هل يمكن لإشراك الشباب في تصميم حلول الصحة النفسية أن يُحدث فرقاً حقيقياً؟
“عندما تتحدث عن الصحة النفسية، غالبًا ما يتم التحدث *عنا*، وليس *معنا*. نحن من يعيش التجربة، ونحن من يجب أن يكون له صوت في إيجاد الحلول.” هذه الكلمات، التي عبر عنها أحد المشاركين الشباب في برنامج “كايلو” (Kailo)، تلخص جوهر البحث الذي يركز على أهمية إشراك الشباب والمجتمع المحلي في تصميم مبادرات الصحة النفسية. فبدلاً من فرض حلول من الأعلى إلى الأسفل، يسعى هذا النهج إلى فهم التحديات من وجهة نظر الشباب أنفسهم، واستخدام هذه المعرفة لتطوير استراتيجيات أكثر فعالية وملاءمة.
الإطار النظري
يعتمد هذا البحث على مجموعة من النظريات النفسية والاجتماعية التي تؤكد على أهمية المشاركة المجتمعية في تعزيز الصحة النفسية. من بين هذه النظريات، تبرز نظرية التمكين (Empowerment Theory)، التي ترى أن الأفراد والمجتمعات يمكنهم التحكم في حياتهم وتحسينها من خلال المشاركة الفعالة في صنع القرارات التي تؤثر عليهم. كما أن مبادئ العلاج السلوكي المعرفي (CBT) تدعم هذا النهج، حيث تؤكد على أهمية تحديد المشكلات وتطوير حلول عملية بالتعاون مع الشخص المعني. بالإضافة إلى ذلك، يمكن ربط هذا البحث بنظريات العدالة الاجتماعية، التي تسلط الضوء على تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على الصحة النفسية، وأهمية معالجة هذه العوامل من خلال تدخلات مجتمعية شاملة. إن فكرة أن المعرفة ليست حكراً على الخبراء، وأن التجارب الحياتية للأفراد تحمل قيمة كبيرة، هي أساس هذا النهج. يشبه الأمر بناء منزل: لا يمكن للمهندس المعماري أن يصمم منزلاً يلبي احتياجات العائلة بشكل كامل دون أن يستمع إلى أفراد العائلة ويأخذ آرائهم في الاعتبار.
المنهجية
أجرى الباحث إميليانا دي ليما سانتانا (Santana de Lima E.) دراستها ضمن إطار برنامج “كايلو”، وهي مبادرة بحثية وتصميمية تهدف إلى معالجة المحددات الاجتماعية للصحة النفسية لدى الأطفال والشباب في مجتمعاتهم المحلية. تم تطبيق منهجية “التصميم المشترك” (Co-design) على مدى تسعة أشهر تقريبًا في موقعين تجريبيين. التصميم المشترك، ببساطة، هو عملية تعاونية تجمع بين الباحثين والخبراء وأصحاب المصلحة – في هذه الحالة، الشباب وأفراد المجتمع المحلي – لتطوير حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة.
شملت الدراسة أكثر من 69 ورشة عمل، بالإضافة إلى العديد من اللقاءات العرضية مع الشباب وأفراد المجتمع. لم تكن هذه الورش مجرد اجتماعات تقليدية؛ بل كانت مساحات آمنة ومرحبة حيث يمكن للشباب التعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم بحرية. تم جمع البيانات من خلال مجموعة متنوعة من الأساليب، بما في ذلك الجلسات الجماعية، والملاحظات الفردية، والاستبيانات. شارك في الدراسة أكثر من 300 شاب وعضو من المجتمع المحلي، بالإضافة إلى متخصصين وممارسين في مجال الصحة النفسية.
ركزت الدراسة على استكشاف التحديات الهيكلية التي تواجه الصحة النفسية لدى الشباب، وتطوير استراتيجيات لمعالجتها في السياق المحلي. تم دمج المعرفة والخبرة المجتمعية مع خرائط الأنظمة والأدلة الأكاديمية لإنشاء فهم شامل للمشكلة. أحد الجوانب الهامة في المنهجية هو التركيز على المرونة والقدرة على التكيف، مع إعطاء الأولوية لاحتياجات وأصوات الشباب. لقد كان الأمر أشبه بتجميع قطع الأحجية: كل شخص يساهم بقطعة فريدة من المعرفة والخبرة، وفي النهاية تتشكل صورة كاملة للمشكلة والحلول المحتملة.
النتائج
أظهرت الدراسة أن منهجية التصميم المشترك يمكن أن تكون فعالة للغاية في تحديد التحديات التي تواجه الصحة النفسية لدى الشباب، وتطوير استراتيجيات لمعالجتها. ومع ذلك، فقد تم تحديد بعض الحواجز التي تعيق التنفيذ الناجح لهذه المنهجية، مثل القيود اللوجستية، ومحدودية إمكانية الوصول إلى المشاركة، والمخاوف المتعلقة بسلامة المشاركين ورفاههم.
في المقابل، تم تحديد العديد من العوامل التي تعزز التنفيذ الناجح، مثل المشاركة المرنة والميسرة، والتيسير الشامل والتكيفي، والمشاركة والتأثير. أكدت الدراسة على أهمية إعطاء الشباب صوتاً حقيقياً في عملية صنع القرار، وتمكينهم من قيادة التغيير في مجتمعاتهم. كما سلطت الضوء على أهمية بناء علاقات قوية بين الباحثين والمجتمع المحلي، والثقة المتبادلة.
أشارت النتائج أيضًا إلى أن تحقيق التوازن بين المرونة والقدرة على التكيف، والتركيز على احتياجات وأصوات الشباب، مع الحفاظ على التركيز على القضايا الهيكلية الأوسع، يمثل تحديًا كبيرًا. إن الأمر يشبه السير على حبل مشدود: يجب أن تكون مرنًا بما يكفي للتكيف مع الظروف المتغيرة، ولكن أيضًا قويًا بما يكفي للحفاظ على التوازن والتقدم نحو الهدف.
الآثار
تترتب على هذه النتائج آثار عميقة على الممارسين في مجال الصحة النفسية، والمرضى، والجمهور بشكل عام. بالنسبة للممارسين، تؤكد الدراسة على أهمية تبني نهج يركز على المريض، وإشراك المرضى في عملية العلاج. يجب أن يكون المعالجون مستعدين للاستماع إلى تجارب مرضاهم، واحترام آرائهم، والعمل معهم كشركاء في رحلة التعافي.
بالنسبة للمرضى، تقدم الدراسة الأمل في أن أصواتهم ستُسمع، وأن احتياجاتهم ستُلبى. إن معرفة أنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك آخرين يشاركونهم نفس التحديات، يمكن أن يكون له تأثير كبير على شعورهم بالتمكين والأمل.
بالنسبة للجمهور بشكل عام، تثير الدراسة الوعي بأهمية الصحة النفسية، والحاجة إلى معالجة المحددات الاجتماعية التي تؤثر عليها. يجب على المجتمع أن يعمل معًا لخلق بيئة داعمة وشاملة، حيث يمكن للجميع الحصول على الرعاية التي يحتاجونها.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في السياق العربي، تظهر بعض الفروق الدقيقة والتحديات الخاصة. في العديد من المجتمعات العربية، لا تزال الصحة النفسية موضوعًا محظورًا، وغالبًا ما يُنظر إلى طلب المساعدة على أنه علامة ضعف أو عار. قد يكون من الصعب على الشباب التعبير عن مشاعرهم بحرية، أو المشاركة في مناقشات حول الصحة النفسية، بسبب القيود الثقافية والاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك اختلافات في طرق التواصل والتعبير عن المشاعر بين الثقافات المختلفة. قد يفضل الشباب العرب التواصل بشكل غير مباشر، أو الاعتماد على لغة الجسد والإشارات غير اللفظية. يجب أن يكون الممارسون على دراية بهذه الاختلافات، وأن يكونوا حساسين للاحتياجات الثقافية لمرضاهم.
ومع ذلك، هناك أيضًا جوانب إيجابية في السياق العربي. غالبًا ما تكون العلاقات الأسرية قوية جدًا، ويمكن أن توفر شبكة دعم قوية للأفراد الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية. كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالصحة النفسية في العالم العربي، وظهور مبادرات وبرامج جديدة تهدف إلى زيادة الوعي وتقديم الدعم. إن الاستفادة من هذه الموارد الثقافية والاجتماعية يمكن أن يعزز فعالية تدخلات الصحة النفسية.
التوجهات المستقبلية والقيود
تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من التوجهات المستقبلية في مجال الصحة النفسية. من بين هذه التوجهات، تطوير أدوات وتقنيات جديدة لجمع البيانات من الشباب، وتحسين طرق التواصل والتفاعل معهم. كما أن هناك حاجة إلى إجراء المزيد من البحوث حول فعالية منهجية التصميم المشترك في سياقات ثقافية مختلفة.
ومع ذلك، من المهم الاعتراف ببعض القيود في هذه الدراسة. تم إجراء الدراسة في موقعين تجريبيين فقط، مما قد يحد من إمكانية تعميم
Reference
Santana de Lima E. (2026). An adaptive, youth-centred co-design methodology: place-based co-design centring youth and community participation. Research Involvement and Engagement, 12(1).
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%aa/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية." عرب سايكلوجي, 10 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%aa/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%aa/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%8a%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%a8%d8%aa/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تصميم مشترك يركز على الشباب: منهجية مبتكرة لتعزيز الصحة النفسية المجتمعية. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
