لماذا لا يلجأ المصابون إلى الرعاية الصحية الرسمية؟ دراسة معمقة في أربع دول نامية
“يا دكتور، الجرح بسيط، يمكن علاجه بالبيت. العلاج في المستشفى مكلف، ومن أين لي بالمال؟” هذه العبارة، أو ما شابهها، تردد في أذهان الكثيرين في المجتمعات النامية، وهي تعكس واقعًا مؤلمًا: إصابات خطيرة لا تلقى العناية الطبية اللازمة. ففي حين أن الإصابات تعتبر سببًا رئيسيًا للمراضة والوفاة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، يختار الكثيرون عدم اللجوء إلى النظام الصحي الرسمي. لماذا؟ وما هي العوامل التي تدفعهم إلى هذا القرار؟ هذا ما تسعى دراسة حديثة أجراها إجناتوفيتش وزملاؤها إلى الإجابة عليه، من خلال استكشاف تجارب المصابين في غانا وباكستان ورواندا وجنوب أفريقيا.
الإطار النظري
النماذج البيولوجية الاجتماعية والاعتقاد بالرعاية المتعددة
تستند هذه الدراسة إلى فهم متكامل للعوامل المؤثرة في سلوك الأفراد فيما يتعلق بالصحة، وهو ما يعرف بالنماذج البيولوجية الاجتماعية (Biosocial Models). هذه النماذج لا تنظر إلى الصحة والمرض كعمليات بيولوجية بحتة، بل تأخذ في الاعتبار التفاعلات المعقدة بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. بمعنى آخر، قرار الشخص باللجوء إلى العلاج أو عدمه ليس مجرد مسألة طبية، بل هو نتيجة لتشابك الظروف الحياتية والمعتقدات الثقافية والقدرات المالية.
بالإضافة إلى ذلك، تعتمد الدراسة على مفهوم “الرعاية المتعددة” (Pluralistic Understanding of Care)، والذي يقر بوجود أنظمة رعاية صحية متعددة ومتوازية في العديد من المجتمعات، بما في ذلك الطب الحديث والطب التقليدي والشعبية. فبدلاً من النظر إلى هذه الأنظمة على أنها متنافسة، ترى الدراسة أنها غالبًا ما تكون مكملة لبعضها البعض، وأن الأفراد قد يلجأون إلى أكثر من نظام رعاية واحد بناءً على احتياجاتهم وظروفهم. تخيل الأمر كأنك تمتلك صندوق أدوات مليء بأدوات مختلفة، تستخدم كل أداة للمهمة التي تناسبها.
المنهجية
جمع البيانات وتحليلها
اعتمدت الدراسة على منهجية البحث النوعي، والتي تهدف إلى فهم الظواهر الاجتماعية من خلال استكشاف وجهات نظر وخبرات الأفراد. قام الباحثون بإجراء مقابلات متعمقة مع 97 مشاركًا من المناطق الريفية والحضرية في الدول الأربع المذكورة. تم اختيار المشاركين بشكل مقصود (Purposive Sampling) لضمان تمثيل متنوع من حيث العمر والجنس والخلفية الاجتماعية والاقتصادية ونوع الإصابة.
لم تكن المقابلات مجرد استجواب، بل كانت حوارات مفتوحة سمحت للمشاركين بالتعبير عن تجاربهم بحرية. سأل الباحثون عن الأسباب التي دفعتهم إلى عدم طلب الرعاية في المستشفى، والعقبات التي واجهتهم، وكيف اتخذوا قراراتهم بشأن العلاج. تم تسجيل المقابلات وتحويلها إلى نصوص مكتوبة، ثم تم تحليلها باستخدام أسلوب التحليل الموضوعي (Thematic Analysis)، وهو أسلوب يهدف إلى تحديد الأنماط والموضوعات المتكررة في البيانات.
النتائج
العوامل المؤثرة في قرار عدم طلب الرعاية
أظهرت الدراسة أن قرار عدم طلب الرعاية الصحية الرسمية لم يكن نتيجة لعامل واحد، بل كان نتيجة لتفاعل معقد بين عدة عوامل. أولاً، كانت التكاليف المباشرة للعلاج (مثل رسوم الأطباء والأدوية والفحوصات) عائقًا كبيرًا أمام الكثيرين، خاصة أولئك الذين يعيشون في فقر. ثانيًا، شكلت صعوبة الوصول إلى المرافق الصحية (بسبب بعد المسافة أو عدم توفر وسائل النقل) تحديًا كبيرًا، خاصة في المناطق الريفية. ثالثًا، أثرت التجارب السلبية السابقة مع مقدمي الرعاية الصحية (مثل سوء المعاملة أو عدم الاحترام أو طول فترات الانتظار) على ثقة الأفراد في النظام الصحي.
لكن هذه العوامل المادية واللوجستية لم تكن الوحيدة المؤثرة. فقد لعبت العوامل الاجتماعية والثقافية دورًا مهمًا أيضًا. على سبيل المثال، كان الاعتقاد بأن بعض الإصابات يمكن علاجها بالأعشاب أو العلاجات التقليدية شائعًا بين المشاركين. كما أن تأثير العائلة والأصدقاء والجيران كان كبيرًا، حيث غالبًا ما يلجأ الأفراد إلى استشارة الآخرين قبل اتخاذ قرار بشأن العلاج. بالإضافة إلى ذلك، كانت الثقة في المعالجين التقليديين عالية في بعض المجتمعات، حيث يعتبرون أكثر فهمًا لثقافة المرضى واحتياجاتهم.
من المهم التأكيد على أن قرار طلب الرعاية الصحية لم يكن ثابتًا، بل كان ديناميكيًا ومتغيرًا. فقد يلجأ الأفراد إلى العلاج في المستشفى إذا كانت الإصابة خطيرة جدًا أو إذا لم تتحسن حالتهم بعد تجربة العلاجات التقليدية. كما أن قدرتهم المالية قد تؤثر على قرارهم، حيث قد يكونون مستعدين لدفع تكاليف العلاج إذا كان لديهم المال أو إذا كان بإمكانهم الحصول على مساعدة مالية من الآخرين.
الآثار
تأثيرات على الممارسين والمرضى والجمهور
تلقي هذه الدراسة الضوء على أهمية فهم السياق الأوسع الذي يتخذ فيه الأفراد قراراتهم بشأن الرعاية الصحية. بالنسبة للممارسين الصحيين، فإنها تؤكد على ضرورة تقديم رعاية صحية حساسة ثقافيًا ومتاحة ماليًا. يجب أن يكونوا على دراية بالعقبات التي تواجه المرضى، وأن يعملوا على إيجاد حلول عملية للتغلب عليها. على سبيل المثال، يمكنهم تقديم خدمات الرعاية الصحية المجانية أو منخفضة التكلفة، وتوفير وسائل النقل للمرضى، وتقليل فترات الانتظار.
بالنسبة للمرضى، فإن الدراسة تشجعهم على التعبير عن احتياجاتهم ومخاوفهم، وعلى طلب المساعدة من مقدمي الرعاية الصحية إذا كانوا يعانون من إصابة. كما أنها تحثهم على عدم التردد في استشارة المعالجين التقليديين إذا كانوا يثقون بهم، ولكن مع الحرص على عدم إهمال الرعاية الصحية الرسمية إذا كانت الإصابة خطيرة.
بالنسبة للجمهور، فإن الدراسة تزيد الوعي بأهمية توفير رعاية صحية عادلة ومنصفة للجميع، بغض النظر عن خلفيتهم الاجتماعية والاقتصادية. كما أنها تدعو إلى الاستثمار في تطوير البنية التحتية الصحية، وتدريب المزيد من العاملين الصحيين، وتوفير التمويل الكافي للرعاية الصحية.
السياق الثقافي العربي
تتردد أصداء نتائج هذه الدراسة بقوة في السياق العربي، حيث تتشابه العديد من العوامل المؤثرة في قرار عدم طلب الرعاية الصحية. فالتكاليف المرتفعة للعلاج، وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية في المناطق الريفية، والتجارب السلبية مع مقدمي الرعاية الصحية، كلها تحديات تواجه الكثيرين في العالم العربي.
إضافة إلى ذلك، تلعب العوامل الثقافية دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك الأفراد. فالاعتماد على الطب الشعبي والعلاجات التقليدية لا يزال شائعًا في العديد من المجتمعات العربية، حيث يعتبر البعض أن هذه العلاجات أكثر فعالية وأمانًا من الطب الحديث. كما أن تأثير العائلة والمجتمع كبير، حيث غالبًا ما يلجأ الأفراد إلى استشارة أفراد عائلاتهم وأصدقائهم قبل اتخاذ قرار بشأن العلاج.
في بعض البلدان العربية، قد يكون هناك أيضًا وصمة عار مرتبطة بطلب المساعدة من النظام الصحي الرسمي، خاصة فيما يتعلق بالإصابات النفسية أو الأمراض الجنسية. كما أن نقص الثقة في النظام الصحي، بسبب الفساد أو سوء الإدارة، قد يدفع البعض إلى تجنب طلب الرعاية.
آفاق مستقبلية وقيود
تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من الأسئلة البحثية المستقبلية. على سبيل المثال، يمكن إجراء المزيد من الدراسات لاستكشاف العوامل التي تؤثر على ثقة الأفراد في النظام الصحي، ولتقييم فعالية التدخلات التي تهدف إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية. كما يمكن إجراء دراسات مقارنة بين البلدان المختلفة لتحديد أفضل الممارسات في مجال رعاية الإصابات. </p
Reference
Ignatowicz A. (2026). Reasons for not seeking formal healthcare after injuries: A qualitative study with injured individuals in four low- and middle-income countries. Global Public Health, 21(1), 2650929-2650929.
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d8%af%d9%85-%d8%b7%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d8%a7/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية." عرب سايكلوجي, 13 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d8%af%d9%85-%d8%b7%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d8%af%d9%85-%d8%b7%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d8%af%d9%85-%d8%b7%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d8%a7/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تحديات عدم طلب الرعاية الصحية للإصابات: دراسة في أربع دول نامية. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
