التطورات التاريخية لظهور التوعية البيئية

التربية البيئيةليست حديثة العهد، فلها جذورها القديمة في مختلف ثقافات الشعوب. فالهندوسية تدعوا الى العطف والحنان تجاه كل الكائنات الحية، وجوهر القيم الاخلاقية البوذية يبدو في العزوف عن قتل المخلوقات الحية، الاديان السماوية لعبت دورا كبيرا في تحسين علاقة الانسان بما يحيط به،  فالمسيحية تدعوا الى الرحمة في التعامل مع الطبيعة و حسن استغلالها بحكمة، و في الاسلام فان استخلاف الانسان على الارض يقتضي الرحمة و ينهي عن التخريب والفساد، يقول تعالى في القران الكريم (ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها)

منذ نحو (2500) سنة كتب علماء الاغريق عن العلاقة بين الانسان والبيئة المحيطة به، وكيف ان الانسان بسلوكه وافعاله يمكن ان يؤثر سلبا او ايجابا في هذه البيئة. ففي حدود عام 350 قبل الميلاد اعلن افلاطون مخاطبا عشيرته: (ان معظم العلل الاجتماعية والبيئية التي تعانون منها هي تحت سيطرتكم، على ان تكون لديكم العزيمة والشجاعة لكي تغيروها). و كان افلاطون اول من نادى بان الذي يحدث تدهورا في البيئة، عليه ان يتحمل نفقات اعادة تأهيلها. فذكر في كتاب (القوانين) (ان الماء يمكن تلويثه بسهولة، و مَنْ يَقوم بتلويث الماء بقصد، عليه ان ينظف البئر او الجدول، بالإضافة الى تعويض المتضررين من هذا التلوث). وتجدر الاشارة هنا الى ان المبدأ هو اساس ما يعرف اليوم بمبدأ (من يلوث عليه ان يتحمل نفقات ازالة التلوث).

ان العلاقة بين البيئة والتوعية، علاقة قديمة مرت بمراحل متميزة. حيث كانت البيئة هي المصدر الاساس للتربية، يكتسب منها الانسان خبرات تفاعله مع مكوناتها المختلفة و عندما تطورت الحياة البشرية وتسعت الخبرات الانسانية برزت المدارس كمؤسسات اجتماعية تقوم بِتَزَوْد الخبرات الانسانية المتنوعة في صورة مواد دراسية. واصبح دور المتعلمين هو الالمام بهذه الخبرات خلال التعليم العام.

و تطور هذا الاهتمام بعد ذلك و خصوصا بعد منتصف القرن الثامن عشر ولا سيما بعد قيام الثورة الصناعية في اوروبا، و ما نتج عنها من انتشار المصانع على قطاع واسع، ، وما نتج عنه الكثير من اشكال التلوث البيئي، و ظهور الكثير من الامراض المستعصية، كالسرطان، وامراض القلب، و الاوعية الدموية. وقد تنبه الانسان الى هذه المخاطر، و ما تسبب به من مخاطر للبيئة ولنفسه، حيث اصبحت حياته مهددة في كل لحظة، مما دفعه ذلك الى العمل على حماية البيئة  و ذلك بالمحافظة على مواردها و صيانتها من الاستنزاف، وكان افضل وسيلة لتحقيق غاياته هذه، ان يجعل من البيئة موضوعا للتربية والتعليم البيئي في داخل المدرسة و خارجها. و لهذا تعتبر التربية البيئيةجزءا من العملية التربوية، و موضوعا للتربية والممارسات السلوكية لدى الافراد (المتعلمين) والمجتمعات البشرية .

وهكذا بداء الانسان المعاصر يهتم بالتربية البيئيةاهتماما حقيقيا، و بخاصة بعد ان افسد الانسان نفسه كثيرا من مجالات الحياة و مقوماتها في البر والبحر والجو، يقول الله سبحانه و تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون). لقد تكاثر الانسان اليوم بشكل لم يسبق له مثيل، وازدادت احتياجاته الغذائية والسكنية والمائية، مما ادى الى انخفاض الموارد الطبيعية واستنزافها، وزادت الفضلات الانسانية والحيوانية والصناعية. و تلوثت البيئة الرئيسية بالملوثات المختلفة واختل توازنها. ودق ناقوس الخطر البيئي في البيئات الرئيسية الثلاث (الارضية، المائية، الهوائية)، وارتفعت صيحات الازمة البيئية عالميا واقليميا و محليا.

و في هذه الصدد مرت التربية البيئيةو تطورت من خلال عقد حلقات الدراسية والمؤتمرات الدولية التالية:

أ_ مؤتمرات ستوكهولم (1972):

في مؤتمر الامم المتحدة للهيئة البشرية الذي انعقد في مدينة ستوكهولم بالسويد في حزيران عام 1972 اعترف العالم بالدور المهم للتوعية البيئية والتعليم البيئي في حماية البيئة و صيانة مواردها، وقد وضع المؤتمر تصورا شاملا للمشكلات البيئية الراهنة والمستقبلية، و كان من ابرزها ما صدر عن هذا المؤتمر الاعتراف بان التشريعات البيئية لا تكفي وحدها لصيانة البيئة والمحافظة عليها من التدهور البيئي، بل لابد من ايجاد (وعي بيئي) لدى سكان العالم جميعا لحماية البيئة. والمحافظة عليها من التلوث البيئي بأشكاله المختلفة، و ترشيد استهلاك مواردها الطبيعية.

وبشكل محدد اصدر المؤتمر توصية رقم (96) تدعو منظمة اليونسكو التابع للأمم المتحددة  لاتخاذ التدابير اللازمة لبرنامج جامع لعدة فروع علمية للتوعية البيئية، سواء داخل المدرسة او خارجها، على ان يشمل البرنامج كل مراحل التعليم و يكون موجها لكافة الافراد (المتعلمين) والمجتمعات البشرية لإدارة شؤون البيئة والمحافظة عليها و صيانة مواردها و ذلك في حدود الامكانات المتاحة لهم. لقد كانت التوصية (رقم 96) اساسا لبرنامج البيئة والتعليم البيئي، حيث مكنت اليونسكو من تحديد الاهداف التالية لبرنامج دولي في التربية البيئيةوهي:

  1. تشجيع تبادل الافكار والمعلومات والخبرات المتصلة بالتربية البيئيةعلى المستويات الثلاثة (العالمية، والاقليمية، والوطنية).
  2. تطوير البحوث والدراسات البيئية و خاصة تلك البحوث والدراسات التي تؤدي الى فهم افضل لأهداف التربية البيئيةواساليب تحقيقها.
  3. تشجيع عمل برامج و مناهج و مواد تعليمية في ميدان التربية البيئيةو تقويمها.
  4. تشجيع تدريب، و اعادة تدريب القادة المسؤولين عن التوعية البيئية، مثل الباحثين والمخططين، والاداريين التربويين والعاملين.
  5. توفير معونات فنية لدول الاعضاء لتطور مناهج و برامج في التربية البيئيةوالتعليم البيئي.

 

ب_ ورشة علم بلغراد (1975):

بعد مؤتمر ستوكهولم، نظمت هيئة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة للبيئة مؤتمرا دوليا للتربية في مدينة بلغراد على شكل ورشة عمل في الفترة ما بين (13-27) تشرين اول عام 1975. وقد كانت الغاية الرئيسية من هذا المؤتمر ما يلي:

1- دراسة اتجاهات قضايا التربية البيئيةو مسحها.

2- بناء اطار للتوعية البيئية على المستوى العالمي، و ذلك بغرض المحافظة على البيئة الانسانية كجانب رئيسي من نظام القيم الاجتماعية، و بالتالي تدعيم هذا الجانب القيم عقليا ووجدانيا و سلوكيا. هذا وقد تمخض عن ورشة عمل بلغراد، وثيقة تربوية دولية عرفت بميثاق بلغراد حيث حددت هذه الوثيقة اطارا مرجعيا علميا شاملا للتوعية البيئية، كما اعتبرت من الناحية العملية اساسا للأعمال اللاحقة في مجال التربية البيئيةفي مستويات الثلاثة (العالمية، الاقليمية، الوطنية).

ج_ مؤتمر تبليس (1977):

عقد المؤتمر الدولي الحكومي الاول للتربية البيئة في مدينة تبليس بالاتحاد السوفيتي سابقا في الفترة ما بين (4-26) تشرين اول عام 1977 وقد نظمت اليونسكو هذا المؤتمر بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة للبيئة و بدعم من حكومة اتحاد جمهوريات الاتحاد السوفيتي آنذاك. وقد كان مؤتمر تبليس بمثابة تتويج للمرحلة الاولى من البرنامج الدولي للتربية من جهة، و نقطة انطلاق دولي للتوعية البيئية انشدته الدول الاعضاء بالاجتماع من جهة اخرى.

– ولم يكن الوطن العربي بمعزل عن هذه النشاطات، ففي عام 1987 عقدت الجامعة العربية المؤتمر الوزاري الاول حول البيئة بالتعاون مع برنامج الامم المتحدة حول البيئة و منظمة (الاسسكو) و صدر عن هذا المؤتمر مجموعة من التوصيات منها:

1- تقرير التربية البيئيةبشتى محتوياتها في التعليم النظامي و غير النظامي على تقوية برنامج الوعي البيئي لفئات المجتمع كافة.

2- التأكيد على دمج مفهوم التنمية البيئية في مناهج الجامعات و معاهد التخطيط و مراكز البحوث والاهتمام بعقد دورات تدريسية و تعقد لغرض زيادة الوعي للأطر العامة.

بعد ذلك بادر البرنامج الدولي للتوعية البيئية (IEEP) الى اعادة توجيه التربية البيئيةفي مناطق مختلفة من العالم على وفق تلك التطورات و في هذا الاتجاه عقدت ندوة العمل في (اثينا) بمشاركة مختصين من دول مختلفة خلال حزيران عام (1995) للإسهام في وضع سياسات يمكن ان تطبق في مناطق متعددة من العالم.

د_ مؤتمر ريودي جانيرو (1992):

في عام (1992) انعقد مؤتمر ريودي جانيرو في البرازيل الذي سمي (بمؤتمر الارض) وقد اقر الاعلان الصادر عن هذا المؤتمر ، برنامج عمل للمستقبل. واعتبر هذا المؤتمر الخطوة الاولى نحو التأكيد بان العالم سوف يكون موطنا اكثر عدلا وامنا ورخاها لكل بني البشر، واكد على ضرورة توجيه التعليم نحو التنمية المستدامة ، و تطوير البرامج التدريسية و تنشيطها، و زيادة الوعي العام لمختلف قطاعات الجمهور نحو البيئة و قضاياها. وبعد سنوات من انعقاد هذا المؤتمر، ازدادت الانتقادات التي توجه الى سلوك الانسان محليا و عالميا، وازدادت اهمية دراسة علوم البيئة حتى تحقق اهداف التوعية البيئية، حيث لابد من تضمين المناهج المدرسية لتلك الاهداف، كما انه لابد من اعطاء النواحي المعرفية في التعليم البيئي اهمية خاصة.

يجب ذكر المصدر عند الاقتباس: المحمداوي، محمد جواد ،(2020):التطورات التاريخية لظهور التوعية البيئية ،استرجع من موقع عرب سايكلوجي بتاريخ: 25 يونيو، 2021

Pin It on Pinterest