الحضرية كطريقة للحياة ( تحليل سوسيو ثقافي )

لا نكاد نجد كتابا ، او بحثا ، الا وتعرض لنظرية لويس ويرث L. Wirth ، سواء بالقبول ، او بالرفض ، او بالتعديل ومهما يكن من امر ، فان الحضرية كطريقة للحياة Urbanism as a way of Life”جاءت ـ كما يبدو ـ ردة فعل لما تعرضت له الإسهامات السابقة ، لاسيما تأكيد بارك وبيرجس على دور الايكولوجيا في الحياة الاجتماعية ، والإبراز الواضح للعوامل شبه الاجتماعية في العمليات الحضرية . فكان الشغل الشاغل عند ويرث ، هو الكشف عن صور الفعل الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي ، التي تظهر في المدن ، واعتقد ، ان هذه الصور يمكن إرجاعها منطقيا الى الحجم المتزايد لضخامة المدينة ، وكثافة السكان ، وعدم تجانسهم ، لكنه مع ذلك كان حذرّا من وصف هذه الخصائص بالعوامل ، واكتفى في هذا الصدد ، بان يبرز لنا جملة من القضايا التي تنتج عن الحجم والكثافة واللا تجانس ، وهي كما يلي[1] :.

القضية الأولى : ان الروابط السطحية والضعيفة ، التي تربط سكان المدينة بعضهم ببعض ، انما تعود الى نمو وتباين السكان ، وقد توصل الى ذلك ، من خلال مقارنته لسكان المدينة ، الذين يتعرضون للتجديدات والتغيرات الاجتماعية ، والتي تؤدي الى تغير انتماءاتهم الثقافية ، بالمقابل سكان القرية الذين لا يتعرضون لاي تغير يذكر ، فأنهم يعيشون في ظل تراث ثقافي مشترك . وبناءً على الحالة الأولى ، فأنه لابد من وجود ضوابط رسمية ، تعمل على فرض تراث ثقافي مشترك لسكان المدينة ، يصبح من خلالها السلوك العام سلوكا مصانا دون ضرر او ضرار يلحق به .

القضية الثانية : كلما نما حجم المدينة ، قل احتمال معرفة الفرد ببقية سكان المدينة معرفة شخصية ، ومن ثم فان العلاقات الاجتماعية في المدينة ، تكون علاقات غير شخصية وسطحية ومؤقتة ، إضافة الى ان ساكن المدينة ، ينظر في إقامة علاقاته مع الآخرين على أساس ما تجلبه له من منافع خاصة ، لذلك فأنها توصف هنا بالطابع العقلاني .

القضية الثالثة : يطرح ويرث قضية أخرى ، تتعلق بتقسيم العمل ، ولكن خارج نطاق التخصص الذي يتعلق بالوصول الى الانجاز الأسرع وتحقيق الأهداف ، وانما سيطرة الشركات الكبرى او المؤسسات على حياة الأسر الصغيرة وعلى نوع الوظائف التي تقوم بها او عددها ، مما يفقد المدينة روح المشاركة القائمة على أساس المودة والمجاملة ، وهذا ما يستدعي وجود مجموعة من القواعد الخلقية وآداب السلوك ، التي من خلالها يمكن تفادي حالات التصدع في العلاقات الاجتماعية .

القضية الرابعة : وعطفا على القضية السابقة ، فان النمو الكبير في تقسيم العمل ، يؤدي الى قيام المدن بوظائف اقتصادية مختلفة ، وقد يكون التخصص اكثر عمقا في حياة وطابع المدينة ، فتتخصص المدينة في انشطة متنوعة ، مما يؤدي ذلك الى اختلال التوازن في المدينة .

القضية الخامسة : يؤدي زيادة حجم المدينة الى احتمال توسعها وامتدادها الى خارج حدودها التقليدية ، مما يصعب اجتماع سكانها في مكان واحد ، وهذا يتطلب ايجاد بدائل كتلك التي تتعلق بوسائل الاتصال الحديثة ، التي تقرب المسافات وتسهل على تبادل الاخبار والاراء والموارد ما بين القريب والبعيد .

القضية السادسة : يرى ويرث ، انه اذا ما زادت كثافة السكان في منطقة معينة ، زادت معها فرص ظهور التباين والتخصص ، ويستنتج من ذلك ان هناك صلة تربط بين الحجم وزيادة التخصص ، ويشير في الوقت نفسه ، الى ان التباين والتخصص وسيلتان نواجه بهما الأعداد المتزايدة في المدينة . وهذا امر قد لا نتفق معه كثيرا ، سيما ان هنالك مدن صغيرة ، ولكن يزداد فيها التباين والتخصص .

القضية السابعة : أدرك ويرث ، إن المدينة تنقسم الى فئات او طبقات ، او ربما تنقسم الى مناطق متمايزة المستوى الاجتماعي والاقتصادي ، ويمكن إدراك ذلك من خلال بعض الخصائص التي تتعلق بالزي ، او اللهجة ، او العادات ، او المستوى المعيشي العام وخصائص أخرى .

القضية الثامنة : التنافس على المصادرة النادرة في المدينة ، وبالأخص فيما يتعلق بحيازة الأرض ، فان حيازتها متوقف على من يتوقع منها عائد اقتصادي ، ويستنتج ويرث هنا ، ان المناطق المتعددة في المدينة ، تلبي أهداف سكانها بطريقة مختلفة ، ويتوقف الى حد كبير على مكانتهم الاجتماعية ونوع الأعمال المتاحة وخصائص هؤلاء السكان ، فان ذلك من شأنه أن يحدد اختيارات السكان في الإقامة والسكن ، ومن ثم فان هذا المدخل يفيد في فهم لماذا تتباين المناطق السكنية ، ولماذا تختلف الجماعات في خصائصها ؟ .

القضية التاسعة : ان طابع المنافسة في المدينة يفوق طابع التعاون ، نظرا ـ كما أشير سابقا ـ عدم وجود الروابط العاطفية والعلاقات الأولية بين الأفراد ، وإضافة الى ذلك فان ويرث يعلل ما سبق ، بان الكثافة السكانية العالية لا تؤدي الا الى الاتصال الفيزيائي وطابع العلاقات السطحية ، ومن ثم فان إحداث التوازن هنا ضرورة ملحة ، يتم تأكيدها عن طريق فرض إجراءات رسمية ، كتلك التي تتعلق بإشارات المرور ، وجهاز الشرطة  وغير ذلك .

القضية العاشرة : إن ظروف المدينة ، تفرض على الفرد أن يتقمص اكثر من دور ، ومن ثم ، فان هذا يعمل على تحطيم الفوارق الطبقية الطفيفة ، ويرجع ويرث تعدد ادوار الفرد الى انتمائه لعدة جماعات تعرضه لضوابط مختلفة ، ويترتب على ذلك ، أن تتعدد صور المكانة الشخصية والاجتماعية “Status Group” ، ويتوصل ويرث هنا الى نتيجة مفادها : ان البناء الطبقي في المدينة اقل وضوحا منه في أي مكان آخر ، لذلك لا يصدق ربط الطبقة بالأدوار والمكانات وحدها ، كما جرى ذلك في علم الاجتماع الأمريكي .

القضية الحادية عشر : إن الانتماء الى جماعات مختلفة ، يؤدي الى ولاءات مختلفة ومتصارعة ، لان كل جماعة تتطلب سلوكا معينا ، يتعارض بالنتيجة مع سلوك الجماعة الأخرى ، وهذا الأمر بطبيعته مرهق للفرد نفسيا واجتماعيا ، وهنا يستنتج ويرث ، ان ساكن المدينة يكون أكثر عرضة للتنقل الجغرافي والاجتماعي ، وبالمقابل اضعف ولاءً للجماعة او للأسرة ، او للمدينة . ويبدو ان هذه القضية التي أثارها ويرث بديهية في علم الاجتماع ، لاسيما الأمريكي ، فليس من الضروري ان نعثر على جماعات متشابهة ، بل من خصائص الحضرية ـ كما أعرجنا سابقا ـ ( انظر لما ورد في نظرية ريدفيلد ، ومن قبله سوروكين وزيمرمان ) ، هو ذلك التباين والتنوع في الجماعات العرقية ، او الدينية ، او الثقافية ، كما لا ننسى ان مسألة الوعي الحضري المصاحب لما يحصل باستمرار من تطورات معرفية وعلمية ، قد ازدادت وفرضت أسلوبا جديدا للإنسان الحضري ، في أن يبتعد عن الفوضوية في الانتماء والولاء ، فلا يعقل في مجتمعات حضرية معروفة ، أن نجد شخصا ما ينتمي الى حزبين متعارضين .

القضية الثانية عشر : عرفنا ، كيف ان طابع العلاقات الاجتماعية في المدينة ، انقسامية ، وعندما نعمل مراعاة هذا الجانب في إطار من تقسيم العمل ، فأنه مما لاشك فيه ، نقوم بنقل الرموز التي تشير الى مكانة الشخص الاجتماعية ، لتصبح عندئذ مقننة في مجال العمل ، وهذا من شأنه ان يدر بالفائدة الاقتصادية على المؤسسة . ويرى ويرث في هذا السياق ، أن لهذا التقنين فائدة أخرى ، هي تدعيم الثقافة المشتركة في المجتمع ، وتوحيد مكونات الثقافة المادية مع رموزها .

لا مواربة ، بعد هذا الاستعراض للقضايا التي أثارها ويرث ، أن نصل الى نتيجة مفادها : أن الحضرية مجموعة من النظم الاجتماعية والاتجاهات التي يتبناها ويستدمجها الأفراد ، أذا ما أقاموا لفترة طويلة من الاستقرار في المكان الحضري ، ضمن جماعات كبيرة ، تتميز بكثافة عالية ، واللا تجانس ، ويزداد ذلك كلما ازداد حجم المدينة ، ومن ثم فان خصائص الحضرية ، هي نتائج مصاحبة للكثافة السكانية ، التي تتميز بعدم التجانس .

[1] . Wirth,Louis,p.1

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!