- أظهرت المرضى المصابات باضطراب الشخصية الحدية (BPD) انخفاضًا في تنشيط مناطق الدماغ الأساسية المتعلقة بالتعاطف أثناء مشاهدة التفاعلات الاجتماعية.
- أظهرت المرضى المصابات باضطراب الشخصية الحدية (BPD) تقييمات أعلى للألم النفسي في ظل ظروف محايدة أثناء مهمة التعاطف بالتفاعلات الاجتماعية (SIET).
- كشفت بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) عن انخفاض في التنشيط في مناطق مثل الجزيرة اليمنى والحصين، والقشرة الجبهية العلوية والوسطى الثنائية، والتلفيف الصدغي الأوسط الأيسر، والقشرة أمامية وخلفية مركزية يسرى، والنواة باتاميسيس اليسرى، والمنطقة التي تلتف حول الجسم الأمامي الأيمن.
- ارتبط تنشيط التلفيف الصدغي الأوسط الأيسر عند مشاهدة السيناريوهات المحايدة سلبًا باللاتهامية والسلوك المؤذي للذات في العينة بأكملها.
هل يعاني مرضى اضطراب الشخصية الحدية من خلل في “بوصلة” التعاطف الاجتماعي؟
أتعرفون هذا الشعور الغامر عندما تشاهدون شخصًا آخر يتألم، سواء جسديًا أو نفسيًا، وتشعرون وكأنكم تشاركونه هذا الألم؟ هذا الشعور، الذي نسميه التعاطف، هو لبنة أساسية في العلاقات الإنسانية. لكن ماذا يحدث عندما تتشوه هذه “البوصلة” التي توجهنا نحو فهم مشاعر الآخرين؟ هذا السؤال يقودنا إلى قلب دراسة حديثة تسلط الضوء على الاختلافات العصبية والنفسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدية (BPD) في طريقة معالجتهم للمواقف الاجتماعية والتفاعلات الإنسانية. فهل يمكن أن يكون الخلل في التعاطف هو مفتاح فهم بعض التحديات التي يواجهها هؤلاء المرضى؟
الأسس النظرية
لفهم هذه الدراسة، يجب أن نعود إلى بعض المفاهيم الأساسية في علم النفس. التعاطف ليس مجرد شعور بسيط، بل هو عملية معقدة تتضمن جوانب معرفية وعاطفية وسلوكية. هناك نوعان رئيسيان من التعاطف: التعاطف المعرفي، وهو القدرة على فهم وجهة نظر الآخرين، والتعاطف العاطفي، وهو القدرة على مشاركة مشاعرهم. تعتمد هذه العمليات على شبكة عصبية معقدة في الدماغ، تشمل مناطق مثل اللوزة الدماغية (amygdala)، والجزء الحجاجي (anterior cingulate cortex)، والجزرية (<a href="https://arabpsychology.com/tag/insula/” class=”wpa-auto-link”>insula)، والقشرة الأمامية الجبهية (prefrontal cortex).
اضطراب الشخصية الحدية يتميز بعدم استقرار في العلاقات الشخصية، وصورة ذاتية مشوهة، وتقلبات مزاجية حادة، وخوف شديد من الهجر. تظهر الأبحاث أن مرضى هذا الاضطراب غالبًا ما يعانون من صعوبات في تنظيم المشاعر، وفهم مشاعر الآخرين، والحفاظ على علاقات صحية. النظرية المعرفية السلوكية (CBT) تقدم تفسيرًا مفيدًا لهذه الصعوبات، حيث تشير إلى أن الأنماط التفكيرية السلبية والمشوهة تلعب دورًا رئيسيًا في تفاقم الأعراض. كما أن نظرية التعلق (attachment theory) تسلط الضوء على تأثير التجارب المبكرة في الطفولة على تطور القدرة على تكوين علاقات آمنة ومستقرة.
منهجية البحث
قام الباحثون، بقيادة فيكتور فلاسبيك، بإجراء دراسة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لمراقبة نشاط الدماغ لدى مجموعتين من النساء: 50 مريضة مصابة باضطراب الشخصية الحدية و 55 امرأة سليمة. الـ fMRI هي تقنية متطورة تسمح للعلماء برؤية أي مناطق في الدماغ تكون أكثر نشاطًا أثناء أداء مهمة معينة.
تم عرض المشاركات في الدراسة على مقاطع فيديو تصور تفاعلات اجتماعية، بعضها يظهر ألمًا جسديًا، والبعض الآخر يظهر ألمًا نفسيًا. خلال مشاهدة هذه المقاطع، طُلب من المشاركات تقييم مستوى الألم الذي يعتقدن أن الشخص في الفيديو يشعر به. تم تصميم المهمة بحيث يمكن للمشاركات تقييم الألم من منظور الشخص نفسه (المنظور الأول) أو من منظور مراقب خارجي (المنظور الثالث).
بالإضافة إلى الـ fMRI، قام الباحثون بتقييم مستويات الألم لدى المشاركات من خلال اختبار الضغط على العضلة الإبهامية (thenar muscle)، وقياس سمات التعاطف لديهن باستخدام مقياس التعاطف الخاص (IRI)، وتقييم صعوبة التعبير عن المشاعر (التبلد العاطفي – alexithymia)، وشدة أعراض اضطراب الشخصية الحدية.
النتائج
أظهرت النتائج أن مريضات اضطراب الشخصية الحدية قد قيمّن الألم النفسي بشكل أعلى من النساء السليمات، خاصةً عند تقييم الألم من منظور الشخص نفسه. وهذا يشير إلى أن مريضات BPD قد يجدن صعوبة في التمييز بين مشاعرهن الخاصة ومشاعر الآخرين، مما قد يؤدي إلى زيادة الحساسية للألم النفسي.
الأهم من ذلك، أظهرت صور الدماغ التي تم الحصول عليها من خلال الـ fMRI انخفاضًا في نشاط مناطق معينة في دماغ مريضات BPD أثناء مشاهدة التفاعلات الاجتماعية. شملت هذه المناطق الجزرية (insula)، وهي منطقة تلعب دورًا حاسمًا في معالجة المشاعر والتعاطف، والحصين (hippocampus)، وهو منطقة مرتبطة بالذاكرة والتعرف على السياق الاجتماعي، والقشرة الأمامية الجبهية (prefrontal cortex)، وهي منطقة مسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات.
وجد الباحثون أيضًا أن نشاط القشرة الصدغية الوسطى (middle temporal gyrus) لدى النساء السليمات كان مرتبطًا بقدرتهن على تبني وجهة نظر الآخرين (perspective taking)، وهي القدرة التي كانت منخفضة بشكل ملحوظ لدى مريضات BPD. كما أن نشاط هذه المنطقة ارتبط سلبًا بالتبلد العاطفي والسلوك المؤذي للذات في جميع المشاركات.
دلالات سريرية وعملية
هذه النتائج لها آثار عميقة على فهمنا لاضطراب الشخصية الحدية وعلاجه. تشير إلى أن الخلل في التعاطف قد يكون أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في الصعوبات الاجتماعية والعاطفية التي يواجهها المرضى. قد يساعد فهم الآليات العصبية الكامنة وراء هذا الخلل في تطوير علاجات أكثر فعالية.
بالنسبة للمعالجين النفسيين، تسلط هذه الدراسة الضوء على أهمية التركيز على تطوير مهارات التعاطف لدى مريضات BPD. يمكن أن تشمل العلاجات تقنيات العلاج السلوكي المعرفي (CBT) التي تهدف إلى تحدي الأنماط التفكيرية المشوهة، وتمارين لتعزيز القدرة على تبني وجهة نظر الآخرين، وتقنيات تنظيم المشاعر.
بالنسبة للمرضى وعائلاتهم، يمكن أن تساعد هذه النتائج في فهم أن الصعوبات التي يواجهونها ليست مجرد “اختيار” أو “عيب في الشخصية”، بل هي نتيجة لخلل في الدماغ يمكن علاجه.
السياق الثقافي العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في السياق العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. في العديد من المجتمعات العربية، هناك تركيز قوي على الجماعية والتضامن الاجتماعي، وقد يكون هناك وصمة عار مرتبطة بالاعتراف بالضعف أو طلب المساعدة النفسية. قد يؤدي ذلك إلى أن يكون المرضى أقل عرضة لطلب العلاج أو التعبير عن مشاعرهم بشكل علني.
بالإضافة إلى ذلك، قد تؤثر القيم الثقافية المتعلقة بالرجولة والأنوثة على طريقة تعبير المرضى عن الألم والمعاناة. قد يجد الرجال صعوبة في الاعتراف بمشاعرهم الضعيفة، بينما قد تواجه النساء ضغوطًا اجتماعية للتكيف مع الأدوار التقليدية.
من المهم أن يكون المعالجون النفسيون على دراية بهذه الفروق الثقافية وأن يقدموا العلاج بطريقة حساسة ومناسبة للقيم والمعتقدات المحلية. قد يكون من المفيد أيضًا إشراك العائلة في عملية العلاج لتقديم الدعم والتفهم للمريض.
آفاق مستقبلية وقيود البحث
هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة في فهم الآليات العصبية والنفسية الكامنة وراء اضطراب الشخصية الحدية، ولكن لا يزال هناك الكثير لنتعلمه. تشمل الاتجاهات المستقبلية للبحث دراسة تأثير العلاجات المختلفة على نشاط الدماغ لدى المرضى، والتحقيق في دور العوامل الوراثية والبيئية في تطور الاضطراب، وتوسيع نطاق البحث ليشمل عينات أكبر وأكثر تنوعًا من المشاركين.
من القيود الرئيسية لهذه الدراسة أنها اقتصرت على النساء. من المهم إجراء المزيد من البحوث لدراسة الاختلافات بين الجنسين في طريقة معالجة التعاطف لدى مرضى BPD. كما أن حجم العينة كان محدودًا نسبيًا، مما قد يحد من القدرة على تعميم النتائج على نطاق أوسع.
Reference
Flasbeck V. (2026). Reduced activation in empathy core regions during observation of social interactions in patients with borderline personality disorder: an fMRI-study. Translational Psychiatry, 16(1).
المناقشة والتفكير النقدي
- ما هي الآثار المترتبة على انخفاض تنشيط مناطق التعاطف الأساسية في الدماغ لدى المرضى المصابين باضطراب الشخصية الحدية (BPD) على قدرتهم على فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معهم؟
- كيف يمكن أن يساهم ضعف القدرة على اتخاذ المنظور، كما يتضح من الدراسة، في الصعوبات الاجتماعية التي يواجهها الأفراد المصابون باضطراب الشخصية الحدية (BPD)؟
- ما هي العلاقة بين اللاتهامية والسلوك المؤذي للذات، وكيف يمكن أن يؤثر تنشيط التلفيف الصدغي الأوسط على هذه العلاقة؟
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%86%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية." عرب سايكلوجي, 24 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%86%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%86%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%86%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%b7%d9%81-%d8%a7/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. دراسة: انخفاض النشاط في مناطق التعاطف الأساسية لدى مرضى اضطراب الشخصية الحدودية. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
