- تُظهر النتائج أن الدعم الأبوي والتكامل مع الأقران وطلب الدعم الاجتماعي يتنبأ بشكل أساسي بالاستجابة الذاتية المتعاطفة.
- ترتبط الاستجابة الذاتية غير المتعاطفة بالاكتئاب والقلق وشدة المرض، بالإضافة إلى ضعف الدعم الأبوي والرعائي.
- تفسر النماذج الهرمية المتتالية 27.8٪ من التباين في الاستجابة الذاتية المتعاطفة و 42.9٪ في الاستجابة الذاتية غير المتعاطفة.
- تشير النتائج إلى مسارين متميزين يجب مراعاتهما في الممارسة المستقبلية: تحديد مبكر وتدخلات مستهدفة للاستجابة الذاتية غير المتعاطفة، وتعزيز السياقات الشخصية الداعمة للاستجابة الذاتية المتعاطفة.
هل يمكن للرحمة بالذات أن تكون درعًا للشباب الذين يعانون من أمراض مزمنة؟
كم مرة تساءلنا عن سبب قسوة بعضنا على أنفسنا، خاصةً عندما نمر بتحديات صحية؟ هذا السؤال ليس مجرد تساؤل فلسفي، بل هو محور بحث علمي يكتسب أهمية متزايدة. بالنسبة للمراهقين الذين يعيشون مع أمراض مزمنة، فإن هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا. إنهم يواجهون ضغوطًا مزدوجة: ضغوط النمو الطبيعية، بالإضافة إلى التحديات الجسدية والعاطفية التي تفرضها حالتهم الصحية. هل يمكن أن تكون الرحمة بالذات، تلك القدرة على التعامل مع أنفسنا بلطف وتفهم في أوقات المعاناة، هي المفتاح لمساعدتهم على التغلب على هذه الصعوبات؟ هذا ما يحاول الباحثون الإجابة عليه، ومن خلال دراسة حديثة أجرتها الباحثة أوسلو (Uslu B.)، نجد أن الإجابة قد تكون أكثر تعقيدًا مما نتصور.
الأسس النظرية
لفهم أهمية هذه الدراسة، يجب أن نلقي نظرة على الأسس النفسية التي تقوم عليها. مفهوم الرحمة بالذات، الذي قدمه العالمة كريستين نيف (Kristin Neff)، يستند إلى ثلاثة عناصر رئيسية: اللطف بالذات (treating oneself with kindness)، وإدراك الإنسانية المشتركة (recognizing common humanity)، واليقظة الذهنية (mindfulness). تخيل أنك تسقط أرضًا. هل ستوبخ نفسك بشدة وتتذكر كل أخطائك السابقة؟ أم ستتعامل مع نفسك بلطف، وتدرك أن الجميع يقعون، وأن هذا جزء طبيعي من الحياة؟ الرحمة بالذات هي اختيار الخيار الثاني.
هذا المفهوم يتجذر في نظريات نفسية متعددة. فهو مرتبط بنظرية التعلق (Attachment Theory)، التي تؤكد على أهمية العلاقات الآمنة في بناء احترام الذات والقدرة على تنظيم المشاعر. كما أنه يتصل بنظرية العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT)، التي تركز على تغيير الأنماط السلبية للتفكير والسلوك. الرحمة بالذات، في هذا السياق، يمكن أن تساعد المراهقين على تحدي الأفكار السلبية حول أنفسهم وحالاتهم الصحية، واستبدالها بأفكار أكثر واقعية وإيجابية. كما أن لها جذورًا في علم النفس الإيجابي، الذي يركز على تعزيز نقاط القوة والقدرات لدى الأفراد، بدلاً من التركيز فقط على معالجة المشكلات.
منهجية البحث
لتحقيق فهم أعمق للعوامل التي تؤثر على الرحمة بالذات لدى المراهقين الذين يعانون من أمراض مزمنة، قامت الباحثة أوسلو بدراسة شملت 498 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 12 و 21 عامًا، مصابين بداء السكري من النوع الأول، والتليف الكيسي، والتهاب المفاصل الروماتويدي اليفعي. هؤلاء المراهقون أكملوا مجموعة من الاستبيانات التي تقيس مستويات الرحمة بالذات لديهم، بالإضافة إلى مقاييس أخرى لتقييم أعراض الاكتئاب والقلق، وشدة المرض ومدته، والدعم الذي يتلقونه من والديهم وأقرانهم، وميلهم لطلب المساعدة الاجتماعية.
استخدمت الباحثة أسلوب التحليل الإحصائي المسمى “الانحدار المتعدد الهرمي” (Hierarchical Multiple Regression). تخيل أنك تحاول بناء برج. في البداية، تضع الأساس (المتغيرات الديموغرافية مثل العمر والجنس). ثم تضيف طبقات أخرى (المتغيرات المتعلقة بالصحة)، وأخيرًا تضيف الزخارف (الموارد الاجتماعية). هذا الأسلوب يسمح للباحثين بتحديد أي من هذه العوامل هي الأكثر أهمية في التنبؤ بالرحمة بالذات. تم إدخال المتغيرات في ثلاث مراحل: أولاً، المتغيرات الديموغرافية، ثم العوامل المتعلقة بالصحة، وأخيرًا الموارد الاجتماعية.
النتائج
أظهرت النتائج أن الرحمة بالذات لدى هؤلاء المراهقين ترتبط بشكل كبير بالدعم الاجتماعي الذي يتلقونه. الدعم من الوالدين، والتكامل مع الأقران، والميل لطلب المساعدة الاجتماعية، كانت كلها عوامل مهمة في تعزيز الرحمة بالذات. بعبارة أخرى، عندما يشعر المراهقون بأنهم محبوبون ومدعومون من قبل الآخرين، فإنهم يكونون أكثر قدرة على التعامل مع أنفسهم بلطف وتفهم.
في المقابل، ارتبطت قسوة الذات (Uncompassionate Self-Responding) بمستويات أعلى من الاكتئاب والقلق، وشدة المرض. هذا يعني أن المراهقين الذين يعانون من أعراض الاكتئاب والقلق، والذين يعانون من مرض شديد، كانوا أكثر عرضة للانتقاد الذاتي والقسوة على أنفسهم. كما أن نقص الدعم من الوالدين والأقران ساهم أيضًا في زيادة قسوة الذات. النتائج الإحصائية أشارت إلى أن العوامل الاجتماعية تفسر حوالي 27.8% من التباين في الرحمة بالذات، بينما تفسر العوامل النفسية والصحية 42.9% من التباين في قسوة الذات.
أهمية البحث
هذه النتائج لها آثار عميقة على كيفية تعاملنا مع المراهقين الذين يعانون من أمراض مزمنة. بالنسبة للمعالجين النفسيين، تشير الدراسة إلى أهمية التركيز على بناء الموارد الاجتماعية لدى هؤلاء المراهقين. تشجيعهم على طلب الدعم من والديهم وأقرانهم، ومساعدتهم على تطوير علاقات صحية وداعمة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستويات الرحمة بالذات لديهم. كما أن التدخلات التي تهدف إلى تقليل أعراض الاكتئاب والقلق، وتحسين إدارة المرض، يمكن أن تساعد أيضًا في تقليل قسوة الذات.
بالنسبة للمراهقين أنفسهم، يمكن أن تكون هذه النتائج بمثابة رسالة أمل. إنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم، وهناك أشياء يمكنهم القيام بها لتحسين علاقتهم بأنفسهم. تعلم ممارسة الرحمة بالذات، وطلب المساعدة من الآخرين، يمكن أن يساعدهم على التغلب على التحديات التي يواجهونها، والعيش حياة أكثر سعادة وصحة.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في السياق العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. في العديد من المجتمعات العربية، هناك تركيز قوي على الصمود والتحمل، وقد يُنظر إلى التعبير عن الضعف أو طلب المساعدة على أنه علامة ضعف. هذا يمكن أن يجعل من الصعب على المراهقين المصابين بأمراض مزمنة طلب الدعم الذي يحتاجونه، وبالتالي قد يؤثر سلبًا على مستويات الرحمة بالذات لديهم.
بالإضافة إلى ذلك، قد تلعب الأدوار الأسرية التقليدية دورًا في هذا السياق. في بعض العائلات العربية، قد يكون الآباء أكثر تركيزًا على توفير الاحتياجات المادية لأطفالهم، وقد لا يكونون على دراية بأهمية الدعم العاطفي. كما أن الوصمة المرتبطة بالأمراض النفسية في بعض المجتمعات العربية قد تمنع المراهقين من طلب المساعدة المتخصصة. لذلك، من المهم أن تكون التدخلات الثقافية حساسة لهذه العوامل، وأن تركز على تعزيز الوعي بأهمية الصحة النفسية، وتشجيع الحوار المفتوح حول المشاعر والتحديات.
آفاق مستقبلية وقيود البحث
هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة في فهم العوامل التي تؤثر على الرحمة بالذات لدى المراهقين الذين يعانون من أمراض مزمنة، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من البحث في هذا المجال. من المهم إجراء دراسات طولية (Longitudinal Studies) لتتبع التغيرات في الرحمة بالذات بمرور الوقت، وتحديد العوامل التي تؤدي إلى تطورها أو تدهورها. كما أن إجراء دراسات ثقافية مقارنة يمكن أن يساعد في فهم كيف تختلف هذه العوامل عبر الثقافات المختلفة.
من القيود التي يجب أخذها في الاعتبار أن هذه الدراسة اعتمدت على بيانات الاستبيان، والتي قد تكون عرضة للتحيز. كما أن العينة كانت محدودة ببعض الأمراض المزمنة، وقد لا تكون النتائج
Reference
Uslu B. (2026). Sociodemographic and psychosocial correlates of self-compassion in adolescents with physical health conditions. <a href="https://arabpsychology.com/tag/child-and-adolescent-psychiatry/” class=”wpa-auto-link”>Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health, 20(1).
المناقشة والتفكير النقدي
- ما هي الآليات النفسية التي تفسر العلاقة بين الاكتئاب والقلق والاستجابة الذاتية غير المتعاطفة لدى المراهقين المصابين بأمراض مزمنة؟
- كيف يمكن أن يؤثر التدخلات التي تهدف إلى تعزيز الدعم الأبوي والتكامل مع الأقران على تطوير الاستجابة الذاتية المتعاطفة لدى المراهقين المصابين بأمراض مزمنة؟
- ما هي الاستراتيجيات العملية التي يمكن أن يستخدمها الأطباء والمعالجون لدعم المراهقين المصابين بأمراض مزمنة الذين يعانون من الاستجابة الذاتية غير المتعاطفة؟
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a3/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية." عرب سايكلوجي, 25 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a3/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a3/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%82%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%a3/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. تعاطف الذات لدى المراهقين المصابين بأمراض جسدية: دور العوامل الاجتماعية والنفسية. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
