تخيل أنكِ حامل، وتعانين من عدوى بسيطة كإنفلونزا. قد يبدو الأمر غير ضار، لكن دراسة جديدة تلقي الضوء على تأثير محتمل لهذه العدوى على صحة دماغ جنينك، وربما تزيد من خطر إصابته باضطرابات عصبية تنموية مثل الفصام في المستقبل. هذا ليس مجرد تخمين، بل هو ما كشفته أبحاث حديثة حول العلاقة بين الالتهابات المناعية للأم وتغيرات في الحمض النووي لطفلها.
ملخص الأهمية
- أظهرت الأبحاث أن الالتهابات المناعية للأم أثناء الحمل يمكن أن تؤثر على التعبير الجيني (الطريقة التي يتم بها “تشغيل” أو “إيقاف” الجينات) لدى الجنين.
- تحدث هذه التغييرات في الجينات من خلال عملية تسمى “مثيلة الحمض النووي” (DNA methylation)، وهي آلية تلعب دورًا حاسمًا في تطور الدماغ.
- وجدت الدراسة أن هذه التغييرات في المثيلة تحدث في مراحل مختلفة من النمو، وتتزامن مع ظهور صعوبات إدراكية (cognitive deficits) تشبه تلك الموجودة في الفصام.
- قد تفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير علاجات جديدة تستهدف هذه التغييرات الجينية، بهدف الوقاية من أو تخفيف أعراض الاضطرابات العصبية النمائية.
باحثون قاموا بدراسة معمقة لكيفية تأثير الالتهاب المناعي للأم على تطور الدماغ لدى الفئران. استخدموا نموذجًا حيوانيًا لمحاكاة ما يحدث عندما تصاب الأم بعدوى أثناء الحمل. ركزت الدراسة على منطقة القشرة الدماغية (cortex)، وهي الجزء المسؤول عن الوظائف الإدراكية العليا مثل التفكير والذاكرة.
منهجية البحث
قام فريق البحث، بقيادة ر.م. وودز، بتحليل التغيرات في مستويات بعض المواد الكيميائية المهمة في عملية المثيلة، مثل S-أدينوسيل ميثيونين (SAM) و S-أدينوسيل هوموسيستين (SAH). نسبة SAM إلى SAH تعتبر مؤشرًا على قدرة الخلية على إجراء المثيلة. بالإضافة إلى ذلك، قاموا بقياس مستويات ونشاط إنزيمات تسمى “ناقلات ميثيل الحمض النووي” (DNMTs)، وهي الإنزيمات المسؤولة عن إضافة مجموعات الميثيل إلى الحمض النووي. ولتقييم التغيرات الفعلية في الحمض النووي، قاموا بتحليل أنماط مثيلة الحمض النووي (DNAm) في القشرة الدماغية للفئران في مراحل مختلفة: قبل الولادة، وبعد الولادة مباشرة، وفي مرحلة البلوغ.
النتائج
أظهرت النتائج أن الالتهاب المناعي للأم أدى إلى زيادة نسبة SAM إلى SAH، وارتفاع مستويات ونشاط إنزيمات DNMTs في قشرة دماغ الأجنة. وهذا يشير إلى أن عملية المثيلة كانت أكثر نشاطًا في الأجنة التي تعرضت للالتهاب المناعي. المثير للدهشة، أن هذه التغييرات اختفت بعد الولادة، ولكنها عادت للظهور في مرحلة البلوغ، بالتزامن مع ظهور صعوبات إدراكية لدى الفئران.
عندما قام الباحثون بتحليل أنماط مثيلة الحمض النووي، وجدوا أن هناك تغييرات في الجينات المرتبطة بالفصام. هذه الجينات المتغيرة كانت مرتبطة بمسارات بيولوجية مهمة لتطور الدماغ والإشارات العصبية (neuronal signalling). بعبارة أخرى، الالتهاب المناعي للأم أدى إلى تغييرات في الطريقة التي يتم بها “تشغيل” أو “إيقاف” الجينات المهمة لتطور الدماغ، مما قد يساهم في ظهور أعراض تشبه أعراض الفصام.
دلالات البحث
هذه الدراسة تقدم رؤى جديدة حول العلاقة المعقدة بين الالتهابات المناعية للأم، والتغيرات اللاجينية (epigenetic changes)، وتطور الاضطرابات العصبية النمائية. توضح النتائج أن الالتهاب المناعي للأم لا يؤثر على الدماغ بشكل مباشر، بل يؤثر عليه من خلال تغييرات في الحمض النووي، مما يؤدي إلى تغييرات في التعبير الجيني.
الأهم من ذلك، أن هذه الدراسة تسلط الضوء على أهمية التوقيت. التغييرات في المثيلة لا تحدث دفعة واحدة، بل تحدث في مراحل مختلفة من النمو، مما يشير إلى أن هناك فترات حرجة (critical periods) يكون فيها الدماغ أكثر عرضة لتأثيرات الالتهاب المناعي.
هذه النتائج قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة تستهدف هذه التغييرات اللاجينية. على سبيل المثال، قد يكون من الممكن تطوير أدوية تعمل على تعديل نشاط إنزيمات DNMTs، أو على استعادة أنماط مثيلة الحمض النووي الطبيعية. هذه العلاجات قد تكون قادرة على الوقاية من أو تخفيف أعراض الاضطرابات العصبية النمائية، مثل الفصام، لدى الأطفال الذين تعرضوا لالتهابات مناعية أثناء الحمل.
من المهم ملاحظة أن هذه الدراسة أجريت على الفئران، ولا يمكن تعميم النتائج بشكل مباشر على البشر. ومع ذلك، فإن النتائج تشير إلى أن الالتهابات المناعية للأم قد تكون عامل خطر مهم للاضطرابات العصبية النمائية، وأن التغيرات اللاجينية قد تلعب دورًا حاسمًا في هذا الخطر. هذا يستدعي إجراء المزيد من البحوث لفهم هذه العلاقة بشكل أفضل، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة.
Reference
Woods, R.M. (2026). Developmental modulation of schizophrenia risk gene methylation in offspring exhibiting cognitive deficits following maternal immune activation. Molecular Psychiatry.
اقتبس من هذا المقالة
(2026). تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ab%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%ac%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%ae%d8%b7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d8%a7/
. "تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.." عرب سايكلوجي, 6 فبراير. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ab%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%ac%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%ae%d8%b7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d8%a7/.
. "تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ab%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%ac%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%ae%d8%b7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d8%a7/.
(2026) 'تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ab%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%ac%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%ae%d8%b7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d8%a7/.
[1] , "تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, فبراير, 2026.
. تعديلات النمو في مثيلة جينات خطر الفصام مرتبطة بعجز إدراكي بعد تفعيل المناعة الأمومية.. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
