الحضارة والثقافة

تطرح العلاقة بين هذين المفهومين اشكالية تداخل يندر مثيلها في مجال التداخل الذي يظهر بين المفاهيم المتداخلة , وتظهر اشكالية التداخل هذه في مستويات عديدة وفي جوانب مختلفة ومتنوعة , ظهرت كلمة حضارة Civilization في القرن الثامن عشر كمفهوم للمقابلة بين الرجل المتحضر والرجل البربري ,وكان ذلك المفهوم يعطي دلالة التقدم المادي الواسع الذي حققته بلدان اوربا الغربية .

وفي هذا الخصوص يقول كازنوف استخدام مفهوم الحضارة في البداية من اجل التمييز بين الشعوب المتحضرة والشعوب المتخلفة , وكانت هذه الكلمة تعبر عن انتماء هؤلاء الذين يستخدموها في العهد الكولونيالي ومن اجل الاشارة الى السيادة المطلقة لثقافة اوربا , ويبدو التداخل بين المفهومين جليا عند تايلر الذي يعد مرجعا اساسيا في انثربولوجيا الثقافة حيث يستخدم تايلر المفهومين بمعنى واحد ويبدو ذلك في تعريفه الذي اوردناه سابقا والذي يقول فيه ان كلمة ثقافة او حضارة بمعناها الانثربولوجي تشير الى كلمة معقد يشتمل على العلوم والفنون والعقائد والاخلاق , والقوانين والعادات وكل ما يكتسبه الانسان بوصفه عضوا في الجماعة , ولكن تايلر نفسه يعود ليميز بين المفهومين وذلك في سياق التطور الانساني حين يتحدث عن البربرية والحالة الوحشية ثم حالة الحضارة , والحضارة هنا تشير الى درجة تطور ثقافي متقدم , فالحضارة هنا هي الثقافة حينما تصل هذه الى درجة عليا من التطور .

وغالبا ما يميل المفكرون الى التمييز بين المفهومين على النحو التالي : الثقافة هي الجانب الروحي في حياة الانسان كالأفكار والاساطير والدين والفن والآداب , بينما تعني الحضارة الجانب المادي والتي يشار اليها بالمنجزات المادية للإنسان كالتكنولوجيا والعلم والمنشأة المادية , وغالبا ما يوجد هذا التمييز في ادبيات علم الاجتماع الكلاسيكي الالماني الذي ينظر الى الحضارة بوصفها الجانب المادي من ثقافة الانسان .

يميز فيبر مؤسس السيوسولوجية الثقافية بين الثقافة والحضارة , فالحضارة كما ينظر اليها تشكل جملة من المعارف النظرية والتطبيقية غير الشخصية تلك التي يعترف انسانيا بصحتها ويمكن تناقلها , اما الثقافة فهي جملة من العناصر الروحية كالمشاعر والمثل والقيم المشتركة التي تربط في خصوصيتها بجماعة معينة وزمن معين , ومن اجل التمييز بين المفهومين يمكن التعويل على المقارنة بين مفهومين متعارضين من حيث الدلالة هما : الوضعية , والدين اذ يشكل هذان المفهومان مثالا نموذجيا ينطلق منه للتمييز بين الحضارة والثقافة , كمفهومين متداخلين , فالثقافة ذات طابع شمولي تناشد العقل الانساني وليس ارادة او العواطف , وهي ضرورية بالنسبة للإنسان وتشمل المعارف الوضعية كافة ( علوم وهندسة وتكنولوجيا ) والتي تتجسد في طاقة انتاجية , ونستخلص من ذلك ان الثقافة ترمز الى الفن , والآداب , والاخلاق , وكل ما يتصل بحياة الانسان الروحية والمعنوية اما الحضارة فهي الثقافة عندما تتعقد هذه وتأخذ ابعادا مادية وتكنولوجية .

يجب ذكر المصدر عند الاقتباس: المحمداوي محمد جواد ،(2020):الحضارة والثقافة ،استرجع من موقع عرب سايكلوجي بتاريخ: 5 مارس، 2021