الاتجاه الماركسي الجديد

يجيء هذا الاتجاه كردة فعل لما حصل في ستينيات القرن العشرين ، من احتجاجات حضرية ، كانت الفرصة المؤاتية نحو اعادة الاهتمام بالطروحات الماركسية  ـ وعلى نحو كما سيبدو ـ ، انه جديدا ، وموسعا لما يمثل نقصا في نظر المعارضين للنظرية الام . فمثلت احتجاجات السود ، والنساء والطلاب ، والمستأجرين وجماعات البيئة ، مثيرا لوضع الرأسمالية المتقدمة ودولتها الراعية لمصالحها ، موضع البحث والدراسة ، بدمج التفسيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، لايجاد ما يدعى بـ ( الاقتصاد السياسي ) ، ليكون هذا المنهج موزعا الى مسارات عدة ، تتعلق بتحليلات تركز على البيئة الحضرية بصورة خاصة ، وتحليلات تؤكد على بعض الموضوعات الحضرية ، كالسكن والملكية ، حسب اراء ماركس وانجلز ، وتحليلات اخيرة ، تصف المدينة ، بانها ثمرة الجهد الطويل الذي بذله الرأسماليون ، من اجل الاستغلال والتبعية .

ان ابرز من مثل التحليلات الماركسية الحضرية ، هو ( مانويل كاسلز ) ، الذي قدم لنا مؤلفا ، يمثل حصيلة لما اشرنا اليه من تحولات اجتماعية / حضرية ، عنوانه الرئيسي ( المسألة الحضرية ) 1977 . في هذا الكتاب لم يكن كاسلز ينوي ان يقدم لنا دعائم علم اجتماع حضري ” كما يدعي” فقط ، وانما قام بنبذ النظريات القديمة ، التي تناولت المسائل الحضرية ، واصفا اياها ، الأقرب الى الايديولوجيات ، لانها ـ حسب رايه ـ فشلت في تحديد النظام الرأسمالي ، واكتفت بلوم الضحية (الفرد) . فليس الفرد مسؤولا عن الجريمة ، وانما النظام الراسمالي هو من اوجد الظروف المؤاتية لنمو الجريمة والمشكلات الاجتماعية الاخرى . لكن ولقسوة هذا النقد ، الا ان كاسلز امتدح نظريات البيئيين الإنسانيين ونظرية لويس ويرث ، على اعتبار ان هذه النظريات ، اشارت الى ان هناك قوى اجتماعية تعمل خارج نطاق الفرد وتؤثر على البيئة الحضرية[1] (M. Castells , p.442) .

وعموما ، فقد بدأ كاسلز بطرح افكار ماركس حول الصراع الطبقي والإنتاج ، محولا إياهما من حلبة الصراع المحلي (المصنع ) الى حلبة صراع اوسع تمثلت بالتوسع الحضري خارج المدينة ، معللا لنا ذلك ، بان الانماط الجديدة من الاحتجاجات الحضرية ، ليست كما كان سابقا ( صراع العمال مع أصحاب العمل ) ، وانما الحال اختلف ببروز نظام عالمي لا يحكم او يدار محليا ، بل عالميا ، بوساطة شركات متعددة الجنسيات لها فروعها في مدن عالمية اخرى . فالصراع الحضري اليوم يدور حول الاستهلاك الجمعي والتخطيط الحضري اللذان اعتمد عليها كاسلز في تحليلة لواقع الحياة الحضرية . وبدءا فانه يعني بـ ( الاستهلاك الجمعي ) السلع التي توفرها الدولة الحديثة مثل : الصحة والسكن والتعليم ووسائل قضاء اوقات الفراغ ، والتي يتم استهلاكها من قبل الناس . يجادل الماركسيون ، بان السلع التي تقدمها الدول الرأسمالية ، انما هي نوع من السيطرة الأيديولوجية ، ونوع من التحكم الطبقي ، فهم لا يقومون بذلك ضمانا لكرامة وصحة العاملين في كنفها ، وانما تقوم بذلك لا شعارهم بالرضا تجاءها ليس الا ، ومن ثم يعمل العمال بتفان ، ودون إحداث أي اضطراب في النظام ، مستغفلين العمال حقهم الرئيسي وهو عدم المساواة . اما ( التخطيط الحضري ) فهو المطلب الثاني ، الذي أكد عليه كاسلز ، معنيا به ، الطريقة التي تستخدمها الحكومات المحلية لتخطيط المدن ، فهي تريد ان تحافظ على تخطيط يكفل لها استمرار تدفق الأرباح ، كالمناطق التي تتوافر فيها الخدمات الرئيسية كالطرق والجسور والبنايات والاتصالات ، رغم ما فيها من فائدة تعود على العمال ، الا انها تفعل ذلك رغبة في ابقاء تطور المشاريع الخاصة والتابعة لها ، وهنا ايضا يصبح التخطيط الحضري ، وسيلة للرأسمالية ، من اجل إقرار الضبط الطبقي ، وتقرير أماكن لمساكن الطبقة الراقية ، وأماكن أخرى تتحدد للطبقة العاملة .

ينتقل كاسلز الى نقطة اخرى ليكشف وجها اخر ـ كما يزعم ـ من الرأسمالية . فمع نهاية عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، تبلورت ازمة اقتصادية كبيرة ، عصفت بالمجتمعات الغربية ، تمثلت في انخفاض الأرباح ، وتفشي حالات الإفلاس وانتشار البطالة ، الامر الذي ادى الى ظهور أزمة حضرية ، تقلص على أثرها الإنفاق العام ، وظهرت احتجاجات واسعة ، مما دعا كاسلز الى الاعتقاد بوجود نوع جديد من الصراع الطبقي أصبح جليا اكثر من ذي قبل ، ليشمل مختلف الجماعات والطبقات ، على عكس ما كان سائدا في التحليل الماركسي التقليدي من صراع بين العمال وأرباب العمل . وفي وسط هذه الأحداث المستجدة ، اصبح دور الدولة هنا ، مختلفا عما كان سابقا ، لينتقل من مرحلة تقديم الخدمات العامة ، الى مرحلة استخدام القمع مع الاحتجاجات الحضرية ، وبهذا تكشف عن وجهها الحقيقي .

وكلما ازداد تدخل الدولة الرأسمالية في فض الاحتجاج بالقوة ، فان مزيدا من الشعور الطبقي يطفو على السطح ، ويظهر جليا لدى الناس البسطاء ، دافعا بهم الى الدخول في حلبة الصراع (المدينة) بشكل قوي ، فتتطور تلك الاحتجاجات الى حركات اجتماعية تنخر مفاصل الرأسمالية داخل المدن . هذه هي ابرز افكار كاسلز ، وبعيدا عن الانتقادات التي وجهت اليها ، فانها تبدو ، ذات اهمية تستحق الطرح والدراسة ، سيما وانها أخرجتنا من دائرة النقاش التقليدي في علم الاجتماع الحضري ، لتضعنا أمام تصورات نظرية جديدة .

لم تكن للماركسية الجديدة ممثلا واحدا كشخص كاسلز ، وانما يدعونا الحديث الى ذكر ماركسيا لا يقل شأنا تمثل بالعالم الجغرافي ( ديفيد هارفي ) ، الذي حاول ان يحدد لنا مصدر الازمة الاقتصادية في المجتمعات الغربية ، طارحا استفهاما ، لماذا حدثت هذه الازمة في فضاء المدينة ، فراح يشرح ، ان التخطيط الطبيعي لجغرافية المدن ، لم يكن بسبب قوى الطبيعة والسوق ، وانما يرجع الى قوة المشاريع الصناعية الكبرى ، التي تبحث عن الربح[2] (See : D.Harvey) . ويبدو هنا ، ان هارفي مهتما بتبيان ازمة الراسمالية ، وان سببها يرجع الى تزايد المنافسة بين الشركات الكبرى ، التي تبحث عن الارباح ، ونتيجة لذلك ، فان هذه الشركات تعمد الى اسلوب تخفيض عملية التضخم في السوق ، مما ادى الى خفض الاسعار ، وتدني نسبة الأرباح ، ولتفادي الاثار ، فان الرأسمالية الحديثة ، تحاول جاهدة الضغط على قوى العمل وأجورها ، لاعادة ما فقدته على الاقل ، وتعويض نسبة الخسائر . وتأكيدا على هذه الطرق الاستغلالية للراسمالية ، فقد صارت القوى العاملة اكثر وعيا وشعورا بالحيف والظلم ، الذي تتلقاه من الرأسمالية ، فلا بد هنا ، ان تتضافر جهود العمال ، وتنصب في خوض الصراع الطبقي ، الذي يبدو هنا ، حال فرض عليهم فرضا . وفي ظل هذه الظروف المأزومة للراسمالية ، فانها لابد ان تبحث عن بدائل اخرى  ناجعة ، فيجدون مصادر اخرى للاستثمار ، كالتي أشار اليها هارفي ، من قبيل انشاء مشاريع جديدة ومكاتب ، واستثمارات اخرى ، تدخل في باب العقارات (..الخ ). يرى هارفي ، شانه شان كاسلز ، ان المدينة ، هي أداة الرأسمالية الحديثة في خلق الأسواق الجديدة والسيطرة على القوى العاملة ، لكنه يختلف مع كاسلز ، في ان قوة الصراع الطبقي ، من مقدورها ان تسقط الرأسمالية ، وبدلا من ذلك ، فانه يؤمن بقوة وفاعلية التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي ، لا سيما تنافس الرأسماليين على تركز رأس المال .

وهكذا ، فان الماركسيين الجدد ، قدموا لنا ، موضوعات جديدة ، تمثل إيذانا ببدء مرحلة جديدة في علم الاجتماع الحضري ، تلك الموضوعات ، تجعل المهتم بها ، أكثر وعيا بأهمية المشكلات الحضرية البنائية ، التي يستحسن ، ان تكون أكثر أولوية من الموضوعات التي تمثل بالنسبة لدول الجنوب ، او العالم الثالث ترفا معرفيا ، لا تمس حقيقة الواقع الاجتماعي الفعلي ، الذي يشكل قلقنا الحضري .

[1] . M. Castells , p.442.

[2] . See : D. Harvey.

Pin It on Pinterest