مسألة علمية العلوم الإنسانية – إعداد ذ. عادل بن ملوك

مسألة علمية العلوم الإنسانية - إعداد ذ. عادل بن ملوك

المجزوءة: مجزوءة المعرفة

المفهوم: مسألة علمية العلوم الإنسانية

إعداد الأستاذ عادل بن ملوك

درس عبارة عن ورشة مع تلامذة باك علوم إنسانية

المحاور
  1. مدخل عام
  2. الإشكال المؤطر للمفهوم
  3. تحديدات مفهومية
  4. المسار والسياق التاريخي للعلوم الإنسانية، ما الحاجة إلى العلوم الإنسانية؟
  5. المحور الأول: مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانية
  6. المحور الثاني: مشكلة المنهج: منهج التفسير والفهم في العلوم الإنسانية
  7. تركيب عام
  8. نظريات في علم الإجتماع

العلوم الإنسانية؛ إلى ماذا يحيل هذا
التحديد بالجمع؟ إنه يحيل على أن الموضوع -الذي هو الإنسان- ينفلت من التحديد من جهة
واحدة أو من خلال علم واحد؛ فالعلوم الإنسانية تدرس الإنسان- وتجعله موضوعا لها- من
حيت هو فرد داخل المجتمع(علم الاجتماع)، ومن حيت هو كائن ذا ميولات ورغبات(علم النفس)،
وتدرسه من حيث أن له أعرافا وتقاليد وعادات (الانتروبولوجيا)، وتدرسه كذلك ككائن تاريخي
له القدرة على تمثل ماضيه واستيعابه بغية  تحسين
قيادة مستقبله ومصيره لأن حياته لها معنى وهدف. وهي علوم نشأت ابتداء من القرن التاسع
عشر، انطلاقا من فرضية وإمكانية أن يكون الإنسان موضوع للدراسة مثله مثل باقي الموضوعات
الطبيعية، والذي يمكن أن يكون موضوع معرفة “علمية
“.

لكن أثير جدل كبير حول إمكانية الحديث
عن مسألة علمية العلوم الإنسانية؛ أي هل يمكن الحديث عن العلوم الإنسانية كعلم قائم
بذاته له موضوع ومنهج مستقل وقادر على التنبؤ مثله مثل العلوم الطبيعية التي حققت نتائج
مبهرة في الآونة الأخيرة بإتباعها المنهج التجريبي وقدرتها على التنبؤ؟ أي هل يمكن
إخضاع الظواهر الإنسانية للمنهج التجريبي لتستقي منه اليقين والموضوعية كما في العلوم
الطبيعية أم أن الظواهر الإنسانية لها خصوصيات(الوعي،
الحرية ،الكرامة..)
تحول دون بلوغها ذلك؟
.

إن الإشكال المطروح يحيل إلى تقابل أساسي
بين الموضوعية والذاتية في العلوم الإنسانية؛ الموضوعية التي حققتها العلوم الطبيعية/الحقة/
التجريبية/الدقيقة لطبيعة موضوعها والتعامل معه باعتباره شيئا، والذاتية التي مافتئت
تلاحق العلوم الإنسانية لخصوصية موضوعها. وفيما يلي بعض الفروقات العامة بين:

العلوم الطبيعية

العلوم الإنسانية

الذات(الباحث أو
العالم)

الإنسان(عالم بيولوجيا
مثلا)

الإنسان(عالم الاجتماع
مثلا)

الموضوع

الطبيعة( ظاهرة
البركان، الزلزال،التبخر.)

الإنسان(ظاهرة
التسول،الفقر،التشرد…)

القانون

“تابت”(الماء
يغلي في
c100درجة(

متغير(الإجرام يتغير
بتغير الظروف…..)

المنهج

التفسير= إمكانية
التنبؤ

الفهم= صعوبة التنبؤ
بالفعل الإنساني

علاقة الذات بالموضوع

انفصال=الذات(الإنسان)/موضوع(الطبيعة)

تداخل=الذات(الإنسان)+موضوع(الإنسان)

النتيجة

الموضوعية
Objectivité
(التزام الحياد)

الذاتية
Subjectivité
(تدخل العاطفة)

                                         

الإشكالي المؤطر للمفهوم

 ما هي عوائق
التأسيس العلمي والابستمولوجي للعلوم الإنسانية من حيث طبيعة الموضوع وطبيعة المنهج؟
وهل يمكن تحقيق الموضوعية في دراسة الظواهر الإنسانية كما في العلوم الطبيعية أم أن
تدخل الذات يحول دون تحقيق ذلك؟

ٍ

أولا: تحديدات مفهومية

الموضوعية Objectivité

هي خاصية ما هو
مستقل عن الذات، أي ما يشكل موضع حياد لا مجال فيه للأهواء والعواطف… وفي العلوم
الطبيعية تكون الموضوعية هي نتيجة انفصال الذات الدارسة عن موضوع الدراسة(انظر الجدول
أعلاه
)

الذاتية Subjectivité

هي خاصية ما هو
متصل بالذات، أي ما يشكل موضع تدخل العاطفة والوعي.. وتأتي كمقابل للموضوعية. وفي العلوم
الإنسانية تكون الذاتية هي نتيجة تدخل الذات الدارسة في موضوع الدراسة(انظر الجدول
أعلاه
).

الموضوعة Objectivisation

 وهي دراسة الظاهرة الإنسانية باعتبارها
موضوعا(شيئا) قصد بلوغ الموضوعية بمعنى إخضاع الظواهر الإنسانية للمنهج التجريبي(التفسير)
كما في العلوم الطبيعية(نستحضر هنا المدرسة الوضعية
).

منهج التفسير Expliquer

هو الكشف عن العلاقات الثابتة بين مجموعة
من الظواهر المختلفة من أجل استخلاص النتائج والقوانين، وهو منهج يرتبط بالعلوم الطبيعية
مثلا هناك علاقة سببية بين ظاهرة تمدد المعادن والحرارة حيث أن العلاقة الثابتة(قانون)
في ذلك هي أن كل المعادن تتمدد بفعل الحرارة
.

منهج الفهم Comprendre

وهو ذلك الفعل التأويلي لظواهر الإنسانية
كما عبر عن ذلك ماكس فيبر. وهو منهج يرتبط بالعلوم الإنسانية،  ويقوم  هذا
المنهج على مبدأ أساسي هو أن كل فعل إنساني له غايات ومقاصد الذي وجب أن تفهم وتأول
في سياقات ومرجعيات معينة. مثلا فالإجرام يتدخل فيه مجموعة من العوامل اجتماعية، نفسية،
اقتصادية

ثانيا: المسار والسياق التاريخي للعلوم الإنسانية: ما الحاجة إلى العلوم الإنسانية؟

إن العلم لا يبدأ إلا بمشكلة؛ ولما كان
الأمر كذلك فظهور العلوم الإنسانية لم يكن من قبيل الصدفة، بل كان مرتبطا بمشكلة الإنسان
نفسه، هذا الأخير الذي تم تهميشه بل موته على حد تعبير “ميشيل فوكو”  أو سلب حريته وإفراغه من مقومات الإنسانية بسبب
التقنية بلغة “هربرت ماركيوز” فأصبح ذو بعد واحد ليس مفكر وحرا، بل عبدا
لما ابتكره بذاته. أو بلغة مارتن هايدجر تم نسيان الموجود(الإنسان) والاهتمام بالوجود.
ربما المشترك بين كل هذه الخطابات هو “موت الإنسان” وتجاهله وتمجيد العلم
والاكتشافات العلمية ، وذلك بقيام ثورات علمية وصناعية، وكذا حروب كبرى غيرت منحى الحياة
الإنسانية فجعلته يعيد بناء أفكاره من جديد في ظل أن العلم الذي كان يأمل منه أن يجعله
يعيش في رغد وسلم، هو نفسه  العلم الذي دمره؛
فذلك يمكن أن نستحضر قول جميل لألبرت انشتاين “إن قدر رجل العلم اليوم أن يعيش
وضعا تراجيديا، لقد صنع بجهد يكاد يفوق الطاقة البشرية أسلحة استعبدته اجتماعيا ومحقت
شخصيته…. إنه مكره على الاستسلام لكي تضع له القوة السياسية لجاما، وهو مجبر مثل
الجندي على التضحية بحياته وتحطيم حياة الآخرين وحتى إن كان مقتنعا بعبثية مثل هذه
التضحية
“.

 بهذا وجد الإنسان نفسه مدمرا اجتماعيا
في ظل أنه لم يعد يهمه إلا الربح والجانب المادي عموما، وهذا ما شكل أزمة أخلاقية ساهمت
فيها بشكل كبير الرأسمالية، ووجد نفسه كذلك مثقلا بالاحباطات والأمراض النفسية المتكررة…هنا
بالذات نسي الإنسان إنسانيته، فكان لزاما ظهور علوم تهتم به وتجعله محور اهتمامها،
فظهرت علوم جديدة في بداية القرن 19 بعد استقلالها عن الفلسفة اهتمت بالإنسان سميت
نسبة إليه العلوم الإنسانية( علم النفس، علم الاجتماع، علم التاريخ، الانتروبولوجيا..)
بعدما كانت هناك علوم مهيمنة ومهتمة بالطبيعة قد نزعت استقلالها مبكرا من بداية القرن
16 سميت بالعلوم الحقة ( التجريبية/ الطبيعية
).

 هذا الاستقلال تمخض عنه ظهور مبحث جديدا
سمي الابستومولوجيا كعلم اهتم بالدراسة النقدية للمبادئ و فرضيات ونتائج العلوم، وهذا
الاستقلال للعلوم عن الفلسفة جعل هذه الأخيرة أم ثكلى فقدت جميع أبنائها، إلا أن هؤلاء
الأبناء(العلوم الإنسانية) قد ترعرعوا منذ البداية في حضن أمهم(الفلسفة) فهذه الأخيرة
هي من كانت تهتم بالإنسان انطلاقا من نظرة تأملية لعلاقة الفرد بذاته وبمجتمعه، ويمكن
أن نشير هنا لنموذجين بارزين هما أفلاطون وأرسطو. لكن في الحقبة الوسيطية ثم الانتقال
من تلك النظرة التأملية إلى نظرة تاريخية اجتماعية ذات حس علمي مع المؤرخ المسلم عبد
الرحمان بن خلدون الذي أطلق عليها نعت علم العمران البشري وهو بحت تاريخي في تطور المجتمعات
البشرية التي قسمها إلى طور النشأة، والنضج، والاكتمال والشيخوخة بالاعتماد على النظر
العقلي بذل السرد والنقل الذي كان سائدا لأنه مكمن الاغاليط والتحريفات
.

لكن في الحقبة الحديثة مع كل من هربرت
سبنسر، سان سيمون، واغوست كونت، واميل دوركايهم (المدرسة الوضعية) بدأ التأسيس الفعلي
للعلوم الإنسانية(الاجتماعية) انطلاقا من وضع الأساس المنهجي وتحديد موضوعات الدراسة(الظاهرة
الإنسانية)، والبحث في سبل “علمية” هذه العلوم. وفي القرن 20 تم ولوج الحقبة
المعاصرة للعلوم الإنسانية خاصة علم الاجتماع، وذلك من خلال التأسيس لنظريات قائمة
بذاتها؛ كنظرية الفعل الاجتماعي مع ماكس فيبر، ونظرية الفعل الرمزي مع بيير بورديو،
ونظرية الفعل التواصلي مع يورغن هابرماس. وعموما يمكن أن نلخص ونقول أن ظهور العلوم
الإنسانية(الاجتماعية) كان بمثابة الانتقال من معالجة المشكلات بطريقة فلسفية تأملية
إلى معالجتها بطريقة علمية ومنهجية. لكن نتساءل هنا هل فعلا انفصلت هذه العلوم عن الفلسفة
أم أن هذه الأخيرة ما تنفك أن تطارد أبنائها في بيوتهم الجديدة، وأنها ما فتئت أن تبنت
ابنا جديدا اسمه الابستومولوجيا للقيام بوظيفة التساؤل والنقد؟

ثالثا المحور الأول: مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانية (الإجتماعية)

الطرح الإشكالي

إذا كانت الظاهرة الإنسانية:phénomène humaine   هي ما يكون موضوعها الإنسان إما في بعده
الاجتماعي أو النفسي أو التاريخي… وتعدد هذه الأبعاد هو ما يجعل الظاهرة الإنسانية
تتميز بخصائص منها:واعية، معقدة، متغيرة، صعوبة التنبؤ بها…فهل في ضل هذا التعدد
والتعقيد يمكن موضعة الظاهرة الإنسانية وتحقيق الموضوعية بدراستها كشيء مثلها مثل الظاهرة
الطبيعية أم أن تدخل الذات يحول دون تحقيق 
ذلك؟

الموقف الأول: إمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية مع التصور الوضعي Positivisme سان سيمون واغوست كونت وإميل دوركايم:

 يدعو هذا التصور إلى دراسة الظواهر الإنسانية كأشياء(كل
ما يجري بدون إرادتنا أو تدخلنا) أي اعتبارها كموضوعات طبيعية مستقلة وخارجة عن ذواتا
قصد دراستها بنوع من الحياد من أجل بلوغ الموضوعية كما في العلوم الطبيعية.. أي إمكانية
موضعة الظاهرة الإنسانية ودراستها كموضوع طبيعي، لبلوغ الموضوعية، انطلاقا من التأسيس
لقانون الحالات الثلاث مثلا عند “اوجست كونت” الذي قال أن الفكر البشري مر
من بثلاثة حالات: الحالة اللاهوتية( تفسير الظواهر بكيانات وقوى الهية)، الحالة الميتافزيقية(
تفسير الظواهر من خلال اعتماد مفاهيم مجردة)، الحالة الوضعية وهي التي تعمد على تفسير
الظواهر بطريقة علمية، وهذا التفسير هو الذي كان يطمح له كونت انطلاقا من نعته لعلم
الاجتماع بالفيزياء الاجتماعية؛ أي محاولة موضعة الظاهرة الإنسانية(الاجتماعية) كظاهرة
شبيهة بالظاهرة الطبيعية، وفي ذلك يؤكد تلميذه دوركايهم في كتابه ” قواعد المنهج
السوسيولوجي ” أنه يجب التعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء،أي أنها
قابلة للملاحظة الخارجية، وتتميز بالقهرية والإلزام. وهي ظواهر جمعية وشمولية. لهذا
فهي تقبل التحديد الدقيق والتكميم والخضوع للقوانين مثل الظواهر الطبيعية. لكن هل النداء
بموضعة الظاهرة الإنسانية والتعامل معها كأشياء لغرض بلوغ العلمية في العلوم الإنسانية
ألا يجعل ذلك على حساب إنسانية الإنسان وخصوصيته؟

الموقف الثاني: صعوبة موضعة الظاهرة الإنسانية مع التصور الإبستمولوجي التكويني لجون بياجي

ينتقد بياجي التصور الوضعي لأنه يدرس
الظاهرة الإنسانية كأشياء، وهذا ما يفقد الإنسان مقوماته الذاتية كالحرية والكرامة
بالإضافة إلى أنه يستحيل دراسة الظاهرة الإنسانية كموضوع طبيعي لأنها تتميز بخصوصيات
من أبروها الوعي الذي لا يمكن إخضاعه لتكميم والتحديد الدقيق، وهذا ما يحول إلى فشل
دراسة الموضوعات الإنسانية كأشياء. يقول بياجي:” الوضعية الإبستمولوجية المركزية
في علوم الإنسان، تكمن في كون أن الإنسان في هذه العلوم ذات و موضوع، بل ذات واعية
ومتكلمة وقادرة على أنواع من الترميز مما يجعل الموضوعية وشروطها الأولية المتمثلة
أساسا في إزاحة تمركز الذات حول ذاتها تعترضها صعوبات. فالعالم لا يكون أبدا عالما
معزولا بل هو ملتزم بشكل ما بموقف فلسفي أو إيديولوجي..”وفي ذلك يقول كذلك الفيلسوف
وأركيولوجي المعرفة الفرنسي ميشيل فوكو” فالعلوم الإنسانية تتجه إلى الإنسان من
حيت هو يحيا ويتكلم وينتج، ولما كان الإنسان حيا فإنه ينمو، ولديه وظائف وحاجات. ويرى
أمامه مجالا ينفتح له في نفسه إحداثيات متحركة” وهذا ما يجعل الظاهرة الإنسانية
ظاهرة تتميز بخصائص منها:واعية، معقدة، متغيرة، صعوبة التنبؤ بها…وهذا ما يحول أو
يجعلها غير قابلة للموضعة كما في العلوم الطبيعية
.

رابعا: المحور الثاني: مشكلة التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

الإشكال:

هل يمكن تبني منهج التفسير من
العلوم الطبيعية لدراسة الظاهرة الإنسانية أم أن خصوصية موضوع هذه الأخيرة يحتم عليها
الاعتماد على منهج الفهم الخاص بها؟

الموقف الأول: تبني منهج التفسير لدراسة الظاهرة الإنسانية مع التصور الوضعي Positivisme نموذج إميل دوركايم:

يرى  عالم الاجتماع دوركايهم أنه لدراسة الظاهرة
الاجتماعية -باعتبارها ظوهر مستقلة عن الذوات الواعية، أي دراستها كأشياء خارج عن الذات
وذلك أنها تعطانا، من الخارج باعتبارها أشياء- وجب تبني منهج التفسير(المنهج التجريبي)
لما حقق من نتائج موضوعية في العلوم الطبيعية، وقد حاول دوركايهم تطبيق ذلك من خلال
اشتغاله على ظاهرة الانتحار بتطبيق طريقة إحصائية استنتج من خلالها عدة نتائج منها:
أن معدل انتحار العزاب أكبر من معدل انتحار المتزوجين، ومعدل انتحار غير المتدينين
اكبر من معدل انتحار المتدينين…. ليبين وجود علاقة سببية بين الانتحار ودرجة اندماج
الفرد في المجتمع أي كل ما قل التضامن بين أفراد المجتمع ارتفع معدل الانتحار. قلنا
إن التفسير  هو الكشف عن وجود علاقة ثابتة بين
ظاهرتين مختلفتين وهذا ما سعى إلى تطبيقه في ظاهرة الانتحار كما يمكن أن نطبقها في
ظواهر اجتماعية مختلفة مثلا  هناك علاقة بين
ظاهرة الإجرام وظاهرة البطالة.. ومن تقنيات هذا المنهج هو اعتماده الطريقة الاحصائية
الرياضية أي جمع البيانات وعرضها وتفس
dرها وفق ما تعنيه
الأرقام المحصلة عليها. وعالم الاجتماع في هذا المنهج يحدد المشكلة، تم يصوغ الفروض
الممكنة، تم يحدد المتغير المستقل والتابع، وبعد ذلك تحديد شروط التجربة هذه الأخيرة
التي تتخد تلاثة أنواع: تجربة المجموعة الواحدة أو التجربة  على مجموعتين ّأو التجربة على عدة مجموعات(ارجع
إلى التطبيقات) ليخلص في الأخير بتحديد وتصنيف العوامل المتحكمة في الظاهرة. لكن هل
يمكن تحقيق الدقة التجريبية في الظواهر الاجتماعية مع وجود مجموعة من المتغيرات الخاصة
والمتحكمة في كل مجتمع معني بالدراسة؟
 

الموقف الثاني: اعتماد منهج الفهم كتأويل للظاهرة الإنسانية مع التصور الفينومينولوجي: نموذج فيلهام ديلتاي وموريس ميرلوبونتي:

يقول دلتاي في كتابه ” عالم الروح ” إن ” الطبيعة تفسر وأما حياة الروح
فهي تفهم ” ليوجه بذلك نقدا مباشرا للتصور الوضعي الذي يفرغ الفرد من مقوماته
الإنسانية بتبنيه منهج العلوم الطبيعية في دراسة الظواهر الإنسانية. وبدل ذلك  يؤسس دلتاي لبعد آخر في العلوم الإنسانية وهو البعد
التأويلي القائم على منهج الفهم الذي له إمكانية مقاربة الواقع الإنساني الذي هو واقع
تاريخي واجتماعي. ولما كان الإنسان كائنا واعيا وحرا فلا يمكن أن نقتصر في دراسة سلوكه
على ملاحظته من الخارج، بل من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار الدوافع الداخلية لسلوكه
المرتبطة بالغايات والمقاصد التي تحركه. ولهذا فكل محاولة لدراسة الظواهر الإنسانية
باستلهام منهج التفسير من العلوم الطبيعية كما فعلت المدرسة الوضعية سيسقط فقط في نظرة
سطحية لسلوك الإنساني بإفراغه من خصوصياته الهوياتية كالوعي والحرية…وفي ذلك يؤكد
موريس ميرلوبونتي في كتابه “فمينولوجيا الإدراك” أن عالم الإنسان هو عالم
التجربة المعيشية التي تتمحور حول معرفة ذواتنا والعالم المحيط بها. وفي ذلك ينتقد
ميرلوبونتي التيارات العلمية الوضعية التي أهملت وتجاهلت أن طبيعة الموضوع المدروس
في العلوم الإنسانية ليس شيئا تابتا، بل هو ذاتا تحيا عالما خاصا بها وبالتالي فهي
المصدر المطلق لكل معرفة
.

خامسا: تركيب عام

لقد أثير الكثير حول إشكالية الموضوعية
والذاتية في العلوم الإنسانية، وذلك مما تتصف به هذه الأخيرة من خصوصيات تتجلى في أن
الإنسان –بلغة مجازية- هو القاضي والمتهم في نفس الوقت، هذا ما يجعل من النتائج المحصلة
في هذه العلوم تنعت بالذاتية أو قل العاطفية أو في بعض الأحيان بالإيديولوجية… مما
أثار جدلا واسعا حول استعارة أو قل تبني مناهج العلوم التجريبية لما حققته هذه الأخيرة
من تقدم وازدهار في تطوير الجنس البشري عموما. لكن ألا يمكن اعتبار أن الموضوعية في
العلوم الإنسانية هي من نوع جديد تبنى أساسا من تداخل الذات و الموضوع؟

هذه الإجابة نجدها عن كل من “واريني”
و أطولرا”  إذ يقران في (كتاب إتنولوجيا
وأنتربولوجيا) أنه لا ينبغي اعتبار هذا التداخل بين الذات و الموضوع في العلوم الإنسانية
أمرا ينعكس سلبا على علمية هذه العلوم، بل الأمر عكس ذلك فهذا معطى ومؤشر على ضرورة
ملائمة المنهج التجريبي مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، خصوصا و أن العلوم الطبيعية نفسها
أصبحت تعرف وضعية مماثلة في مجال الفيزياء النظرية، التي أصبح العالم يبني الواقع انطلاقا
من تدخله في بناء الظاهرة وفق ما تمليه الضرورة العلمية. هذا إن دل على شيء فإنما يدل
على أن مفهوم الموضوعية لم يعد مفهوم جامدا وتابتا، بل أصبح ملازما لخصوصية كل علم
على حدة
.

سادسا: نظريات في علم الإجتماع

نظرية الفعل الإجتماعي مع ماكس فيبر:

الفعل الاجتماعي الذي يعرفه فيبر على هذا النحو”يكون
الفعل اجتماعيًا؛ إذا تعلق معناه المقصود من قبل فاعله أو فاعليه بسلوك الآخرين، الذين
يوجهون حدوثه” بهذا المعنى يكون الفعل اجتماعيا قصديا، أي أن كل فعل قصدي هو فعل
اجتماعي، ويعطي مؤسس علم الاجتماع المعاصر- 
الألماني ماكس فيبر- أهمية كبيرة للفرد لأنه هو الفاعل الأساسي في بناء  الوضعيات الاجتماعية، أي أن للفرد أسبقية على المجتمع
خلاف ما ذهب إليه رائد الاتجاه الوضعي –الفرنسي اميل دوركايهم- إذ يؤكد على أسبقية
المجتمع على الفرد هذا الأخير الذي يجد نفسه خاضع لسلطة المجتمع ضمن المجتمع الذي ينتمي
إليه وليس له كيان مستقل لأنه محكوم بالضمير الجمعي
.

نظرية الفعل (التفاعل) الرمزي مع بيير بورديو

 يرى بيير بورديو عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر: أن المجتمع يمارس سلطة رمزية
على الأفراد تكون بمثابة عنف لطيف خفي يقبله الأفراد بطواعية وبدون وعي أو مقاومة،
وفيه يتم توجيه سلوك الفرد بما يقتضيه المجتمع متوسلا في ذلك من خلال مجموعة من الآليات
كالإعلام (الإشهار) والمدرسة هته الأخيرة على سيبل المثال تدعو من خلالها الدولة إلى  سياسة دمقرطة التعليم -التي دعت إليها فرنسا مثلا-
ما هي إلا إيديولوجيا، بل إنها ألعوبة وأكذوبة تكرس ثقافة تهميش و إقصاء أبناء الفئات
الفقيرة حيث يتم إخضاعهم وتعويدهم على شروط مقبولة تؤثر في بنيتهم الفكرية كما تؤثر
في سلوكاتهم الخارجية على مستوى اللباس، المشي، الكلام … وهو ما يجعل تلميذ هذه الفئات
المحرومة إنسانا مغتربا أمام تلاميذ متميزين بلباسهم و أفكارهم وطريقة كلامهم، فيصير
هذا التلميذ ( ابن الفئات المعوزة ) في الأخير شخصا مقهورا مغلوبا على أمره، وبشكل
تدريجي يمارس عليه إقصاء من الداخل، فلا يجد أمامه في الأخير إلا العيش على أنقاض والديه
( ابن الفلاح = فلاح، ابن الإسكافي = إسكافي
 …(.

نظرية الفعل (العقل) التواصلي مع يرغن هابرماس:

يؤكد -عالم الاجتماع الألماني المعاصر
ورائد الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت(النظرية النقدية)- على إن من مساوئ اللهث وراء
التقنية فقدان الإنسان إنسانيته؛ فالتقنية لا تتجلى فيما هو تقني، إنها تتجاوز البعد
ألأداتي إلى البعد السلطوي التي تفرضه على الإنسان في طريقة وجوده، فالإنسان لم يعد
يظهر وينكشف- بلغة هايدجر- كإنسان إلا من خلال تبعيته لنظام التقنية، لقد جعلت منه
كائنا مستهلكا ومستلبا في أنحاء وجوده حيث في ظل الاستعمال المفرط للتقنية وهيمنتها
على الحياة البشرية لم تحرر الإنسان بقدر ما جعلته عبدا خاضعا لقد تم إحلال الآلة محل
الإنسان، فأصبح تفكيره اداتيا مما جعله يفقد أسمى مقوماته الإنسانية ألا وهي الحرية.
وهذا ما جعل العقل الإنساني يتحول من عقل تواصلي عقلاني تنويري(الكانطي) فعال قادر
على تحمل مسؤوليته إلى عقل أذاتي مستلب لا يفكر بل يفكر بذله، هذا ما أثر على الحياة
الاجتماعية ككل، فالعلم الذي كان يعد الإنسان 
بالسعادة والعدالة الاجتماعية… تحول إلى أداة قتل( القنبلة الذرية، الحروب،
الديكتاتورية، الرأسمالية المتوحشة..)