- يكشف البحث عن شبكة مترابطة من الدعم الرسمي وغير الرسمي، مما يسلط الضوء على أهمية العوامل الاجتماعية والهيكلية للصحة النفسية.
- يؤكد على أن أساسًا قويًا من الدعم الخارجي هو شرط أساسي للنمو الداخلي اللازم لتحقيق الازدهار.
- تشير النتائج إلى أن الحواجز النظامية، مثل وسائل النقل العام غير الآمنة، تعيق الوصول إلى الدعم.
- يوفر البحث تداعيات عملية للسياسات والممارسات، خاصة فيما يتعلق بالعوامل الهيكلية التي تعزز ازدهار الشباب اللاجئين.
هل يمكن للبيئة أن تكون علاجًا؟ نظرة جديدة على رفاهية الشباب اللاجئين
أتعرفون ذلك الشعور بالضياع، وكأنك بذرة زرعت في تربة غير مناسبة؟ هذا ما وصفه لنا العديد من الشباب الذين قابلناهم، شباب أجبرتهم الظروف على ترك أوطانهم، وعلى البدء من جديد في أرض غريبة. ليس الأمر مجرد معالجة للصدمات النفسية، بل هو إعادة بناء كاملة للعالم الداخلي والخارجي. هذا ما كشفته دراسة حديثة أجرتها الباحثة ليوبنبرغ (Liebenberg) مع مجموعة من الشباب اللاجئين في كندا، دراسة تسلط الضوء على أهمية البيئة المحيطة في تعزيز الصحة النفسية والرفاهية.
الإطار النظري
علم النفس الإيجابي ونظرية الأنظمة البيئية
تستند هذه الدراسة إلى أسس راسخة في علم النفس الإيجابي، وهو فرع من علم النفس يركز على تعزيز نقاط القوة والقدرات لدى الأفراد، بدلاً من التركيز فقط على معالجة الأمراض النفسية. علم النفس الإيجابي يرى أن الرفاهية ليست مجرد غياب المرض، بل هي حالة من الازدهار والنمو الشخصي. كما تستند الدراسة إلى نظرية الأنظمة البيئية (Ecological Systems Theory) التي طورها عالم النفس يوري برونفنبرنر (Urie Bronfenbrenner)، والتي تفترض أن نمو الفرد يتأثر بمجموعة من الأنظمة البيئية المتداخلة، بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولًا إلى المجتمع والثقافة. تخيلوا الأمر كدوائر متداخلة، كل دائرة تؤثر في الأخرى، وكل دائرة تؤثر في الفرد. هذه الدراسة تؤكد أن الصحة النفسية للشباب اللاجئين لا يمكن فهمها بمعزل عن هذه الأنظمة البيئية، وأن أي تدخل علاجي يجب أن يأخذ في الاعتبار هذه العوامل الخارجية.
النهج التشاركي القائم على العمل
ما يميز هذه الدراسة أيضًا هو استخدامها للنهج التشاركي القائم على العمل (Participatory Action Research – PAR). هذا النهج لا يعتبر المشاركين مجرد “موضوعات” للدراسة، بل يعتبرهم شركاء فاعلين في عملية البحث. الشباب اللاجئ لم يكن مجرد مستجيبين للاستبيانات، بل كانوا جزءًا من فريق البحث، يشاركون في تصميم الدراسة، وجمع البيانات، وتحليلها، وتفسيرها. استخدمت الباحثة ليوبنبرغ أساليب فنية إبداعية، مثل الرسم والكتابة، كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم. هذا النهج يضمن أن نتائج الدراسة تعكس حقًا وجهات نظر الشباب اللاجئين، وأنها ذات صلة باحتياجاتهم وتطلعاتهم.
المنهجية
مشاركة الشباب في بناء المعرفة
أجرت الباحثة Liebenberg مقابلات متعمقة مع 22 شابًا تتراوح أعمارهم بين 15 و 18 عامًا، قدموا من سوريا والسودان والصومال، ويعيشون في مقاطعة الأطلسي في كندا. لم تكن هذه المقابلات مجرد أسئلة وأجوبة، بل كانت جلسات حوارية تفاعلية، استخدمت فيها الأساليب الفنية كأداة للتعبير. على سبيل المثال، طُلب من الشباب رسم تصورهم للرفاهية، أو كتابة قصة قصيرة عن تجربة إيجابية مروا بها. ثم تم تحليل هذه الرسومات والقصص باستخدام التحليل الموضوعي النوعي (Qualitative Thematic Analysis)، وهي طريقة لتحديد الأنماط والموضوعات المتكررة في البيانات. الهدف من هذا التحليل هو فهم كيف يرى الشباب اللاجئ الرفاهية، وما هي العوامل التي تدعم أو تعيق تحقيقها.
أربعة محاور رئيسية للرفاهية
أظهر التحليل الموضوعي أربعة محاور رئيسية للرفاهية، وهي: (1) الأساس الخارجي للدعم، (2) ساحات النمو، (3) تنمية النمو الشخصي، و (4) الرفاهية نفسها. الأساس الخارجي للدعم يشمل العوامل الخارجية التي توفر للشباب الأمن والاستقرار، مثل الدعم المالي، والسكن اللائق، والرعاية الصحية، والتعليم. ساحات النمو تشمل الأماكن والأنشطة التي تتيح للشباب فرصة للتفاعل الاجتماعي، وتطوير مهاراتهم، واستكشاف اهتماماتهم، مثل المدارس، والمراكز الشبابية، والنوادي الرياضية. تنمية النمو الشخصي تشمل العمليات الداخلية التي تساعد الشباب على بناء الثقة بالنفس، وتطوير الهوية، وتحقيق الأهداف. أخيرًا، الرفاهية نفسها هي النتيجة النهائية لهذه العمليات، وهي حالة من الشعور بالسعادة والرضا والمعنى في الحياة.
النتائج
أهمية الدعم الخارجي
أكد الشباب اللاجئون بشكل قاطع على أهمية الدعم الخارجي كشرط أساسي لتحقيق الرفاهية. كما قال أحدهم: “إذا لم يكن لديك سقف فوق رأسك، وطعام على مائدتك، فكيف يمكنك أن تفكر في أي شيء آخر؟”. الدعم الخارجي يوفر للشباب الأمن والاستقرار الذي يحتاجونه للتركيز على النمو الشخصي. ولكن الدعم الخارجي وحده لا يكفي. الشباب أكدوا أيضًا على أهمية وجود ساحات للنمو، حيث يمكنهم التفاعل مع الآخرين، وتطوير مهاراتهم، واستكشاف اهتماماتهم. كما أكدوا على أهمية وجود فرص لتنمية النمو الشخصي، حيث يمكنهم بناء الثقة بالنفس، وتطوير الهوية، وتحقيق الأهداف.
العقبات النظامية
ولكن الدراسة كشفت أيضًا عن وجود العديد من العقبات النظامية التي تعيق وصول الشباب اللاجئين إلى هذه الدعم. على سبيل المثال، أشار الشباب إلى أن وسائل النقل العام غير الآمنة، ونقص الأماكن العامة المتاحة، يجعل من الصعب عليهم الوصول إلى المدارس، والمراكز الشبابية، والنوادي الرياضية. كما أشاروا إلى أن التمييز والعنصرية التي يواجهونها في المجتمع تجعل من الصعب عليهم بناء علاقات اجتماعية إيجابية، والشعور بالانتماء. هذه العقبات النظامية تؤثر سلبًا على صحتهم النفسية، وتعوق قدرتهم على الازدهار.
الآثار العملية
تغيير السياسات وتوفير البنية التحتية
تؤكد نتائج هذه الدراسة على أهمية تبني نهج شامل للصحة النفسية، يأخذ في الاعتبار العوامل الاجتماعية والنظامية التي تؤثر على رفاهية الشباب اللاجئين. يجب على الحكومات والمنظمات غير الحكومية العمل معًا لتوفير الدعم الخارجي اللازم، مثل السكن اللائق، والرعاية الصحية، والتعليم. كما يجب عليهم العمل على إزالة العقبات النظامية التي تعيق وصول الشباب اللاجئين إلى الفرص المتاحة. على سبيل المثال، يمكنهم تحسين وسائل النقل العام، وتوفير المزيد من الأماكن العامة المتاحة، ومكافحة التمييز والعنصرية. هذه الإجراءات لن تفيد الشباب اللاجئين فحسب، بل ستفيد المجتمع بأكمله.
تأثيرات في السياق العربي
عند النظر إلى هذه النتائج في السياق العربي، نجد أنها تحمل صدى قويًا. العديد من الدول العربية تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين والنازحين، الذين يواجهون تحديات مماثلة لتلك التي واجهها الشباب الذين شاركوا في هذه الدراسة. في العديد من الدول العربية، تعاني البنية التحتية من نقص الاستثمار، ووسائل النقل العام غير كافية، والأماكن العامة محدودة. كما أن التمييز والعنصرية ضد اللاجئين والنازحين أمر شائع. لذلك، فإن الدروس المستفادة من هذه الدراسة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة لصانعي السياسات والممارسين في الدول العربية. على سبيل المثال، يمكنهم استخدام نتائج الدراسة لتبرير الاستثمار في البنية التحتية، وتحسين وسائل النقل العام، وتوفير المزيد من الأماكن العامة المتاحة. كما يمكنهم استخدام نتائج الدراسة لتطوير برامج تدريبية للموظفين الحكوميين والعاملين في المنظمات غير الحكومية، بهدف زيادة وعيهم بقضايا اللاجئين والنازحين، وتعزيز قدرتهم على تقديم الدعم المناسب.
آفاق مستقبلية وقيود الدراسة
الحاجة إلى مزيد من البحث
هذه الدراسة هي مجرد بداية. هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم أفضل للتحديات التي يواجهها الشباب اللاجئون، ولتطوير تدخلات أكثر
Reference
Liebenberg L. (2026). A participatory action research qualitative thematic analysis of young men’s perspectives on well-being and flourishing. Discover Public Health, 23(1), 548-548.
المناقشة والتفكير النقدي
- كيف يمكن للسياسات الحكومية المحلية أن تعالج بشكل فعال العوامل الهيكلية التي تؤثر على الصحة النفسية للشباب اللاجئين؟
- ما هي الآثار المترتبة على استخدام أساليب قائمة على الفنون في البحث التشاركي لفهم وجهات نظر الشباب حول الرفاهية؟
- كيف يمكن أن يساهم فهم الترابط بين الصحة النفسية الفردية والعوامل الاجتماعية الأوسع في تطوير تدخلات أكثر فعالية؟
اقتبس من هذا المقالة
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%b5%d8%ad%d8%a9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d9%84%d8%b7-%d8%a7/
مدرس الدكتور محمد لوتي. "صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.." عرب سايكلوجي, 1 مايو. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%b5%d8%ad%d8%a9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d9%84%d8%b7-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي. "صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%b5%d8%ad%d8%a9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d9%84%d8%b7-%d8%a7/.
مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%b5%d8%ad%d8%a9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%8a%d9%86-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d9%84%d8%b7-%d8%a7/.
[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, مايو, 2026.
مدرس الدكتور محمد لوتي. صحة نفسية للشباب اللاجئين: دراسة تسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة.. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.
