التنوير العقلي بدل التعصب الإيديولوجي د. زهير الخويلدي / كاتب فلسفي

التنوير العقلي بدل التعصب الإيديولوجي د. زهير الخويلدي / كاتب فلسفي

التنوير هو خروج الانسان من القصور الذي ارتكبه في حق نفسه من خلال عدم
استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر”. – كانط، ماهي الأنوار؟

التنوير العقلي بدل التعصب الإيديولوجي


د. زهير الخويلدي / كاتب فلسفي


عاد الفكر عندنا هذه الأيام إلى المستنقع
الإيديولوجي وصار التعصب هو اللغة التي يتكلمها المثقف الهائم على وجهه وسقط الخطاب
السياسي مجددا في النعرات الجهوية والقبلية والطائفية واقتصر الفاعلون في الشأن العام
على ترديد شعارات مستهلكة غير قابلة للتحقيق وترويج بضاعة مفلسة لا تنسجم مع تحولات
المرحلة وتبني الساسة قناعات أكل عليها الدهر وشرب ولا تستجيب لطموحات الطبقة الناشئة
، وسبب ذلك هو مسايرة السائد والوقوع في التقليد واستنساخ الماضي ومحاكاة التجارب المفلسفة
في سياقاتها الاجتماعية المغايرة.فهل التعصب هو الدغمائية والوثوقية؟ وماهي مظاهره
وأبعاده؟ ولماذا يقع الفكر ضحية التعصب؟ وماهي الأسباب التي تجعله يسري في العقول مثلما
تنتشر النار في الهشيم؟ وهل يمكن أن يكون التنوير العقلي والنقدي العلمي هما السلاحين
الناجعين لمقاومة التعصب؟التعصب هو انفعال يتراوح بين الحب والإعجاب والإخلاص برأي
أو معتقد من جهة والتمجيد والحماسة للقناعات الذاتية والتبخيس والحط من قيمة قناعات
الغير واللاتسامح معه.في هذا السياق يشير اللفظ الفرنسي

fanatisme
إلى نزعة تنحاز إلى مذهب أو شخص وتتراوح بين الرفض
التام له والدفاع الكلي عليه وتكون مبنية على الجهل. وينشد المتعصب من وراء مؤازرته
وانغلاقه ومساندته المطلقة الحصول عن مصلحة اجتماعية وتحقيق منفعة مادية ولذلك لا يكترث
بازدراء المخالف في الرأي والتقليل من شأنه والإساءة له وإلحاق الضرر بالمعارض له وتقديس
المماثل وتبجيل المشابه وتضخيم انجازاته والنفخ في صورته
.

أما التعصب فهو ميزة الفكر الذي يقسم
الناس إلى أعداء وأصدقاء وينزعج من التناقض والاختلاف والتنوع ويفسر حدوث الأشياء بالتدخل
الخارق للقوى الغيبية ولذلك جسد موقف المتعصب الدفاع عن اعتقاد أو دين بشكل انفعالي
وباستعمال القوة دون تثبت من صدقه
.

هكذا يعمد التعصب إلى تحريف الحقيقة
ومصادرة الحرية وخيانة الضمير وتخدير الفكر وإهمال الصوت المنبعث من الضمير وقولبة
الإنسان وسجن النفس داخل مقولة التطابق. وقد يؤدي التعصب في السياسة إلى التخوين وتركيز
الحكم الاستبدادي واللاّتسامح مع المواطنين وفرض القرارات عن طريق العنف، وينتج عن
التعصب إلى العرق أو الجهة أو الطائفة أو المذهب أو اللغة التمركز على الذات وممارسة
الإقصاء والتهميش للمغايرين والمخالفين
.

إن التعصب هو ثمرة الجهل وناتج عن
وقوع الخيال في الخطأ ووضع الخرافة قيد العمل وعند كانط التعصب هو وهم لا يتوقف عن
الظهور يدعو إلى تخطي حدود العقل العملي.هناك علاقة وثيقة بين التعصب وغياب الوعي وسوء
الفهم وتصحر الفكر ونسيان النقد وحضور الدوغمائية وتبني الوثوقية في إدراك العالم وتجربة
العلاقة مع الغير. وفي مقابل التعصب الديني اليميني يوجد تعصب إيديولوجي يساري وتعصب
قومي عنصري ولا حل سوى الانتماء إلى ديانة المحبة والإيثار والاعتصام بالصداقة والعقلانية
والروح العلمية.إذا كان المنهج الحقيقي في البحث الفلسفي يقوم على النقد بشكل أساسي
والتمييز والتقصي فإن الدوغمائية هي موقف عام يتصف بالسلبية وبالاستخدام غير الواعي
للعقل ويتعارض مع النزعة الريبية ويقوم على إعلان قضايا دون امتحانها ودون تأسيسها
بطريقة عقلانية
.

إن النزعة الدوغمائية هي موقف ثابت
لتجارب الدهشة والحيرة والشك والنقد ويمثل خاصية المذاهب التي تظهر قناعاتها الفكرية
على أنها بديهيات لا تقبل النقاش وحقائق جوهرية دون أن تقوم بفحصها ودون أن تضعها على
محك النقد.وفي السياسة أو الدين يحاول أنصار هذه النزعة فرض قناعاتهم بواسطة القوة
على الآخرين وإعلان الحرب على الخصوم من المعاندين الريبيين. وقد ذكر فرنسوا جاكوب
في لعبة الممكنات:” أن الذي يدفع الناس إلى التقاتل ليس فقط المصلحة بل الدوغمائية.
لاشيء أكثر خطورة من اليقين بامتلاك الحق”.هكذا تحولت الدوغمائية إلى عقيدة يصبح
الفكر بمقتضاها قادرا على معرفة الحقيقة أي الوجود كماهو وبشكل مستقل عن كل تمثيل والاعتقاد
بإمكانية بلوغ المطلق في ذلك.من هذا المنطلق يكون التعصب هو شكل من اللاتسامح يدفع
بكل الطرق إلى اضطهاد الغيرية بجميع الوسائل الممكنة من أجل الانتصار إلى الأنا وتحقيق
مجموع مصالحها. فكيف تكون فلسفة النقاش والعقلانية النقدية التواصلية هي العلاج الشافي
من التعصب والدوغمائية؟ وألا يقتضي النقاش العمومي ممارسة النقد والتدرب على الحرية
والتفكير العقلاني؟الأنوار
lumières   لغة هي من النور والإضاءة والظهور والانكشاف والتجلي وكلها ضد الظلام والتخفي والعتمة والمكوث
في الكهف ويحارب الكسل الذي يسبب القصور والتخلف ويناهض الجبن الذي يكرس الوصاية والاستغلال،
وليست قيمة التنوير في ذاته بل في ما يحدثه من تأثيرات على الذهن وما يوقظه في القلب
من أفعال إرادية وما ينبه اليه العقل من أفكار ثورية وما يحركه في النفس من مقاومات
للمألوف وتنبيه للحرية من الغفلة والتيه
.
إن حركة التنوير تدافع على الحرية
الفردية وعلى الاستعمال المنهجي والعلني للعقل في كل أمور المجتمع ومقتضيات الحياة
وتفضي إلى الاستقلالية الذاتية والتربية الأخلاقية للشعب. كما أنها تجعل العقل يعزف
عن الاستخدام الوظيفي لملكاته وما يسبب ذلك من انغلاق وأحادية ويشرع في الاستعمال النقدي
الحر وينقل الإنسان من كونه موظف إلى درجة المواطن الذي يتمتع بجملة من الحقوق ويمارس
عدد من الواجبات ويتحمل مسؤوليته كاملة.هكذا تكون الثورة السياسية هي الفعل الاجتماعي
المؤسس لمؤسسة الحرية والاستقلالية وتكون الحرية هي شرط الإمكان الذي يساعد على انبثاق
الأنوار التي تغير الاتجاه الفكري لدى الناس من التعويل على الغير إلى الاعتماد على
النفس ونقل السلطة من الاعتقاد إلى العقل ومن المطلق إلى الإنسان ومن السماء إلى الأرض
والإقرار بأنه لا سلطة على العقل إلا العقل ذاته وأن معركة الحقيقة والعلم مع الخرافة
والوهم هي معركة مصيرية ومستمرة.في الفلسفة ظهرت استعارة النور منذ ما قبل السقراطيين
للإشارة إلى معقولية الوجود وقد وضع أفلاطون الشمس على قمة عالم المثال وأكد على أهرمية
قيم الخير والحق والجمال ونفس الشيء فعله ديكارت حينما ربط موهبة العقل العادلة عند
جميع الناس بالنور الفطري وطرح الذات العارفة في استقلاليتها ووضوح أفكارها وتميزها
الأنطولوجي عن بقية الكائنات. زد على ذلك بين هيدجر أن انكشاف الوجود يعلن عن نفسه
من خلال الدازاين عن طريق استعارة النور ويعتبرها الاستعارة المطلقة بسبب قدرتها على
ترجمة لغة الوجود.لقد ظهر التنوير في حضارة اقرأ منذ الدعوة الى الاعتبار من ظواهر
الكون وفتح باب الاجتهاد العقلي في النص والإقرار بحرية الاختيار ووضع خصائص للسان
العربي وكتابة مقالة في الفلسفة الأولى وقانون كلي في الطب ونقد العقل القياسي واعتماد
ملكة التعقل النظري والتدبير العملي والتخلي عن العقل الفعال والتعويل على منهج السبر
والتجريب وإدراج مسائل الحكم ضمن دائرة التشاور والتفاوض والدراية الجماعية بشؤون الدنيا،
وإسناد أمور المعاش إلى فقه المعاملات وفهم الاستخلاف على أنه ائتمان وتعمير.والحق
أن الأنوار هي حركة ثقافية وأدبية وفلسفية تؤمن بالثورة على السائد وتقاوم الجهل والتأخر
وتعمل على تحرير العقول من الخرافة والأوهام وتفكك آليات التعصب والدوغمائية وتنتصر
إلى الحريات والمواطنة وتفجر الطاقات وتهتم بالأبعاد الجمالية والإيتيقية للكون وتجعل
من طريق التقدم العلمي والتقني هو الدرب التحرري الذي يقود الإنسانية نحو الرفاه والسعادة.
فهل يجوز التعصب إلى المسار الثوري العربي؟ وكيف يسقط التحليل الثوري من حسابه الفعل
النقدي ويتحول في بعض الأحيان إلى سياق تترعرع فيه النزعة الدوغمائية؟ ألا تحتاج الثورة
إلى فكر ثوري؟ وأليست حركة الأنوار هي أعظم فكر ثوري في التاريخ يحتاج الى المراجعة
النقدية والتطوير السياقي والتعديل الظرفي وفق المتغيرات الزمنية؟