعب نظرية الفعالية الذاتية، التي طورها ألبرت باندورا، دورًا محوريًا. الفعالية الذاتية هي اعتقاد الشخص بقدرته على النجاح في مهمة معينة. إنها ليست مجرد الثقة بالنفس بشكل عام، بل هي ثقة محددة في القدرة على التعامل مع تحديات معينة. في سياق هذه الدراسة، تشير الفعالية الذاتية إلى ثقة الممرضة المتدربة بقدرتها على التواصل بفعالية مع المرضى. أخيرًا، ترتبط هذه الدراسة بنظريات التواصل السريري، التي تؤكد على أهمية التعاطف، والاستماع النشط، والقدرة على فهم وجهة نظر المريض. هذه المهارات ليست فطرية، بل تتطلب تدريبًا وممارسة، وتتأثر بالعوامل النفسية مثل الكسيثيميا والفعالية الذاتية.
المنهجية
قام الباحث يو جيه (Yu J.) وفريقه بإجراء دراسة مقطعية شملت 216 ممرضة متدربة في الصين، مع استجابة صالحة من 208 ممرضات (معدل استجابة 96.3%). اعتمدت الدراسة على استخدام ثلاثة مقاييس موحدة لتقييم المتغيرات الرئيسية: مقياس تورونتو للكسيثيميا (Toronto Alexithymia Scale) لقياس مستوى الكسيثيميا، ومقياس الفعالية الذاتية العامة (General Self-Efficacy Scale) لتقييم الثقة بالنفس، ومقياس تقييم الكفاءة في التواصل السريري (Clinical Communication Competence Assessment Scale) لتقييم مهارات التواصل. تخيل أن هذه المقاييس كأدوات قياس دقيقة، تسمح للباحثين بتحديد مستوى كل متغير لدى المشاركات في الدراسة. تم استخدام تحليل الارتباط الإحصائي (Spearman analysis) لتحديد العلاقات بين المتغيرات، وتم استخدام النمذجة المعادلة الهيكلية (Structural Equation Modeling) لفحص الدور الوسيط للفعالية الذاتية في العلاقة بين الكسيثيميا والكفاءة في التواصل. النمذجة المعادلة الهيكلية هي تقنية إحصائية متقدمة تسمح للباحثين باختبار العلاقات المعقدة بين المتغيرات، وتحديد ما إذا كانت بعض المتغيرات تتوسط في العلاقة بين متغيرات أخرى.
النتائج
أظهرت النتائج أن مستوى الكسيثيميا لدى الممرضات المتدربات كان مرتفعًا نسبيًا (55.48 ± 10.31)، في حين كان مستوى الفعالية الذاتية متوسطًا (28.21 ± 4.64)، ومستوى الكفاءة في التواصل جيدًا (84.67 ± 10.66). كشف تحليل الارتباط عن وجود علاقة سلبية ذات دلالة إحصائية بين الكسيثيميا وكل من الفعالية الذاتية والكفاءة في التواصل (P < 0.05). وهذا يعني أن الممرضات اللاتي يعانين من صعوبة في التعرف على مشاعرهن والتعبير عنها، يميلن إلى أن يكن أقل ثقة بأنفسهن في قدرتهن على التواصل بفعالية، وأقل كفاءة في التواصل الفعلي مع المرضى. كما أظهرت النتائج أن الفعالية الذاتية كانت مرتبطة بشكل إيجابي وقوي بجميع جوانب التواصل: بناء العلاقة، والاستماع النشط، وتحديد المشكلات، والتحقق العاطفي (P < 0.01). وهذا يؤكد على أهمية الثقة بالنفس في تطوير مهارات التواصل. الأهم من ذلك، كشفت النمذجة المعادلة الهيكلية أن الفعالية الذاتية تلعب دورًا وسيطًا جزئيًا بين التفكير الموجه خارجيًا (وهو أحد المكونات الرئيسية للكسيثيميا) والكفاءة في التواصل، مع تأثيرات وساطة تتراوح بين -0.061 و -0.099 (P < 0.01). وهذا يعني أن الكسيثيميا تؤثر سلبًا على الكفاءة في التواصل من خلال تقليل الفعالية الذاتية.
التأثيرات
تحمل هذه الدراسة آثارًا عميقة على كل من الممارسين والباحثين في مجال التمريض وعلم النفس. بالنسبة للممارسين، تشير النتائج إلى أهمية تضمين استراتيجيات تعليمية مزدوجة التركيز في مناهج التمريض، تستهدف تقليل الكسيثيميا وتعزيز الفعالية الذاتية. يمكن أن تشمل هذه الاستراتيجيات تمارين لزيادة الوعي العاطفي، وتقنيات لتعلم كيفية التعبير عن المشاعر بشكل فعال، وبرامج لتعزيز الثقة بالنفس. بالنسبة للمرضى، فإن فهم هذه العلاقة يمكن أن يساعدهم على تقدير التحديات التي قد يواجهها مقدمو الرعاية الصحية في التواصل معهم، وتعزيز التعاطف والتفاهم المتبادل. بالنسبة للباحثين، تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة للبحث في مجال الكسيثيميا والتواصل السريري، وتدعو إلى إجراء المزيد من الدراسات لتحديد العوامل التي تساهم في تطور الكسيثيميا لدى الممرضات، وتقييم فعالية التدخلات المختلفة.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، تظهر بعض الفروق الدقيقة الهامة. في العديد من الثقافات العربية، هناك ميل إلى كبت المشاعر، وتجنب التعبير عنها علنًا، خاصة بالنسبة للرجال. هذا الكبت العاطفي يمكن أن يزيد من خطر تطور الكسيثيميا. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هناك وصمة عار مرتبطة بطلب المساعدة النفسية، مما يجعل من الصعب على الممرضات المتدربات طلب الدعم إذا كن يعانين من صعوبة في التعرف على مشاعرهن والتعبير عنها. من ناحية أخرى، قد يكون هناك تركيز أكبر على العلاقات الشخصية والتعاطف في الثقافة العربية، مما قد يعزز أهمية مهارات التواصل في الرعاية الصحية. لذلك، من المهم تصميم التدخلات التعليمية لتناسب السياق الثقافي العربي، مع مراعاة القيم والمعتقدات المحلية. على سبيل المثال، يمكن استخدام القصص والحكايات الشعبية لتعليم مهارات التواصل، أو يمكن تنظيم مجموعات دعم بقيادة أقران من نفس الخلفية الثقافية.
آفاق مستقبلية وقيود
على الرغم من أهمية هذه الدراسة، إلا أنها لا تخلو من بعض القيود. أولاً، اعتمدت الدراسة على تصميم مقطعي، مما يعني أنه لا يمكن تحديد علاقة سببية بين المتغيرات. قد يكون من الممكن أن الكسيثيميا تؤثر على الكفاءة في التواصل، أو العكس، أو أن هناك عوامل أخرى تؤثر على كليهما. ثانيًا، أجريت الدراسة على عينة من الممرضات المتدربات في الصين فقط، مما يحد من إمكانية تعميم النتائج على ثقافات أخرى. لذلك، هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات في بلدان مختلفة، باستخدام تصميمات طولية، لتقييم العلاقة بين الكسيثيميا والفعالية الذاتية والكفاءة في
Reference
Yu J. (2026). Alexithymia and clinical communication competence in nursing interns in China with the mediating role of self-efficacy. Scientific Reports, 16(1).
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%87%d8%a7/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس." عرب سايكلوجي, 16 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%87%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%87%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%87%d8%a7/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تأثير صعوبة التعبير عن المشاعر على مهارات التواصل لدى ممرضين متدربين في الصين: دور الثقة بالنفس. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
