الصحة النفسية

هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة

أبرز النقاط
  • أظهرت المؤشرات الرقمية الثلاثة (التغير المتبقي في التأثير السلبي، وفحوصات الشاشة، والمسافة اليومية من المنزل) ارتباطات ثابتة مع خلل تنظيم المشاعر، بغض النظر عن الوقت، مما يشير إلى صلاحية متقاربة ثابتة زمنياً.
  • يمكن لهذه المؤشرات التمييز بين الأفراد ذوي مستويات عالية ومنخفضة من خلل تنظيم المشاعر بشكل عام (بعد التحكم في نظام تشغيل الهاتف والدخل).
  • لم ترتبط المؤشرات بأبعاد أخرى غير مرتبطة (مثل شدة التأثير، ووزن الجسم)، مما يشير إلى صلاحية تمييزية.
  • يشير التغير المتبقي في التأثير السلبي فقط إلى ارتباط جزئي بخلل تنظيم المشاعر على المستوى اليومي، في حين أن فحوصات الشاشة والمسافة اليومية من المنزل لم تظهر ارتباطات قوية على هذا المستوى.

هل يمكن لهواتفنا الذكية أن تكشف عن اضطرابات المشاعر خلال الحمل؟

“أشعر وكأنني أعيش على حافة الهاوية، تقلبات مزاجية لا أستطيع السيطرة عليها، خوف وقلق يسيطران عليّ… هل هذا طبيعي في الحمل؟” هذا السؤال، أو ما يشابهه، يتردد صداه في عقول العديد من النساء الحوامل. إن فترة الحمل، على الرغم من كونها تجربة مباركة، غالبًا ما تكون مصحوبة بتحديات نفسية وعاطفية كبيرة. لكن كيف يمكننا فهم هذه التقلبات العاطفية بشكل أفضل، وكيف يمكننا تحديد النساء الأكثر عرضة للخطر لتقديم الدعم اللازم؟

الإطار النظري

تعتمد دراسة اضطرابات تنظيم المشاعر على أسس نظرية راسخة في علم النفس الإكلينيكي. تعتبر نظرية التنظيم العاطفي، التي طورها جيمس جروس، من أهم الإطارات المرجعية في هذا المجال. تشير هذه النظرية إلى أن اضطرابات تنظيم المشاعر تنشأ عندما تكون استراتيجيات التنظيم العاطفي التي نستخدمها غير فعالة أو غير ملائمة. يمكن أن تتجلى هذه الاضطرابات في شكل صعوبة في تحديد المشاعر، أو في فهمها، أو في تقبلها، أو في تعديلها. بالإضافة إلى ذلك، تلعب نظرية التعلق دورًا هامًا في فهم كيفية تأثير التجارب المبكرة على قدرة الفرد على تنظيم مشاعره. فالأفراد الذين عانوا من تجارب تعلق غير آمنة في الطفولة قد يكونون أكثر عرضة لتطوير اضطرابات في تنظيم المشاعر في مراحل لاحقة من حياتهم. كما أن العلاقة بين اضطرابات تنظيم المشاعر واضطرابات الصحة النفسية الأخرى، مثل الاكتئاب والقلق واضطراب الشخصية الحدية، معروفة جيدًا. فغالبًا ما تكون اضطرابات تنظيم المشاعر بمثابة عامل خطر رئيسي لتطور هذه الاضطرابات.

المنهجية

قام الباحث هنري آر. دي. وفريقه بإجراء دراسة مبتكرة تهدف إلى قياس اضطرابات تنظيم المشاعر خلال فترة الحمل باستخدام بيانات يتم جمعها بشكل سلبي من الهواتف الذكية. بدلاً من الاعتماد على الاستبيانات التقليدية أو المقابلات، التي قد تكون عرضة للتحيز أو قد لا تعكس بدقة التقلبات اليومية للمشاعر، استخدم الباحثون ما يُعرف بـ “الظاهرات الرقمية” (Digital Phenotyping). وهي ببساطة استخدام البيانات التي ننتجها بشكل طبيعي من خلال استخدامنا للهواتف الذكية – مثل سجلات تحديد المواقع (GPS) وسجلات تفعيل الشاشة – كمؤشرات على حالتنا النفسية والعاطفية. شارك في الدراسة 69 امرأة حامل في الثلث الثالث من الحمل. تم جمع بيانات الهواتف الذكية الخاصة بهن لمدة أسبوعين، بالإضافة إلى استبيانات يومية حول اضطرابات تنظيم المشاعر والمشاعر السلبية. كما أكملت المشاركات استبيانات أخرى لتقييم مستويات الاكتئاب والقلق وأعراض اضطراب الشخصية الحدية. ركز الباحثون على ثلاثة مؤشرات رقمية رئيسية: التغير المتبقي في المشاعر السلبية (residualized change in negative affect)، وعدد مرات فحص الشاشة (screen checks)، والمسافة اليومية المقطوعة من المنزل (daily distance traveled from home). تم تحليل هذه البيانات باستخدام أساليب إحصائية متطورة لتقييم مدى ارتباطها باضطرابات تنظيم المشاعر، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل نظام تشغيل الهاتف الذكي والدخل.

كيف تعمل هذه المؤشرات؟

يمكن تشبيه هذه المؤشرات بثلاثة مرايا تعكس جوانب مختلفة من حالتنا العاطفية. فالتغير المتبقي في المشاعر السلبية يعكس مدى تقلباتنا العاطفية اليومية، وكيف نتفاعل مع الأحداث التي تثير مشاعر سلبية. أما عدد مرات فحص الشاشة فيمكن أن يشير إلى مستوى القلق أو التوتر، حيث أننا نميل إلى التحقق من هواتفنا بشكل متكرر عندما نشعر بالضيق. وأخيرًا، المسافة اليومية المقطوعة من المنزل قد تعكس مستوى الانسحاب الاجتماعي أو العزلة، حيث أننا قد نميل إلى البقاء في المنزل عندما نشعر بالحزن أو الاكتئاب. من المهم ملاحظة أن هذه المؤشرات ليست مقاييس مباشرة للمشاعر، بل هي مؤشرات غير مباشرة يمكن أن تساعدنا في فهم حالتنا العاطفية بشكل أفضل.

النتائج

أظهرت نتائج الدراسة أن المؤشرات الرقمية الثلاثة مرتبطة بشكل ثابت باضطرابات تنظيم المشاعر، بغض النظر عن الوقت. وهذا يعني أن هذه المؤشرات يمكن أن تساعد في التمييز بين النساء اللاتي يعانين من مستويات عالية من اضطرابات تنظيم المشاعر والنساء اللاتي يعانين من مستويات منخفضة. ومع ذلك، وجد الباحثون أن التغير المتبقي في المشاعر السلبية هو المؤشر الوحيد الذي يرتبط بشكل جزئي باضطرابات تنظيم المشاعر على المستوى الفردي. بمعنى آخر، يمكن لهذا المؤشر أن يعكس التغيرات اليومية في المشاعر السلبية لدى كل امرأة حامل. أما المؤشران الآخران، وهما عدد مرات فحص الشاشة والمسافة اليومية المقطوعة من المنزل، فلم يظهرا ارتباطًا قويًا باضطرابات تنظيم المشاعر على المستوى الفردي.

الآثار السريرية والعملية

تحمل هذه النتائج آثارًا مهمة على الممارسة السريرية والصحة العامة. فمن خلال استخدام الهواتف الذكية كمصدر للبيانات، يمكننا تطوير أدوات جديدة لتقييم اضطرابات تنظيم المشاعر لدى النساء الحوامل بشكل أكثر دقة وفعالية. يمكن أن تساعد هذه الأدوات الأطباء والمعالجين النفسيين في تحديد النساء الأكثر عرضة للخطر وتقديم الدعم اللازم لهن في الوقت المناسب. كما يمكن استخدام هذه الأدوات لمراقبة استجابة النساء الحوامل للعلاج وتقييم فعالية التدخلات العلاجية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد هذه النتائج في زيادة الوعي بأهمية تنظيم المشاعر خلال فترة الحمل وتشجيع النساء الحوامل على طلب المساعدة إذا كن يعانين من صعوبات في هذا المجال.

السياق الثقافي العربي

عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. ففي العديد من المجتمعات العربية، لا تزال هناك وصمة عار مرتبطة بالصحة النفسية، مما قد يجعل النساء الحوامل مترددات في طلب المساعدة. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك اختلافات في التعبير عن المشاعر وفي استراتيجيات التنظيم العاطفي المستخدمة. على سبيل المثال، قد تميل النساء العربيات إلى كبت مشاعرهن أو إلى الاعتماد على الدعم الاجتماعي من العائلة والأصدقاء بدلاً من طلب المساعدة المهنية. كما أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الفقر والبطالة والنزاعات، يمكن أن تزيد من خطر اضطرابات الصحة النفسية لدى النساء الحوامل في العالم العربي. لذلك، من المهم تطوير تدخلات علاجية تراعي هذه الفروق الثقافية وتأخذ في الاعتبار الاحتياجات الخاصة للنساء العربيات الحوامل.

آفاق مستقبلية وقيود

على الرغم من أن هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة إلى الأمام في فهم اضطرابات تنظيم المشاعر خلال فترة الحمل، إلا أنها لا تخلو من القيود. أولاً، اقتصرت الدراسة على عينة صغيرة من النساء الحوامل في الولايات المتحدة، مما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على مجتمعات أخرى. ثانيًا، اعتمدت الدراسة على بيانات يتم جمعها بشكل سلبي من الهواتف الذكية، والتي قد لا تعكس بدقة جميع جوانب الحالة العاطفية. ثالثًا، لم تأخذ الدراسة في الاعتبار بعض العوامل الأخرى التي قد تؤثر على تنظيم المشاعر، مثل التاريخ العائلي للاضطرابات النفسية أو التعرض لصدمات نفسية. لذلك، هناك حاجة إلى إجراء المزيد من البحوث لتأكيد هذه النتائج وتوسيع نطاقها. في المستقبل، يمكن للباحثين استخدام تقنيات أكثر تطوراً لجمع البيانات، مثل أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء أو تحليل الكلام، لتقييم اضطرابات تنظيم المشاعر بشكل أكثر شمولاً. كما يمكنهم إجراء دراسات طويلة الأمد لتتبع التغيرات في تنظيم المشاعر خلال فترة الحمل وما بعد الولادة.


Reference

Henry R.D. (2026). Measuring emotion dysregulation in pregnancy using smartphone activity: a prospective research study in the United States. BMC Pregnancy and Childbirth, 26(1).

DOI: 10.1186/s12884-026-08828-5

المناقشة والتفكير النقدي

  • ما هي الآثار المترتبة على استخدام بيانات الهاتف الذكي لتقييم الصحة العقلية للأمهات الحوامل، وما هي الاعتبارات الأخلاقية التي يجب معالجتها؟
  • كيف يمكن تحسين المؤشرات الرقمية المستخدمة في هذه الدراسة لالتقاط التغيرات اللحظية في خلل تنظيم المشاعر بشكل أكثر فعالية؟
  • ما هي الآليات المحتملة التي تربط بين سلوكيات استخدام الهاتف الذكي (مثل فحوصات الشاشة والمسافة من المنزل) وخلل تنظيم المشاعر أثناء الحمل؟

تفاصيل الدراسة

دليل متوسط Article
BMC Pregnancy and Childbirth
فبراير 20, 2026
Robert D. Henry
US
Robert D. Henry (2026). Measuring emotion dysregulation in pregnancy using smartphone activity: a prospective research study in the United States

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%b0%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة." عرب سايكلوجي, 14 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%b0%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%b0%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d9%87%d9%88%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%b0%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ad/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. هواتف ذكية تكشف تقلبات المشاعر لدى الحوامل: دراسة أمريكية رائدة. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF