التشريع مفهومه وسماته

       لاشك أن الدراسات الاجتماعية للقانون تختلف اختلافاً جوهرياً عن فقه القانون وفلسفته، علي الرغم من كون القانون، يمثل موضوعاً في هذا الميدان، ويرجع الاختلاف بين القانون وعلم الاجتماع القانوني، إلى أن القانون يدرس القاعدة القانونية والنظم القانونية أساساً في ذاتها، بينما علم الاجتماع القانوني يبحث في الأسباب والدوافع الاجتماعية التي تحيط بنشأة القاعدة القانونية، وكذلك الآثار الاجتماعية التي تحدثها القاعدة القانونية. كما أنه يهتم بدراسة العلاقة بين القانون والتغير الاجتماعي، ومدى مسايرة القانون للسياقات الاجتماعية والتطورات المجتمعية الراهنة، ومن ثم فإن ما يدرسه القانون بوصفه قاعدة، يدرسها علم الاجتماع القانوني بوصفها ظاهرة اجتماعية.

ومع كل هذا فهناك قواسم مشتركة بين القانون وعلم الاجتماع القانوني، فالقانون المقارن وتاريخ القانون يحيطان بعلم الاجتماع القانوني من جهة، والانثروبولوجيا القانونية تحيط به من جهة أخرى، وكذلك يدرس عالم القانون: القوانين كضوابط اجتماعية في الدول الأكثر تقدماً، كما أن علماء الاجتماع من أمثال إيميل دوركايم، وماكس فيبر، وهربرت سبنسر وغيرهم قد أسهموا في نمو الاتجاه الاجتماعي بين فقهاء القانون، وعلى هذا فالقانون يمثل ظاهرة اجتماعية ترتبط بحياة الإنسان في المجتمع، فحيث أنه لا يوجد قانون، ومن ثم لا يمكن للقانون أن يولد إلا في كل مجتمع إنساني ما، كما أن القانون في أي زمان ومكان لم ينبع مصادقة أو بنزعة انفرادية من المشرع، إنما هو وليد ظروف المجتمع وتطوره التاريخي، ونتيجة لعوامل البيئة المحيطة به.

 يُعرف التشريع Legislation بشكل عام بوصفه مجموعة من القواعد القانونية التي تسنها سلطة مختصة من سلطات الدولة هي السلطة التشريعية، وإعلان القواعد عن هذا الطريق هو الذي يكسبها قوة القانون، ويحمل محاكم الدولة على الاعتراف بها كقانون واجب التطبيق في المستقبل، وكلما تطورت الحياة الاجتماعية وتعقد شبكة العلاقات والروابط البشرية بدت عدم صلاحية العرف كمصدر للقانون، وظهرت الحاجة إلى سن التشريعات وإفراغها في قالب قوانين، وقد بلغ من أهمية التشريع في العصر الحديث أن أصبح يطلق عليه لفظ قانون، فإذا ما أطلق هذا اللفظ انصرف الذهن مباشرة إلى التشريع إذ أنه المصدر الرئيسي للشرائع الحديثة.

أي أن التشريع هو قانون تم سنه من خلال إجراء رسمي، وأعلن في وقت محدد عن طريق سلطات معترف بها. وقد استخدم هذا المصطلح “ويليام سمنر Summer الذي ميز بين القانون المسنون أو التشريعي والقانون العرفي، حيث ذكر أن القانون التشريعي يعتبر صورة أكثر تطوراً؛ لأنه لا يعتمد كثيراً على العرف أو العادات الاجتماعية، ويمكن أن يتعارض مع عدد منها، وعندما يسن قانون معين، يلزم التضحية بمرونة العرف وبتوافقه الذاتي التلقائي، ومع ذلك فالقانون التشريعي ذو نوعية خاصة، لأن تطبيقه يؤدي إلى ترتيب جزاءات معينة لمن يخالفه، ويعني ذلك أن تحل الممنوعات مكان المحرمات، وتخطط العقوبات لكي تكون وقائية وليست انتقامية.

وتعكس حركة نمو التشريع عبر العصور التاريخية، وكيفية احتلاله لمركز الصدارة المصادر الرسمية للقواعد القانونية، بعد أن كان العرف والعادات الاجتماعية أول هذه المصادر، عن مدى زيادة نفوذ السلطة التشريعية، وأهمية الدولة والسلطة السياسية، وزيادة تدخلها في سن القواعد التي تنظم شكل العلاقات والمعاملات بين الأفراد والجماعات، سواء داخل نظام الدولة ذاتها أو في علاقاتهم مع الأفراد الآخرين.

 أما التشريع الاجتماعي فيعني الأحكام المقننة التي تصدرها السلطة التشريعية بهدف تقرير حقوق الأفراد الاجتماعية من تعليم وصحة وعمل. كما يعمل التشريع على تحقيق المساواة بين الناس في تمتعهم بهذه الحقوق وتقليل الفروق الموجودة بين مختلف الطبقات الاجتماعية، وهذا ما جعل العلماء يهتمون بدراسة ما يسمى بسوسيولوجيا التشريع، والذي يمثل حقلاً من حقول الدراسة الاجتماعية للقانون، ظهر في بداية القرن العشرين، ونشأ من محاولة داعية لجدل عناصر معينة من النظرية الاجتماعية، ولاسيما عنصر الضبط الاجتماعي، ويؤكد أهمية فهم دور القانون ووظيفته داخل الوحدة الكلية الاجتماعية بمفهومها الواسع، أي أن الفلسفة الاجتماعية للتشريع حادث كرد فعل ضد التركيز الداخلي الضيق داخل الوضعية القانونية أو الفلسفة التحليلية للتشريع، تلك كانت سائدة خلال القرن التاسع عشر، ولاسيما في بريطانيا وأمريكا، وكان أقوي تأثير لها على روسكو باوند. وبهذا يتضح أن التشريع يتميز بمجموعة من الخصائص أو السمات العامة وهي:

أ – يتميز التشريع بصدوره عن سلطة عامة محددة، يخول لها المجتمع مهمة وضع القانون في وثيقة مكتوبة، تصاغ صياغة فنية دقيقة وواعية، تيسر تطبيقه في العمل في تحديد ووضوح.

ب- كما يتميز التشريع بخاصية الصدور في شكل مكتوب، فتكفل للقانون التحديد والثبات اللازمين لاستقرار المعاملات. فكتابة القانون من شأنه أن يمكن الأفراد من معرفة الحدود التي يستطيعون التحرك فيها بنشاط.

جـ- كذلك يضع التشريع القواعد القانونية التي تتوافر فيها خصائص القاعدة القانونية التي تتسم بأنها قاعدة عامة ومجردة، تنظم السلوك الاجتماعي علي نحو ملزم.

عـ- أن التشريع يشّكل المصدر الرسمي الأصلي في معظم القوانين في الدولة الحديثة في الوقت الراهن.

هـ- أن التشريع يأخذ صوراً متعددة تختلف في مراتبها ودرجاتها وفي السلطة التي تصدرها، فقد يأخذ التشريع معناه الواسع صورة الدساتير، ويطلق عليها حينئذ التشريع الأساسي، وقد يأخذ صورة القانون بالمعني الضيق، ويطلق عليه في هذه الحالة التشريع العادي مثل قانون الإصلاح الزراعي، وقانون تنظيم الجامعات، وقانون الأحوال الشخصية وغيرها، وقد يأخذ صورة اللائحة ويطلق عليه حينئذ التشريع الفرعي مثل اللوائح التنفيذية أو التنظيمية أو لوائح الضبط والأمن العام.

Pin It on Pinterest