الصحة النفسية

ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا

أبرز النقاط
  • تشير النتائج إلى أن نسبة كبيرة من المشاركين (90.19٪) يعانون من تضايق بسبب أصوات متكررة.
  • أظهرت الدراسة أن 31.28٪ من المشاركين تجاوزوا عتبة التشخيص المحتملة للاضطراب السمعي-الحسي (Misophonia).
  • غالبية المشاركين الذين تم تشخيصهم بالاختلال السمعي-الحسي (96.97٪) يعانون من أعراض مصاحبة ذات دلالة إكلينيكية مثل القلق.
  • تحدث معظم المشاكل المتعلقة بالاختلال السمعي-الحسي في وجود الآخرين، وخاصة زملاء الدراسة (68.18٪).

هل شعرت يومًا بغضب عارم، أو انزعاج شديد، من صوت بسيط، مثل صوت مضغ الطعام، أو نقر الأقلام، أو حتى تنفس شخص ما؟ هذا الشعور، الذي قد يبدو غريبًا للبعض، هو جوهر حالة نفسية تسمى “الميسوفونيا” (Misophonia)، أو كره الأصوات. لم تعد هذه الحالة مجرد “غريبة أطوار” أو “حساسية مفرطة”، بل هي اضطراب نفسي حقيقي، يؤثر بشكل كبير على حياة من يعانون منه، خاصةً الأطفال والمراهقين. تُظهر دراسة حديثة أجريت في ألمانيا والنمسا أن هذه الحالة أكثر انتشارًا مما كنا نعتقد، وأنها غالبًا ما تترافق مع اضطرابات نفسية أخرى، مما يستدعي فهمًا أعمق لهذه الحالة وتطوير طرق علاجية فعالة.

الإطار النظري

تعتمد دراسة الميسوفونيا على عدة نظريات نفسية، أبرزها نظرية التعلم الارتباطي (Associative Learning). تشير هذه النظرية إلى أن الميسوفونيا قد تنشأ عندما يرتبط صوت معين بتجربة عاطفية سلبية. تخيل أنك كنت تشعر بالتوتر والقلق أثناء سماع شخص ما يمضغ الطعام. بمرور الوقت، قد يبدأ دماغك في ربط صوت المضغ بالتوتر والقلق، مما يؤدي إلى استجابة عاطفية قوية عند سماع هذا الصوت في المستقبل. هذا يشبه إلى حد كبير ما يحدث في حالة الرهاب (Phobia)، حيث يرتبط شيء أو موقف معين بالخوف.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب نظرية التنظيم العاطفي (Emotional Regulation) دورًا مهمًا في فهم الميسوفونيا. قد يعاني الأشخاص المصابون بالميسوفونيا من صعوبة في تنظيم استجاباتهم العاطفية للأصوات المزعجة. هذا يعني أنهم قد يجدون صعوبة في تهدئة أنفسهم أو التحكم في غضبهم عند سماع هذه الأصوات. كما أن هناك أدلة متزايدة تشير إلى أن الميسوفونيا قد تكون مرتبطة ببعض الاختلافات في بنية ووظيفة الدماغ، خاصةً في المناطق المسؤولة عن معالجة الصوت والعواطف، مثل اللوزة الدماغية (Amygdala) والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex). هذه المناطق تعمل كـ “مركز تحكم” في الدماغ، حيث يتم تقييم المحفزات الحسية والاستجابة لها.

المنهجية

أجرى الباحثون، بقيادة إيفا فايفر (Pfeiffer E.)، دراسة شاملة شملت 214 طفلًا ومراهقًا يتلقون علاجًا في مراكز الصحة النفسية في ألمانيا والنمسا. اعتمدت الدراسة على منهجية “المقطع العرضي” (Cross-sectional study)، مما يعني أن البيانات تم جمعها في نقطة زمنية واحدة. تم تقييم المشاركين باستخدام مجموعة من الاستبيانات والمقاييس النفسية، بهدف قياس أعراض الميسوفونيا، والقلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، والأعراض الوسواسية القهرية، والتهيج المزمن، ونوعية الحياة، والإعاقة الوظيفية.

لتقييم أعراض الميسوفونيا، استخدم الباحثون مقياسًا متخصصًا يقيس مدى الانزعاج الذي يشعر به المشاركون من الأصوات المتكررة ذات الصلة بالميسوفونيا، مثل أصوات المضغ، والتنفس، والنقر. كما تم سؤال المشاركين عن المواقف التي تحدث فيها المشاكل المتعلقة بالميسوفونيا، والاستراتيجيات التي يستخدمونها للتعامل معها. تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: مجموعة “الميسوفونيا المحتملة” (Probable misophonia)، وهي المجموعة التي حصلت على درجات أعلى من الحد الأدنى الإكلينيكي في مقياس الميسوفونيا، ومجموعة “غير الميسوفونيا” (Non-misophonia)، وهي المجموعة التي حصلت على درجات أقل من هذا الحد. ثم قام الباحثون بمقارنة المجموعتين من حيث الأعراض النفسية الأخرى، ونوعية الحياة، والإعاقة الوظيفية.

النتائج

أظهرت النتائج أن نسبة كبيرة من المشاركين (90.19%) أبلغوا عن انزعاجهم من صوت متكرر واحد على الأقل. كما أن نسبة كبيرة منهم (31.28%) حصلت على درجات أعلى من الحد الأدنى الإكلينيكي للميسوفونيا المحتملة. الأكثر إثارة للقلق هو أن غالبية المشاركين في مجموعة الميسوفونيا المحتملة (96.97%) أظهروا أعراضًا نفسية أخرى ذات دلالة إكلينيكية، مثل القلق.

أظهرت النتائج أيضًا أن المشاركين في مجموعة الميسوفونيا المحتملة حصلوا على درجات أعلى في جميع المقاييس المتعلقة بالأعراض النفسية الأخرى، وكذلك في مقاييس الإعاقة الوظيفية وانخفاض نوعية الحياة، مقارنةً بالمشاركين في مجموعة غير الميسوفونيا. كما أن المشاكل المتعلقة بالميسوفونيا كانت تحدث في الغالب في وجود أشخاص آخرين، وخاصةً زملاء الدراسة (68.18%). أما بالنسبة لاستراتيجيات التأقلم، فقد كانت الاستماع إلى الموسيقى (57.81%) وترك الغرفة (25.00%) هما الأكثر شيوعًا.

التأثيرات السريرية والعملية

تؤكد هذه الدراسة على أهمية زيادة الوعي بالميسوفونيا في مجال الصحة النفسية، خاصةً بين الأخصائيين الذين يعملون مع الأطفال والمراهقين. غالبًا ما يتم تجاهل الميسوفونيا أو التقليل من شأنها، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص والعلاج. من الضروري أن يكون الأخصائيون النفسيون على دراية بأعراض الميسوفونيا، وأن يكونوا قادرين على التمييز بينها وبين الاضطرابات النفسية الأخرى.

بالنسبة للمرضى، فإن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يحسنا بشكل كبير من نوعية حياتهم. قد يشمل العلاج مجموعة من التقنيات، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، والذي يساعد المرضى على تغيير أنماط تفكيرهم وسلوكهم المتعلقة بالأصوات المزعجة، وتقنيات الاسترخاء، والتي تساعدهم على التحكم في استجاباتهم العاطفية. كما أن العلاج بالتعرض (Exposure therapy)، والذي يتضمن تعريض المرضى تدريجيًا للأصوات المزعجة في بيئة آمنة ومراقبة، قد يكون فعالًا في بعض الحالات.

السياق الثقافي العربي

عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. في العديد من المجتمعات العربية، هناك وصمة عار مرتبطة بالصحة النفسية، مما قد يجعل من الصعب على الأشخاص المصابين بالميسوفونيا طلب المساعدة. كما أن هناك نقصًا في الوعي بالميسوفونيا بين الأخصائيين النفسيين وعامة الناس في المنطقة العربية.

بالإضافة إلى ذلك، قد تختلف الأعراض والاستراتيجيات المستخدمة للتعامل مع الميسوفونيا في العالم العربي بسبب العوامل الثقافية. على سبيل المثال، قد يكون هناك تركيز أكبر على التكيف الاجتماعي وتجنب إزعاج الآخرين، مما قد يؤدي إلى أن يحاول الأشخاص المصابون بالميسوفونيا إخفاء أعراضهم أو تجنب المواقف التي قد تثيرها. كما أن العادات والتقاليد الغذائية والثقافية في العالم العربي قد تزيد من التعرض للأصوات المزعجة، مثل أصوات المضغ أثناء تناول الطعام في العائلة أو في المناسبات الاجتماعية. لذلك، من الضروري إجراء المزيد من البحوث حول الميسوفونيا في العالم العربي، بهدف فهم أفضل لانتشارها وأعراضها وعواملها الثقافية، وتطوير طرق علاجية مناسبة ثقافيًا.

التوجهات المستقبلية والقيود

تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من الأسئلة البحثية المستقبلية. على سبيل المثال، هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات لتحديد العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بالميسوفونيا، ولتطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة وموثوقية. كما أن هناك حاجة إلى إجراء تجارب سريرية لتقييم فعالية العلاجات المختلفة للميسوفونيا، وتحديد أي العلاجات هي الأكثر فعالية لأي أنواع المرضى.

من القيود الرئيسية لهذه


Reference

Pfeiffer E. (2026). Misophonia in a large treatment-seeking child and adolescent sample in mental health care in Germany and Austria. BMC Psychiatry, 26(1).

DOI: 10.1186/s12888-026-07979-1

المناقشة والتفكير النقدي

  • ما هي الآثار المترتبة على ارتفاع معدلات الأعراض السمعية-الحسية والأعراض المصاحبة في الرعاية الصحية النفسية الروتينية على الممارسات السريرية؟
  • كيف يمكن أن يؤثر وجود أعراض مصاحبة مثل القلق والاكتئاب على مسار الاختلال السمعي-الحسي لدى الأطفال والمراهقين؟
  • ما هي الاستراتيجيات العلاجية الأكثر فعالية لمعالجة الاختلال السمعي-الحسي والأعراض المصاحبة في إعدادات الرعاية الصحية النفسية؟

تفاصيل الدراسة

أدلة متوسطة Article
BMC Psychiatry
مارس 24, 2026
Elisa Pfeiffer Fabienne Krech Marc Allroggen Ulrike M.E. Schulze Paul L. Plener ...
DE, AT
Elisa Pfeiffer et al. (2026). Misophonia in a large treatment-seeking child and adolescent sample in mental health care in Germany and Austria

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا." عرب سايكلوجي, 24 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. ميسوفونيا: دراسة أولى تكشف عن انتشار الأعراض لدى الأطفال والمراهقين في ألمانيا والنمسا. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF