الدين والضبط الاجتماعي

 يعتبر الدين أهم وأقوى وسيلة من وسائل الضبط، من خلال ما يقوم به من وظائف في حياة الفرد والمجتمع واستقرار النظم الاجتماعية، ولذلك اهتم علماء الاجتماع بدراسته ووضعه على قمة النظم الاجتماعية. والدين نظام اجتماعي شامل لايسمح لأي فرد أن يكون له رأيا خاصا فيه، او يسلك سلوكا خارجا عليه. فالدين يضبط سلوك الأفراد في المجتمع بالثواب والعقاب لا في الحياة الدنيا فحسب بل في الدار الآخرة أيضاً. فالتدين علاقة شخصية بين العبد وربه، وجزاءه مؤجل لما بعد الموت، فإن المجتمع لا يترك الفرد لهذا الجزاء بل يوقع جزاءاته ويزاول ضغوطه بالتبشير والوعظ والتخويف، ليصبح الدين بذلك أداة ضبط اجتماعي، لها فاعليتها في ضبط سلوك الأفراد، فحياة الجماعة والتنظيم الاجتماعي لايمكن أن يستقرا بفعل قوة القوانين الوضعية فقط، بل لابد من الردع الروحي والإيمان بالقيم الاجتماعية والخوف من غضب الله، وبالتالي يصبح لهذه السلطة الروحية قوة تفوق قوة القانون وأحكامه أو مظاهر السلطة المادية الأخرى.

        ويبرز أثر الدين وبالذات الدين الإسلامي كأداة ضبط فيما يشتمل عليه من تعاليم تمثل في مجملها مجموعة من الضوابط تظهر في العبادات المتعلقة في العلاقة بين العبد وخالقه سبحانه وتعالى، وفي المعاملات التي تعكس العلاقة بين الأفراد.

من الدعائم التي يعتبرها(الماوردي) ضرورية للضبط الاجتماعي ستة أمور هي:”دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح”، وقد أطلق عليها الماوردي قواعد للضبط، ويأتي الدين كأبرز هذه القواعد ليؤدي وظيفتين يعمل بهما لاستقرار النظام الاجتماعي، وظيفة اجتماعية وأخرى فردية، فالدين من وجهة نظره يمارس ضبطا ذاتيا على الفرد، من حيث تهذيب نفسه وتخليصها من شوائب السلوك اللاسوي وبخاصة السلوك الإنحرافي، بتوافر قدرة عالية لدى الفرد في ضبط النفس والسيطرة عليها ومحاربة نزعتها الشهوانية، ولكنه في نفس الوقت يسعى لإحداث التوازن داخل النفس فلا يسعى الى حرمانها من كل متطلباتها، بل لابد من توفير ما تحتاج إليه من الضروريات كشرط أساسي لإصلاح الفرد وضبط سلوكه وتصرفاته، فالخلق هو الدعامة الأولى لبناء المجتمع المتماسك عاطفيا وفكريا لتتحقق وحدة الجماعة وتكامل شخصيتها .

        وقد كان الدين في السابق المصدر الأساس للقانون، وبالتالي فهو وسيلة ضبط مهمة في المجتمع فالقانون المصري والبابلي والهندي واليوناني كان ينظر إليه على انه من صنع الآلهة، كما أن الكنيسة كانت في أوربا قوة اجتماعية تفوق قوة الدولة.. وفي العصر الحديث بالرغم من أن الدين والدولة يعملان بشكل مستقل في كثير من دول العالم إلا أن الدولة لا تزال تستند بسلطتها الى الكثير من القواعد الدينية ذات التأثير الاجتماعي كأمور الزواج والأحوال الشخصية وبعض أنواع السلوك الاجتماعي.

        والدين اذاً من النظم الاجتماعية المهمة لأنه يقوم بوظائف في حياة الناس تعزز الاستقرار والنظام، ولأنه عقيدة أساسية بما يحمله من معان أخلاقية. والدين الإسلامي أسمى الأديان وخاتمها يحوي الكثير من التعاليم الدينية التي تحث على الابتعاد عن الاعتداء والسرقة او قتل النفس ، والابتعاد عن الفواحش والمحرمات والفتنة والغش … وهذه كلها لها آثارها التربوية فهي ضوابط اجتماعية وقائية ضد الجريمة والانحراف والمخالفة.

        وقد أدرك ابن خلدون الدور الذي يؤديه الدين في عملية الضبط الاجتماعي. لكونه يمارس نوعا من الرقابة على سلوك الناس، وتمتد هذه الرقابة في السر والعلن، وهذا ما يميز الدين عن القانون، فالفرد يمتثل للمعايير التي يفرضها الدين والتي تحدد الثواب والعقاب لجميع الأفعال والتصرفات التي يؤديها أو يمتنع عنها.

        وتجاوزت ضوابط الدين الحدود الضيقة لمفهوم الدين ـ من كونه ممارسة تعبدية لبعض الشعائر والمعتقدات محكومة ببعض الضوابط الملزمة لأفرادها المعتقدين بها، وبالتالي يخضعون الى طائلة العقاب عند تجاوز الحدود المقرة عقائدياً ـ وأضحت مؤثرة في جميع مجالات الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!