كتاب التربية في الوطن العربي

كتاب التربية في الوطن العربي
انت هنا ..
  • مكتبة
  • كتاب التربية في الوطن العربي
Estimated reading time: 4 min
التربية في الوطن العربي

بقلم:  ملكة أبيض
ينطلق هذا الكتاب من رؤية موسعة للتاريخ العربي، في الزمان، كما هي في المكان.

فالمكان أو الرقعة الجغرافية التي ينتشر عليها الوطن العربي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ويضم إحدى وعشرين دولة ـ كما هو معروف.

ولكن الزمان الذي يشكل التاريخ العربي ما يزال موضع خلاف. فالبعض يعود به إلى فترة قصيرة تسبق الإسلام، يسميها الجاهلية، والآخر يرجع إلى حقب طويلة تواكب نشوء الحضارات في هذه المنطقة من العالم، ويعبر عنها قول الشاعر العربي سليمان العيسى:

وأَبعدُ نحنُ من عبسٍ
ومن مُضرٍ نعم أَبعدْ
حمورابي وهاني بَعْلْ
 بعضُ عطائنا الأَخلدْ
لنا بِلقيسُ والأهرامُ
والبَرديُّ والمعبدْ
ومنَ زيتوننا عيسى
 ومن صَحرائنا أحمدْ
ومنا الناس – يعرفها
الجميع – تعلموا أَبجدْ

 وهذا هو منطلقنا.


لقد قسمنا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الجذور التاريخية للتربية العربية؛

الثاني: التربية العربية من الجاهلية إلى العصر الحديث؛

الثالث: التربية العربية في العصر الحديث.

وأود أن أتوقف هنا بعض الشيء عند القسم الأول، لأنني واجهت فيه بعض الصعوبات. فالفترة التي يعالجها هي فترة نشوء المدن ثم الإمبراطوريات، لذلك نراه أشبه ما يكون بالفسيفساء التي تتكون من قطع صغيرة، وتبدو متباينة في البداية، وترد تحت أسماء مختلفة؛ ولكنها تشكل تدريجياً منظومة، بل لوحة متكاملة لها كيان محدد، وخصائص متميزة.

لقد توقفت في هذه اللوحة عند منطقتي وادي الرافدين، ووادي النيل، بقدر من التفصيل فيما يتعلق بأوضاعهما السياسية والاجتماعية والتربوية، مع إغفال ثلاث مناطق: بلاد الشام (سورية ولبنان والأردن وفلسطين) والجزيرة العربية (دول الخليج واليمن)، والمغرب العربي الكبير (وفيه المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وغيرها). ومردّ ذلك أن المنطقتين الأوليين حظيتا بقدر كبير من أعمال التنقيب والبحث، وتوجد بشأنهما دراسات وافية. أما منطقتا الجزيرة العربية والمغرب العربي، فما تزالان بحاجة إلى الكثير من أعمال التنقيب والبحث لإلقاء الضوء على ماضيهما السياسي والثقافي، ولا سيما أن منطقة المغرب تعرضت إلى استعمار غربي حاول أن يطمس شخصيتها الثقافية، ويزرع التفرقة بين أبنائها ليتمكن من طبعها بطابعه.

أما منطقة بلاد الشام فقد حظيت ببعض أعمال البحث والتنقيب الجيدة في القرن العشرين ومنها:

١- يقول فيليب حتي في كتابه «تاريخ العرب»، خلال بحثه عن الأنباط: نزل الأنباط الأرض الواقعة إلى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء، حوالي ٥٠٠ ق.م. وهناك بنوا عاصمتهم البتراء بعد احتكاكهم بالرومان.

كانوا يتفاهمون بلغة عربية، ولم يكن للعربية حروف تكتب بها في تلك العصور القديمة، فأخذوا صور الكتابة الآرامية عن جيرانهم في الشمال، واستعملوا الآرامية لغة للعلم والأدب. وقد تطور الخط النبطي عن الآرامي وأصبح في القرن الثالث للميلاد الخط المألوف في لغة عرب الشمال أي لغة القرآن ولغة العصر الحاضر. وهذا التطور جعل من الخط النبطي القديم خطاً نسخياً مستدير الشكل بخلاف الخط الكوفي ذي الزوايا الذي نشأ في الكوفة واقتصر استعماله على نسخ القرآن والوثائق الرسمية الأولى، والأنصاب التذكارية والمسكوكات.

ومن أقدم الرقم العربية عهداً «رقيم النمَّارة» في شرق حوران، ويرجع إلى ٣٢٨م. وقد أرخ به قبر امرئ القيس، أحد ملوك اللخميين بالحيرة.

٢- جاء في كتاب علي القيّم «سورية وعمقها الثقافي» حول مملكة أوغاريتالتي يجري اكتشافها في رأس شمرا على الساحل السوري منذ (١٩٢٩)، أن هذه المملكة بدأت في القرن السابع ق.م. قرية صغيرة، ثم تطورت إلى حاضرة كبرى مستفيدة من غنى أراضيها، وموقعها المتوسطي الجميل، ونشاط سكانها. وقد أعطى التنقيب فيها رقماً طينية، كتبت بثماني لغات، وتضمنت مادة غنية لدراسة مختلف جوانب الحياة في سورية القديمة…

لقد كتب الأوغاريتيون النصوص الدينية وبعض الرسائل بالأبجدية، بينما سطروا رسائلهم إلى بلاد ما بين النهرين ومصر وآسيا الصغرى بالخط المسماري الأكادي الذي كان الجميع يعرفونه في الألف الثاني ق.م.

وقد وجدت في كتابات أوغاريت ترجمات لقصائد أدبية تصلح للغناء والتمثيل… كما اكتشف رقيم دوّن على وجهه الأول كلمات شعرية مهداة لآلهة القمر (نيكال)، وعلى الوجه الثاني دوّنت «النوطة» الموسيقية لهذه الأنشودة التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر ق.م… لقد اتضح من خلال الدراسات الدقيقة التي تمت حولها أنها مدوّنة بأسلوب السلم السباعي الموسيقي، وهي نفس المقامات الصوتية المنسوبة إلى «فيثاغورس» اليوناني عام ٥٠٠ق.م، أي أن أنشودة العبادة الأوغاريتية وسلمها الموسيقي أقدم من سلم فيثاغورس بنحو ٩٠٠ عام وربما أكثر.

٣- وجاء في الكتاب نفسه أن البرفسور «باولو ماتييه» تحدث في رومان عن عثور بعثته عام١٩٧٥ في مملكة «إيبلا» شمالي حلب، على نحو ١٧ ألف رقيم طيني مسماري بدلت تاريخ الشرق القديم لدى قراءتها. فهذه المدينة ـ المملكة كانت جسراً بين نهر الفرات وحضارة البحر المتوسط، ونقطة عبور طبيعية بين الدروب التي كانت تربط بلاد ما بين النهرين بوادي النيل…

استعارت إيبلا نظام الكتابة من مدينة «كيش»، وتأثرت تأثراً شديداً بأسلوب الكتابة والمراسلات المتبعة في مدارس «أكاد»، ولم تقف عند هذا الحد، بل عملت على تطوير شخصيتها المتميزة. وتتلخص النتائج التي توصل إليها علماء الآثار والتاريخ في النقاط التالية:

– لغة إيبلا هي ثاني أقدم لغة سامية بعد اللغة الأكادية، وكلاهما كانتا أماً للغات المتعاقبة كالبابلية، والآشورية، والأوغاريتية، والفينيقية، والآرامية، والعربية الجنوبية. كما أن لغتنا العربية الشمالية قد ورثت جميع المفردات التي استخدمتها إيبلا في كتاباتها.

– يشكل كنز إيبلا الكبير المؤلف من أكثر من ١٦ ألف رقيم مسماري أقدم وأضخم مكتبة وثائقية في تاريخ البشرية.

– احتوت رقم إيبلا على أقدم نصوص أدبية معروفة في بلاد الشام، وفيها قصائد، وترانيم، وأساطير، وأمثال تعود إلى أوائل النصف الثاني من الألف الثالث ق. م.

– عرفت إيبلا «الموسوعات» وهي كتب كانت تحوي معلومات أساسية موزعة على أبواب المعرفة (نبات ـ حيوان ـ معادن ـ أماكن جغرافية الخ..) وكانت مدرسة إيبلا أو أكاديميتها التي تعود إلى الألف الثالث ق.م. متقدمة بشكل ملحوظ بحيث أنها كانت تنافس المدارس السومرية المعاصرة لها في أوروك، ونيبور، وغيرها… وكانت على صلات بهذه المدارس، بل أنها كانت تدعوها لعقد «مؤتمرات علمية». وكان المدرسون في سومر يؤمون إيبلا ضيوفاً على مدرستها…

٤- كما تحدث الكتاب نفسه عن تنقيب بدأ منذ ١٩٣٣ في تل الحريري في الجزيرة السورية، برئاسة العالم الفرنسي «اندره بارو»، ويستمر العمل فيه حتى اليوم.

لقد ظهرت في هذا الموقع بقايا عدة مدن متراكمة بعضها فوق البعض الآخر، تأسس أقدمها وهي مملكة ماريفي منتصف القرن الرابع ق.م. وقد اكتشف منها القصر الملكي، و العديد من المعابد للآلهة عشتار وغيرها.

والاكتشاف الذي يهمنا هنا هو العثور على مكتبة ضخمة تضم نحواً من ٢٥ ألف رقيم مسماري، قدمت لنا معلومات كثيرة عن لغة سامية قديمة هي الأكادية، يعود تاريخها إلى الألف الثالث ق.م. وبداية الألف الثاني ق.م. وعن امتداد حدود المملكة في فترة ما إلى البحر المتوسط.

انهارت المملكة حين اكتسحها «حمورابي» ملك بابل نحو ١٧٥٠ق.م. بعد أن كانت منارة من منارات العالم القديم.

٥- ويذكر فيليب حتي، في كتابه «تاريخ العرب» أيضاً، أن المنقبين عثروا على أقدم مثال للكتابة الأبجدية حتى الآن في شبه جزيرة سيناء. وقد أزيح الستار هناك منذ سنوات في ناحية (سرابيط الخادم) عن رقم تحمل هذه الكتابة، وأودعت متحف القاهرة.

ويرجع عهد هذه الكتابة إلى حو ١٨٥٠ق.م..، أي إلى ما قبل نقش «أحيرام» المكشوف عنه في جبيل (بيبلوس في اليونانية) بما يناهز ستة قرون.

وبعد أن مر زمن على نشوء أبجدية سيناء، انتقلت إلى سورية الشمالية حيث استخدمها القوم في الكتابة الإسفينية، كما أثبتت ألواح رأس شمرا (أوغاريت) العائدة إلى أواخر القرن الخامس عشر (Schaffer in Syria, ١٩٢٩)وهذه الكتابة التي وجدت في أوغاريت هي بلا ريب أبجدية سامية. ومع أنها رُسمت على ألواح من الآجر على الطريقة الإسفينية فإن حروفها لم تجر استعارتها من صور الكتابة السومرية ـ الأكادية التي سبقتها.

هذا ما وصل إليه علمي بشأن التربية في منطقة بلاد الشام. وهو ليس بالشيء الكثير، ولا يشكل دراسة متكاملة عن المدارس، والمعلمين، والتلاميذ، والمناهج، وطرائق التعليم الخ.. إلا أنه يؤكد وجود نظم تربوية متكاملة تعلِّم الكتابة، وتدرِّب المتعلمين على أداء المهمات التي تتطلبها الأنشطة المختلفة التي تقوم عليها هذه المجتمعات الحضارية. ومن الضروري قيام المزيد من التنقيبات والبحوث للربط بين معطياتها وإعطاء لوحة واضحة عنها.

  

يجب ذكر المصدر عند الاقتباس: المحمداوي، محمد جواد ،(2020):كتاب التربية في الوطن العربي ،استرجع من موقع عرب سايكلوجي بتاريخ: 20 أبريل، 2021
Was this article helpful?
Dislike 0
Views: 4

Pin It on Pinterest

شاركها وتابع القراءة

Share this post with your friends!