اشكاليات العمل التنظيمي

       يتضح كما اوردنا سلفا ، ان العلاقات التنظيمية في التنظيمات البيروقراطية (العراقية) تشوبها جملة من الاشكاليات ، هي نفسها معوقات وظيفية نحو الارتقاء بواقع هذه التنظيمات .

       اولا : اشكالية الرئيس : لاشك ان مواقع القوة في التنظيمات البيروقراطية ، حالة حساسة كونها تتمثل في حزمة القرارات المصيرية ، التي تسير عمل التنظيمات ورتابة سلوكها الاداري . ولكن هذا الامر لا يتوقف عند حد اصدار القرارات فحسب ، وانما يتمثل في امكان الرؤية العامة والفنية والادارية للرئيس تجاه كل حيثيات وتفاصيل الاقسام والوحدات الادارية في التنظيم ، بمعنى اخر ، لابد للرئيس ان يعي جيدا توازنات التنظيم وتغيراته ، ممل يجعل الرئيس موفقا في ادارة المؤسسة ، الى جانب هذا ، فانه لابد من اقرار لحالة التوافق مع مشاكل المرؤوسين والتحرك وفقا لما يعانيه المرؤوسين ، وما يتطلبون من محفزات.

       ان العلاقة بين الرئيس والمرؤوسين ، قد يشوبها شوائب عديدة ، لاسيما ونحن نتحدث عن واقع العمل التنظيمي في العراق ، فالعلاقة بينهما لا تخضع احيانا لمتطلبات الدور والمكانة داخل التنظيم ، وانما تخضع لعملية تبادل منافع (شخصية) ، غالبا ما يتكلل ذلك بغبن واضح يلحق بالاعضاء الذين لا يمتلكون القدرة التواصلية من هذا النوع ، اي انهم لا يحبذون اقامة علاقات خارج سياق اللوائح القانونية ومتطلبات الدور ، مما يجعلهم في نظر الرؤساء (اشخاص خارج اجندتهم) ، بمعنى ان لا تمنح لهم الامتيازات او المكانات الادارية المناسبة .

       وهكذا ، فان المجاملة تطغى على السياق الاجتماعي ــ التنظيمي للمرؤوسين والرؤساء . وفي احيان كثيرة يبرر هذا النوع من العلاقة في سياق اللوائح القانونية ، وعندها يصبح القانون وسيلة لتمرير مخططات الهيئة الرئاسية والبعض من المرؤوسين الذين يمكن ان يطلق عليهم بـ (الوصوليون ، الطفيليون) ، وهنا يأتي السؤال : هل يا ترى ان هذا النوع من العلاقات ، يمثل نوعا من الفساد الاداري ؟ الاجابة هنا تأتي في ظل فهم السياق العام للعلاقة ، وبعد ايضاح ذلك كما اتضح في اعلاه ، يصبح واضحا ان هذا النوع من العلاقات يمثل فسادا اداريا ، طالما اذا اضفنا الى فهمنا ، ان الفساد ما يفسد الشيء فيحوله الى حالة غير سوية وخارج اطار الاخلاق المهنية .

        ثانيا : اشكالية المرؤوسين : ان الحديث هنا ، يتضمن ضمن جنباته مستويين من المرؤوسين :

المستوى الاول : المرؤوسين الذين يطلق عليهم (الوصوليون ، الطفيليون)

المستوى الثاني : المرؤوسين الذين يطلق عليهم (الحياديون ، المهنيون)

       ان الفئة الاولى ، لديهم القدرة على تقمص ادوار خارج نطاق مشروعة العمل التنظيمي ، مستغلين بذلك هفوات الرئيس او خصائصه النفسية والشخصية ، التي تتوافق مع منطق المحاباة والمجاملات ، مما يجعل الوصول اليهم سهلا وفي متناول اليد ، وعند هذا الحد ، ممكن ان تتكون شبكة علاقات خارج السياق التنظيمي (القانوني) . اما الفئة الثانية ، فهم تلك المجموعة التي تسعفها تربيتها الخلقية والمهنية في اشراط حالة التواصل مع قنوات مراكز القوة بناءٍ على متطلبات الدور واللوائح القانونية ، وهذه الفئة ــ بلا شك ــ تمثل الجانب الفني والاداري الصرف ، والذين يلتزمون المنطق العلمي في ادارة الحركة والوقت والاجراءات الادارية الاخرى .

      وهذا المعنى هو ما اشار اليه (فردريك تايلور) في نظريته عن الادارة العلمية. ان هذا المستوى من المرؤوسين هو الكفيل في الحفاظ على توازن التنظيم وسير عمله بطريقة عقلانية ، لكن اذا ما افترضنا ان هذه الحالة ليست متوافرة في التنظيمات عموما وفي العراق حصرا ؟ فما هي الاسباب التي تعيق ذلك ؟ لاشك ان المسألة هنا لا تتعلق بالسياق التنظيمي ــ الداخلي فقط ، وانما يجر الامر الى السياق الاعم ، الذي نتواصل من خلاله مع بعضنا البعض ، وتصبح علاقاتنا واسعة جدا ، ذلك السياق هو (المجتمع) . فهو ينفذ بقواه الفاعلة من تنظيمات اجتماعية محلية صوب التنظيم الرسمي ، مؤثرا في تغيير اتجاهات الادارة لصالح متطلبات اجتماعية تقليدية من قبيل: (حق القرابة ، حق المصاهرة ، حق الانتماء الحزبي ، حق الانتماء العشائري…) وهنا يصبح البساط مفروشا كما يشاء المرؤوسين (الوصوليون) ، الذين يستغلون هذا الحال ممررين رغباتهم وطموحاتهم الغير مشروعة . وهذه الحالة بمجملها تكون خاضعة لحالة ليست طبيعية ، خاصة عندما يرتبط الحال بوضع سياسي وقانوني وامني مربك ، لا يخيف المقصرين بقدر ما يفسح لهم المجال لتمرير ما يرغبون بتمريره .

      اشكالية العميل : بعد ان اتضح ، ان ثمة رؤوساء (مدراء) ، وثمة مرؤوسين (موظفون) يتحركون بوسائل مراوغة وخادعة للتحايل على اللوائح القانونية والمنطق العلمي لإدارة المؤسسة ، يصبحون عندئذ عوائق حقيقية امام تحقيق الهدف الاساسي لأي تنظيم الا وهو (خدمة العملاء) ، والا فما الداعي اذا من وجود التنظيمات . فالتنظيم وجد اصلا لهدف يصبح بالتالي مبررا شرعيا لوجوده ، ولكن الحال في العراق ليس مطمئنا تماما من هذه الناحية ، علما ان الاشكاليات التي اوضحناها (اشكالية الرئيس واشكالية المرؤوسين) تدلل بلا ادنى شك ، على حالة المعوقات الوظيفية بلغة (ميرتون) التي يتقاطع من خلالها (الوسائل ــ الغايات) ويصبح من ثم العميل او المواطن او المراجع خارج الحسبة المعقودة بين الرئيس والمرؤوس ، وعندها يكون العميل ذاته شخصا رهن هذه العلاقة ، مما يدفعه هذا الى اللجوء لاساليب تقربه اكثر من انجاز مشروعه او معاملته ، او اي شيء من هذا القبيل .

  وتلك العملية بطبيعتها تجعلنا ندور في حلقة مفرغة ، حلقة تنتج وتعيد انتاج نفس المعوقات الوظيفية ، وبالتالي ، نكون امام خيارات خارج نطاق السياق التنظيمي الرسمي ، وعندها ايضا يتحرك كل من الرئيس والمرؤوس والعميل بعيدا عن (اخلاقيات العمل او التنظيم) . وفي هذه الظروف الغير مستقرة ، يصبح التنظيم بيئة مؤاتيه لتفشي حالات الفساد الواضحة وبمختلف انواعه ، ومن ثم ، فان هنالك مجموعة من الحالات المعوقة تترتب على الاشكالات الثلاث اعلاه :

  • اشكالية ضعف الديموقراطية في التنظيمات

لاشك ، ان ليس كل جوانب وقرارات التنظيم هي بحاجة الى مشاركة واسعة في الاتفاق على طبيعتها ، ونفاذ تأثيرها ، ولكن هنالك بعض القرارات هي بحاجة حقيقية الى الوضوح والتفسير ، وهذا لا يتم الا في ضوء مساحة ديموقراطية داخل التنظيم ، تسمح بالنقد والايضاح ، وهذا من شأنه بطبيعة الحال ان يجعل القرارات الصادرة اكثر فاعلية ورصانة في التطبيق .

وفي ظل غياب هذه النقطة تحديدا ، فان أمر التفرد بالسلطة وارد جدا ، ولعل هذه احدى اشكاليات الواقع التنظيمي في العراق ، اذ على الرغم من خوض العراق للعبة الديموقراطية منذ عام (2003) الا ان ترسيخ ثقافتها ما زال عالقا وواقعا تحت مطرقة تفرد الرؤوساء بقراراتهم وسندان الثقافة الاجتماعية السائدة ، التي تتدخل في توزيع المناصب وتوزيع القرارات ..

  • اشكالية القيم الريفية ــ الحضرية

ان التنظيمات البيروقراطية هي منجز حضاري ، وهذا يعني انها احدى عمليات التغير الاجتماعي ــ الثقافي ، والبلدان التي استقبلت هذا التغير ، لم تتعامل مع المنجز كما هو ، بل جرت عمليات انتقائية لتعديل وملائمة هذا المنجز مع متطلبات الثقافة المحلية ، واذا ما ايقنا مرة اخرى ، ان طبيعة المجتمعات العربية عموما والعراق خصوصا ، فهي تبدو طبيعة بدوية ــ ريفية ، في بداية تكوينها وما زالت تشكل احد لبنات الثقافة المعاصرة . وهذا بلا شك ، يصعب عملية تطبيق البيروقراطية كما هي .

فمن خصائص العقلية والشخصية العربيتين ، انهما يحثان دائما على الوقار والتزمت في ابراز الذات واتخاذ القرار ، فضلا عن اهمية الالقاب والتبجيل لها ، لذا نرى القاب مكررة دائما من قبيل : (الدكتور ، معالي الوزير …) فعند ذلك يصبح الخطاب الرسمي دائما هو السائد ، مما لا يدع مجالا للفكاهة ، بل يزيد من رَوتّنة الاعمال فتصبح مملة ، لدرجة ان الموظف لا يرغب في الالتزام بالدوام بشكل مستمر ، ويعمد الى الاكثار من الاجازات والتغيب ، في حين ان هذا المعنى في البيروقراطيات الحديثة الغربية ، لا نجد ذلك الاعتبار الكبير للألقاب سوى ان الالقاب لا تتعدى مفهوم (Master ) ، فضلا عن الهامش الاوسع للشفافية وروح الدعابة بين الرئيس والمرؤوس .

  • اشكالية التفرد في القرارات

يكشف الواقع البيروقراطي في العراق على اقل تقدير ، عن شيوع الرتابة في العمل الاداري ، وكثرة الترانزيت الاداري ، من خلال مرور المعاملات على اكثر من عضو او قسم اداري ، ومن ثم تمريرها الى مكتب الرئيس او المدير ، والغرض من ذلك ، هو اعلاء صوت المدير ونفوذه ودوره ، رغم ما في الامر من خلل واضح ، ربما يتجسد في كثرة المعاملات على مكتبه ، التي قد لا يتسنى له الاطلاع عليها كاملة ، او قراءتها بشكل دقيق ، ومن ثم اعطاء القرار المناسب . وهذا بلا شك ، يدل على هيمنة المدير ، وعلى مصادرة الصلاحيات من المرؤوسين ، وفي ضوء ذلك ، فان احدى مشكلات الادارة في العراق هي حصر كل القرارات الادارية بيد المدير او ممن يدورون في فلكه .

  • الفوضى الادارية في توزيع المناصب

يلاحظ في الوقت الراهن ، ان ثمة فوضى ادارية تتمثل في العدد الهائل من الوزارات والتفرعات الكثيرة في مؤسساتنا ، فبدلا من ان يكون هنالك دمج لبعض المجالات كالصحة والاسكان والبيئة والاهوار .. في وزارة واحدة ، نعمد الى تفريعها وجعلها وزارات متعددة . مما يؤدي الى تضخم الملاك الاداري وزيادة تعقيد الروتين ، فضلا عن الهدر في الاموال والطاقات البشرية ، واخيرا الضرر الواضح الذي يلحق بالعميل او المواطن من خلال الاطالة في مدة انجاز المعاملات واضعاف الكفاءة المؤسساتية وضعف الناتج .

مخطط توضيحي عن التضخم الاداري في المؤسسات (الرسمه من تصرف الباحث)

 

  • اشكالية الاحتراف المهني

ان طبيعة الاحتراف المهني ، مرتبطة اشد الارتباط بالمهنية ، فغياب الاخيرة يعني ان الادارة ليست محترفة ، ولعل من مؤشرات ذلك ، ان يتم تجاهل مبدأ الاحتراف والخبرة في التعيين في المناصب البيروقراطية ، بسبب تأثير ــ كما اسلفنا ــ النزعات القبلية والقرابية والسياسية (..) . وهكذا ، فان غياب التوجه الاحترافي في ادارة المؤسسة ، غالبا ما يؤدي الى استخدام معايير غير موضوعية في ترفيع وترقية الموظفين او التدريسين ، او تقييم اي شيء من هذا القبيل ، ويتجسد الغياب الاحترافي ، عندما نرى المدير او المسؤول يتعامل بمزاجية مفرطة في تقييم الاخرين او التعامل معهم لحد غياب الانسانية والشفافية في هذا الخصوص . ومن ثم ، فعلينا ان نفهم ان البيروقراطية الاحترافية هي ممارسات مهنية منضبطة بمعايير وثوابت ، يمكن ان نكون اكثر صوابا في قياس اداء المنظمات ، وبغياب ذلك تصبح الادارة غير محترفة.

مخطط توضيحي لسلبيات الادارة الغير المحترفة (الرسمه من تصرف الباحث)

 

  • القطيعة التراكمية في عمل المؤسسات

وهكذا ، فان افتقار المنظمات للمؤسسية والمهنية ، يعني بالمحصلة تعرضها لمشكلة عدم ارتباط تجاربها واعمالها عبر مراحل نموها او تطورها . ولعل من اسباب ذلك ، ان المدراء لا يعملون على الاحاطة بتجارب الرؤوساء السابقين ، وبالتالي هذا ما يجعل عمل المؤسسة غير متوازن .

 

 

Pin It on Pinterest