الرواد المؤسسون لعلم الاجتماع

هناك أربع علماء ربما لا يختلف أى من المشتغلين بعلم الاجتماع – مهما كانت ميوله الخاصة أو نزعاته أو تعصبه – على اعتبارهم الشخصيات البارزة فى تاريخ علم الاجتماع الحديث. هؤلاء العلماء هم: أوجيست كونت, وهربرت سبنسر, أميل دور كايم, وماكس فيبر, وهم يغطون معاً القرن التاسع عشر بأكمله وأوائل القرن العشرين، وفى الحقبة التى تشكل فيها علم الاجتماع الحديث وتحددت معالمه. كما أنهم يمثلون القوميات الرئيسة التى ازدهار فيها علم الاجتماع فى بداية عهده, والتى بدأ يتكون فيها تراثه الحديث, وهى فرنسا, وانجلترا, وألمانيا, كما مارس كل منهم تأثيراً شخصياً عميقاً على تصور علم الاجتماع كميدان من ميادين المعرفة. لذلك يبدو من المفيد بوجه خاص أن نعرض لآرائهم حول الموضوع الحقيقى لعلم الاجتماع.

يضاف إلى هؤلاء كارل ماركس وماديته التاريخية, إذ يرى بعض علماء الاجتماع أن علم الاجتماع الأكاديمى الغربى بأسره قد نشأ تحت تأثير ماركس وأنه ليس سوى سلاح أيديولوجى للبرجوازية لمواجهة الماركسية كسلاح أيديولوجى للاشتراكية. ويذهب عالم الاجتماع الأمريكى زايتلين إلى حد اعتبار أن أعمال يبروباريتو وموسكا وميشيلز ودور كايم ومانهايم حواراً مع شبح ماركس. ولا يعنى عرض سير أو بعض أعمال هؤلاء العلماء وأيديولوجياتهم قناعة الباحث بأن تلك هي الرؤية الصحيحة؛ بل إنه عرض لجزء من تاريخ العلم بسلبياته وإيجابيته.

1- أوجست كونت Augnste Conte  (1798-1857)

هو أوجست كونت، أبو علم الاجتماع، عاش فى الفترة (1798-1857). وكان يرى أننا  لا نستطيع فهم العالم ومشاهدة المختلفة إلا من خلال الملاحظة والاستدلال. وبالرغم من رفضه لوجود الكيانات النظرية. إلا أنه آمن بأن كل الشرح والتنبؤ يقوم على أساس التعاقب القانوني وليس العلاقة السببية؛ ذلك لاعتقاده أن العلاقة السببية لا يمكن اختزالها إلى مجرد عملية ملاحظة, وأن كل علم له سماته الفريدة المميزة له, وأنه يتشابه مع العمليات الاجتماعية فى أنه يمر عبر ثلاث مراحل: المرحلة اللاهوتية Theological Stage القائمة على القوة الخارقة للطبيعة, والمرحلة الميتافيزيقية Metaphysical Stage القائمة على التجريد, والمرحلة الوضعية (أو العلمية) Positive or Scientific Stage القائمة على العلاقات بين الحقائق التجريبية. ولم يقتصر تأثير نظريته الوضعية Positivism على عصره فقط، بل امتد أثرها إلى الاتجاه الوضعي المنطقي للقرن العشرين. ويوضح كونت فى كتابه “دروس في الفلسفة الوضعية” Cours de philosophie positive  كيف تنشأ المجتمعات بشكل متماشي مع القانون الطبيعي. وتتم مراحل التطور الثلاثة التي ذكرها (المرحلة اللاهوتية – العسكرية, والميتافيزيقية – الانتقالية, والعملية – الصناعية ) والتى سيلي ذكرها بشيء من التفصيل لاحقا, وفقاً لقانون التطور الاجتماعي. فضلاً عن ذلك، فإنه يدافع عن الطريقة التاريخية في دراسة العلوم الاجتماعية بناء على الطرق الإمبريقية.

وقد تأثر كونت بفيزياء نيوتن، واستمد منها فلسفته الوضعية التي حاول أن يرسى علم الاجتماع على أساسها، ذلك أن إصرار نيوتن على ضرورة تأييد التجربة لأى فرضية للتأكد من صدقها وصحتها، جعله قريباً من الوضعيين الذين كثيراً ما عبروا عن انتمائه إليهم، بل “إن أوجست كونت كان يتخذ من قانون الجاذبية الذي قال به نيوتن، نموذجاً لما يجب أن يكون عليه التفكير الوضعي.

وعلى الرغم من أن كونت كان يرفض تحديد فروع علم الاجتماع بشكل مفصل, فقد كان يرى أن علم الاجتماع ينقسم إلى قسمين رئيسيين هما: الاستاتيكا الاجتماعيةSocial Statics  والديناميكا الاجتماعية Social Dynamics , وكان يعالج موضوعات العلم على هذا الأساس, ويمثل هذان المفهومات تقسيماً أساسياً لموضوع علم الاجتماع مازال يبدو في صور ومظاهر عديدة متباينة على امتداد تاريخ هذا العلم وحتى يومنا هذا. وتمثل الوحدات الرئيسية للتحليل السوسيولوجي فى القسم الأول النظم الأساسية أو الوحدات التنظيمية المركبة للمجتمع, كالاقتصاد أو الأسرة أو السياسة. ويفهم علم الاجتماع في هذه الحالة على أنه دراسة العلاقات المتبادلة بين هذه النظم, ويقول كونت فى هذا الصدد: “يتمثل الجانب الإستاتيكي لعلم الاجتماع في دراسة قوانين الفعل ورد الفعل التي تخضع لها مختلف أجزاء النسق الاجتماعي”.

ويستطرد كونت قائلاً: «إن أجزاء المجتمع لا يمكن أن تفهم منفصلة عن بعضها كما لو كان لكل منها وجود مستقل. وعلينا بدلاً من هذا أن ننظر إليها على اعتبار أنه تربط بينها علاقة متبادلة. وأنها تكون كياناً كلياً, يفرض علينا أن نتناولها فى علاقاتها ببعضها البعض ». وقد وصف كونت مبدأ ” التفاعل الاجتماعى الشامل ” هذا بأنه  « الفكرة الرئيسية فى اتجاهه برمته ».

وأطلق كونت على القسم التالي لعلم الاجتماع اسم الديناميكا الاجتماعية, فإذا كانت الاستاتيكا هى دراسة كيفية تداخل أجزاء المجتمع وتفاعلها مع بعضها البعض فإن الديناميكا يجب – فى رأيه – أن تركز على مجتمعات كاملة, وتتخذها وحدة للتحليل السوسيولوجى. والهدف من ذلك أن توضح كيف تطورت هذه المجتمعات وتغيرت عبر الزمن. ويقول كونت فى هذا الصدد  « يجب أن نتذكر أن قوانين الديناميكا الاجتماعية تبدو أكثر إيضاحاً عندما ننظر إليها فى ضوء مجتمعات كبيرة ». ويبدو أن كونت كان يعتقد أنه قد استطاع بذلك حل مشكلة التغير والتطور نهائياً. فقد كان مقتنعاً أن جميع المجتمعات قد مرت ببعض مراحل التطور المحددة. وأنها كانت تتقدم باستمرار نحو مزيد من الكمال, ولا تجد هذه الأفكار كثيراً من المؤيدين فى يومنا هذا. وأقل منهم من يوافقون على أن المراحل التى حددها كونت هي بالفعل تلك المراحل التي مرت بها كافة المجتمعات, أو يتوقع أن تمر بها, ولكن الذي يهمنا هنا على أي حال أن كونت كان يعتبر أن الدراسة المقارنة للمجتمعات بوصفها كيانات كلية تمثل موضوعاً رئيسياً من موضوعات التحليل السوسيولوجى .

والمجتمع الإنسانى – كما أعلن كونت – ظاهرة بالغة التعقيد ويستحيل دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية دون قيام تخصص. ولكن يبدو أن التوصل إلى تقسيم مرض لموضوع الدراسة في شؤون المجتمع الإنساني أكثر صعوبة منه في دراسة العالم الطبيعى. ويرتكز تقسيم العمل حالياً بين العلوم الاجتماعية على بعض السمات التقليدية التي يمكن إدراكها بسهولة, كالنظم السياسية, والاقتصادية, والدينية, والأسرية, غير أن قدوم علم الاجتماع كان يعني ضمناً تحدياً لهذا التقسيم التقليدي, ولكنه لم يتم مع ذلك داخل علم الاجتماع نفسه إلى حد ما. وعلى أية حال فلقد تطلب التعاون بين علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية الخاصة قيام تخصص في علم الاجتماع وفقاً لهذه الأسس. ويبدو أن هذا التصنيف القائم على أساس عناصر البناء الاجتماعي هو أفضل أساليب التصنيف جميعاً.

تكملة اوكست كونت

وسوف نقوم هنا بعرض منهج أوجست كونت بالتفصيل باعتباره مؤسس علم الاجتماع وهو الذي أطلق عليه هذا الاسم.

أ- اتجاهه الفكرى

ارتبط اسم كونت ارتباطاً وثيقاً بعلم الاجتماع بوصفه علماً ينهض على أسس منهجية جديدة, ويهدف فى نفس الوقت إلى تحقيق غايات ومثل أخلاقية واجتماعية, ويجد فى نفسه القدرة على إحداث التوازن الاجتماعى المطلوب والإصلاح الأخلاقى الذى سيعيد للمجتمع الفرنسى وحدته وتماسكه. ولقد استطاع كونت من خلال الاتجاه الفكرى الذى يميز به, وارتبط بنشأته كمفكر اجتماعى, وفيلسوف, أن يصوغ نسقاً من المعرفة يتميز بالإحكام المنطقى, كما أن عمله – أكثر من أى عمل آخر – يمكن وصفه بأنه ” عمل تأليفى ” من الدرجة الأولى.

والواقع أن النشأة العلمية لكونت ساعدته كثيراً فى تكوين الإطار المعرفى الذى استندت إليه تحليلاته للظواهر الاجتماعية والأخلاقية. حيث روعته الفوضى التى ترتبت على انهيار النظام الاجتماعى فى أعقاب الثورة الفرنسية, ومن ثم كان اهتمامه الرئيسى بإعادة بناء النظام العام على أساس من الاتساق والاجتماع والتوازن والانسجام. ثم وجد أنه ليس ثمة علم يستطيع أن يتولى هذه المهمة, وإنما يتعين إعادة ناء سلسلة العلوم, على نحو يصل بنا فى نهاية الأمر إلى صياغة علم جديد يستطيع أن يتوصل إلى القوانين الاجتماعية التى يمكن فى ضوئها تحقيق هذه الأهداف الإصلاحية.

ويمكن القول بصفة عامة بأن ارتباط كونت بـ “سان سيمون” Saint Simon , حينما عمل سكرتيراً خاصاً له قد طور عنده الرغبات الإصلاحية. فقد كان سان سيمون – بنزعته الاشتراكية الإنسانية – يعتقد أن التقدم الاجتماعى لابد وأن يتحقق. ويبدو أن كونت شارك سان سيمون أفكاره هذه, خاصة ما تعلق منها بضرورة إعادة تنظيم المجتمع, والبحث عن العلم الوضعى الذى سوف تكون مهمته كشف القوانين الاجتماعية التى تحكم تقدم العقل الإنسانى.

واتصل كونت أيضاً بالفكر الفلسفى السائد فى عصره, فاعتمد على الأفكار المعرفية التى طورها “هيوم” Hume و”كانط”Kant  فى صياغة تصوره عن العلوم الوضعية. والجدير بالذكر أن الدائرة المعرفية التى اعتمد عليها كونت فى صياغة تصوراته كانت واسعة إلى حد كبير, إذ اشتملت على كل العلوم والمعارف السائدة, حتى أنه يمكن القول أن علم الاجتماع الذى دعا إليه كونت كان نتاجاً لعمل تركيبي من الدرجة الأولى, استطاع من خلاله كونت أن يربط بين كتابات أرسطو, ومونتيسكيو وكوندرسيه بطريقة مبدعة ومبتكرة. واهتم بإسهامات فلاسفة التاريخ من أمثال فيكو , وكانط و”هيجل”Hegel  و”تيرجوت” Turgot . ووجد كونت فى أعمال بعض رجال الاقتصاد من أمثال “آدم سميث”Smith  و”آدم فيرجسون”Fergnson  بعض الأفكار العامة التى تفسر التغيرات التاريخية التى تشهدها النظم الاجتماعية. وحينما اتجه كونت نحو صياغة الجوانب الطقوسية Ritualistic لمعتقده الجديد, استعان بأفكار “دى ميستر” De Maistre .

وهكذا, كان اتجاهه الفكرى تركيبى, بمعنى أنه ينهض على ثلاثة مقومات أساسية هى: صياغة نسق موحد للمعرفة يتضمن المناهج القادرة على تحصيل المعرفة وتطورها ولنموها, وضع الأسس المنهجية للتحليل الاجتماعى والعمل الاجتماعى, وأخيراً وضع الأسس المنهجية للإصلاحات الدينية والأخلاقية  .

ويمكن  اعتبار كونت من أوائل العلماء الذين وضعوا مفهوم علم الاجتماع concept of sociology . ففى تنظيره لفلسفته الوضعيةphilosophie  positive  في الفترة (1830-1842), أكد كونت على ضرورة التمايز والتخصص الأكاديمي. وفى الوقت ذاته, أدرك خطورة فصل وانعزالية المعرفة. يؤكد ذلك مقولته: “من الواضح أن هذا الانقسام فى الأنواع المختلفة من البحث بين الجماعات المتباينة من الباحثين قد أدى لحدوث مستوى من التطور فى المعرفة فى وقتنا الراهن. ومع ذلك فإن هذا الفصل والانقسام يعنى أنه لم يعد بعد من الممكن للباحث الحديث أن ينخرط فى كل المجالات المعرفية فى وقت واحد, ذلك المستوي والشكل من الانخراط  الذي كان أمراً يسيراً وطبيعياً فيما مضى”. وقد أشار كونت الى أن توسع القاعدة المعرفية يسير جنباً إلى جنب مع زيادة التمايز وتقسيم العمل. ومع ذلك, فإن تلك العملية لها أيضاً وجهها السلبي؛ فحتى مع الاعتراف بالنتائج العظيمة التى تحققت بسبب تقسيم العمل, والزعم بأن ذلك هو الأساس الصحيح للتنظيم العام للمجتمع الأكاديمي, يبقى من المستحيل عدم التأثر بتقسيم العمل فى ظل التخصص المفرط فى الأفكار التى يتمسك بها كل فرد. لذلك, فيجب علينا أن نكون حريصين لئلا يفقد العقل البشري طريقه في النهاية في ظل تراكم التفاصيل.

ويعتبر كتاب “دروس فى الفلسفة الوضعية” أهم أعمال كونت, وقد خرج هذا الكتاب فى ست مجلدات. غير أن عنوان هذا الكتاب لا يجب أن يخدعنا عن الحقيقة التى مؤداها أنه يمثل ثورة على الفلسفة التقليدية, فهو يتضمن توجيهاً محدداً نحو الواقع, ذلك أن الوضعية إنما تعنى القدرة على فهم الحياة بعيداً عن التأمل العقيم, وعلى أساس من المعرفة اليقينية المنظمة, وليس اليقين هنا معناه أن المعرة مطلقة, وإنما هناك نظرة نسبية, وهذه هى الروح البناءة التى تنطوى عليها الوضعية, أما الروح الميتافيزيقية فهى غير قادرة على استيعاب هذه الفكرى. لقد أراد أوجيست كونت من كتابه هذا أن يكون متضمناً للخطة العامة التى سيقام علم الاجتماع فى ضوءها, وهذه الخطة الفلسفية الوضعية بكل ما تنطوى عليه من مقولات جديدة.

والفلسفة الوضعية التى وصفها كونت, بالرغم من أنها صارت مرتبطة أكثر بالعلوم الإنسانية: كالجغرافيا والفلسفة – وعلم الاجتماع, إلا أنه كان محور اهتمام العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات فى القرن التاسع عشر. وتتضمن الفلسفة الوضعية رفضا للتأمل أو التصور, وتؤكد بدلا من ذلك على الحقائق والمعرفة العلمية.

ويمكن النظر لنظرية كونت – بدرجة ما – على أنها رد فعل للثورة الفرنسية وما يدعى بفلسفة التنويرPhilosophy of the Enlightenment, حيث أنه آمن أن الفلاسفة الذين بالغوا فى التأكيد على دور الاستدلال فى الشئون الإنسانية, كانوا انتقادين لدرجة هدفت لتدمير المؤسسات التقليدية القديمة, خاصة العقيدة. لذلك, فقط قدم فلسفته الوضعية كمقابل للرؤى السلبية التى شابت فكر التنوير. وفى عام 1822, كرس كونت لمصطلح “الفيزياء الاجتماعية” Social physics , التى أسماها فيما بعد “علم الاجتماع” Sociology , وقد جاءت الوضعية كجزء مكملا لتقليد عصر التنوير, حيث كانت العلوم والحقائق يقابلها الميتافيزيقا والتأملات, ولم يعد الإيمان والوحي بالمصادر المقبولة للمعرفة. وكان ذلك ترسيخا للتوجه العلماني الذي بدأ فى الغرب قبل ذلك, ثم استمر بعده في محاولات مستمرة لنزع القدسية من أى معتقد والإيمان بالمادة وحدها. وهو ما اتضح بعد ذلك في مادية ماركس التي كان عمادها الإيمان بالمادة وحدها, وما زامنها من طرح كتاب دارون عن أصل الأنواع, الذي رفض فيه إرجاع الخلق للخالق, بل عزاها إلى محض الصدفة في ظل الطبيعة الجدلية للطبيعة.

وقد جاءت نظرية كونت الوضعية (30-1842) لتجعل من علم الاجتماع نهجا علميا قائما بذاته. فقد انتقد فيها ما أسماه سلبية فلسفة القرن الثامن عشر التى دعا لها الفلاسفة الداعين للفردية أمثال “كانط” Kant  و “هوم” Hume  حيث كان يرى أن هؤلاء الفلاسفة خربوا بدلا من أن يضعوا أسسا للنظام الاجتماعي وعلم الاجتماع. فالهدف الرئيس للسياسات العملية – كما يرى كونت – يتمثل فى تجنب الثورات العنيفة التى تنبع من المعوقات التى تقف فى وجه التقدم الحضاري.

وكان كونت يرى أن العلم الحقيقى هو الذى يسعى لتأصيل نظاما فكريا يكون قاعدة تنطلق منها كافة النظم الأخرى. وقد قام بتعريف علم الاجتماع كعلم قائم على نظرية قانون المراحل الثلاثة والتصنيف الهرمى للعلوم.

وكان يرى أن الفكر الإنساني يمر عبر ثلاثة مراحل منفصلة هي: المرحلة اللاهوتية والمرحلة الميتافيزيقية والمرحلة الوضعية.

ب- المراحل الثلاث للتطور العقلى والاجتماعى :

يذهب كونت إلى أن هناك ثلاثة جوانب رئيسة هى: مشاعرنا وتتضمن الدوافع والعواطف التى تكمن خلف النشاط الذى نمارسه, وأفكارنا, وهى تخدم المشاعر, ولكنها تعيننا على التحكم فيها, وأخيراً أفعالنا, تلك التى تتم فى ضوء المشاعر والأفكار معاً. ومثل هذه الجوانب توجد أيضاً بالنسبة لحياتنا الاجتماعية وسلوكنا الاجتماعى مع الآخرين. ذلك أن استمرار المجتمع ووجوده ينبغى أن ينهض على تنظيم محدد للنظم والمؤسسات, والمعرفة, والقيم والمعتقدات، وهى جميعاً مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمشاعر, والأفكار, والأنشطة التى يمارسها الأفراد أعضاء المجتمع, ذلك أن المجتمع فى نهاية الأمر هو نسق من أنماط السلوك المنظمة والمشتركة بين الأفراد.

والمتبع لتاريخ الإنسانية – من منظور كونت – يستطيع أن يقف على الكيفية التى شكلت من خلال العلاقة بين هذه الجوانب المختلفة, على نحو يمكن معه تمييز ثلاثة مراحل للتطور العقلي والاجتماعي هي:

1- المرحلة اللاهوتية Theological Stage

وتتميز هذه المرحلة بأن مشاعر الإنسان وخياله تتصل أساساً بالبحث عن طبيعة الأشياء وأسبابها وغاياتها. وتتخذ تفسيرات الإنسان للأشياء والظواهر شكل الأساطير المتعلقة بالأرواح والكائنات فوق الطبيعية. وقد حدد كونت ثلاثة مستويات للتطور العقلى داخل هذه المرحلة. المستوى الأول هو التفسير الحيوى, حينما ينسب الإنسان لكل شئ فى الطبيعة حياة خاصة به تشبه الإنسانية, والتعددية, أى محاولة تفسير الظواهر بالرجوع إلى الآلهة والأرواح, والوجدانية, أى الاعتماد فى التفسير على إله واحد هو مصدر القوة والعقل. ويلاحظ أن طبيعة التنظيم الاجتماعى السائد خلال المرحلة اللاهوتية أنه تنظيم عسكرى, فالقوة العسكرية هى التى تحقق الاستقرار الاجتماعى, غير أن كونت يعتقد أيضاً أن الخيال والشعور هما أساس الخبرة الإنسانية خلال هذه المرحلة, فهما يدفعان الإنسان إلى التحرك نحو البحث عن الحقائق, وفى وقت لم يتم فيه تراكم للمعرفة الإنسانية. وهذا البحث الدائب هو الذى يوصل الإنسان إلى الحقبة الأخيرة من هذه المرحلة وهى حقبة الوحدانية, ويعنى ذلك بداية ظهور الفكر التحليلى والنقدى الذى يؤدى إلى المرحلة الثانية الانتقالية فى سلسلة التطور العقلى والاجتماعى.

2- المرحلة الميتافيزيقية Metaphysical Stage

وتمتاز هذه المرحلة بالتأمل العقلى, والبحث عن المعانى والدلالات, والكشف عن الجواهر, والتفكير فى ضوء المثاليات والأشكال, بل أن الإنسان يسيطر عليه تصور معين “للحقيقة المطلقة”. أما التغيرات النظامية التى تشهدها هذه المرحلة فهى نمو القدرة الدفاعية واتساع نطاق القانون بحيث يمهد ذلك الأساس للحياة المدنية التعاونية.

ومع ذلك, فإن تطور الإنسانية لم يقف عند هاتين المرحلتين, فلم يتمكنا فى الحقيقة من مواجهة المشكلات المتراكمة للحياة الإنسانية. إذ كلما أراد المجتمع الإنسانى تعقيداً وتركيباً, خاصة بعد الثورة الصناعية, اتضح عدم ملائمة المرحلتين اللاهوتية والميتافيزيقية. إن حاجة الإنسان إلى أساس سليم للمعرفة, والفنون, والحياة الاقتصادية والسياسية قد دفعته إلى تخطى المرحلتين السابقتين, والدخول إلى عصر المرحلة الثالثة التى أطلق عليها المرحلة الوضعية.

3- المرحلة الوضعية  Positive or Scientific Stage

فى هذه المرحلة الأخيرة يتجه الإنسان نحو رفض تلك الافتراضات اللاهوتية والميتافيزيقية التى تفسر الظواهر إما على أساس الآلهة أو الماهيات. فالإنسان – من وجهة نظره – عليه أن يبحث عن الأسباب الحقيقية لوقوع الأحداث والظواهر, التى يمكن أن تنتهى به إلى تفسيرات تستطيع أن تصمد أمام الاختبارات الواقعية. وهذه الأسباب يمكن الكشف عنها عن طريق القوانين الطبيعية التى تفسر الارتباط القائم بين الظواهر ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الوضعى المتماسك منطقياً, والقائم على أساس من الملاحظة والتجربة. ويعتقد كونت أن هذه المراحل الثلاث تمثل قانوناً عاماً ينطبق على الإنسانية بأسرها.

– هربرت سبنسر Herbert Spencer (1820-1903)

يذكر هربرت سبنسر فى سيرته الذاتية, أنه نشأ وهو مولعا بفكرة السببية Causation. فقد علمه أبوه أن أى شيء يحدث, إنما له سبب مؤدى إليه يمكن استيعابه, وأن هناك سبب طبيعي وراء كل ما يحدث. وفى مقال له يتحدث فيه عن مراحل تطوره الفكري, يؤكد سبنسر أن الأفكار ذات الأسباب الطبيعية كانت دائما مثار اهتمام لديه وتأثير عليه. وعندما وصل عمر السابعة عشر, كانت فكرة السببية الطبيعية Natural Causation  قد باتت مهيمنة على تفكيره.

والسببية – كما يراها سبنسر – أكثر عمقا من التطور الذي تدل عليه بشكل منطقى. فالقانون الطبيعي Natural Law  ذاته يعنى عملية اتساق العلاقات بين الظواهر. وهذا الاتساق ينجم عن القوانين السببية. وتنطبق السببية – وفقا لسبنسر – على كل مشاهد الوجود، بما فى ذلك الفكر والفعل الإنساني والظواهر الطبيعية. فإن كان فرع من العلم [كعلم الاجتماع على سبيل المثال] لا يبدوا أنه محكوم بالقوانين, فلا يعنى ذلك أنه لا يمكن اختزاله فى القوانين, بل يعنى بالأحرى أن قوانينه لازالت مستعصية على وسائل التحليل التى بين أيدينا.

ويرى سبنسر أن الفلسفة تمثل “المعرفة الموحدة كلية”. ومن خلال اشتقاق المبادئ من العموميات الأعلى, يحدث تكامل للمعرفة الموحدة جزئيا فى العلوم المختلفة ..

وقد وظف سبنسر نظرية التطور الاجتماعي Social Evolutionism  لدعم آرائه عن الفردية Individualism  وإطلاق الحريات laissez faire  الاقتصادية وإبطال قوانين الفقراء poor laws  والتضييق العام لأغلب التدخلات الحكومية .

منظور التطور عند سبنسر

سعى سبنسر – مثل سابقه “هيجل” Hegel – فى وضع بنية اجتماعية تطورية فلسفية متكاملة. لكنه – على النقيض من هيجل كان ينتهج مدخلا قائما على المدرسة الامبريقية (التجريبية) الانجليزية British Empiricism  وليس المثالية الألمانيةGerman Idealism, حيث كان توجهه الفكري قريبا جدا من البرجماتية الواقعيةRealistic Pragmatic  المميزة للتوجه الأمريكي. ويرى سبنسر أن المجتمعات تبدأ بأشكال بسيطة جدا من التنظيم، ثم تتقدم نحو مرحلة المجتمعات مزدوجة التركيب, وفى النهاية تسير نحو مرحلة شكل ثلاثي التركيب للتنظيم الاجتماعي. والمقصد الرئيس لسبنسر من نظريته التطورية هو شرح التغير الذي يطرأ أثناء التحول من النسق المتجانس إلى النسق المتغاير للبنية الاجتماعية.

ويمثل مؤلفه “أسس علم الاجتماع” [الواقع فى ثلاثة مجلدات, والمنشور عام 1877] أول دراسة منهجية شاملة كرسها صاحبها صراحة لاستعراض موضوعات التحليل السوسيولوجى. وقد كان سبنسر أكثر دقة من كونت بكثير فى تحديد الموضوعات أو الميادين الخاصة التى كان يرى أنه يتحتم على علم الاجتماع أن يهتم بها. وهكذا كتب فى المجلد الأول من كتابه أسس علم الاجتماع يقول: «يتعين على علم الاجتماع أن يصف كيفية ظهور الأجيال المتتابعة من الوحدات المدروسة, ونموها وإعدادها للتعاون. ولذلك يأتى موضوع تطور الأسرة فى المقام الأول… ثم يتعين على علم الاجتماع بعد ذلك أن يصف ويفسر نشأة وتطور التنظيم السياسى, الذى ينظم شئون المجتمع التى تنسق بين أفعال الأفراد الذين يعيشون فى المجتمع.. والتى تفرض عليهم ضوابط معينة فى بعض معاملاتهم مع بعضهم البعض.. كما يتعين عليه بالمثل أن يصف تطور الأبنية الكنسية ووظائفها… ونسق الضوابط الذى ينظم الأفعال الصغيرة.. كما يجب أن يدرس المراحل التى مر بها القطاع الصناعى فى المجتمع.. وكذلك نمو الأبنية التنظيمية التى استطاع ذلك القطاع الصناعى أن يطورها فى داخله».

وهكذا يتضح أن موضوع علم الاجتماع كما حدده سبنسر يتضمن عناصر مألوفة لنا تماماً. وربما كان علينا أن نترجم هنا أو هناك مصطلحاً معيناً من اللغة التى كان يستخدمها سبنسر إلى لغتنا المعاصرة. فمن الواضح مثلاً أنه عندما يتكلم عن “نسق الضوابط” إنما يقصد الموضوع الذى نطلق عليه فى علم الاجتماع المعاصر اسم “الضبط الاجتماعى”. وليست هناك أى صعوبة فى أن نتبين الصلة التى تربط موضوع علم الاجتماع كما يحدده علماء الاجتماع المعاصرون بالخطوط العريضة التى حددها سبنسر. فإذا تتبعنا ترتيب الموضوعات فى العبارة التى اقتبسناها من سبنسر, وجدنا أن ميادين علم الاجتماع عنده هى : الأسرة, السياسة, الدين, الضبط الاجتماعى, الصناعة أو العمل. وقد ذكر سبنسر فضلاً عن هذا صراحة الدراسة السوسيولوجية للاتحادات والمجتمعات المحلية وتقسيم العمل, والتباين, ودراسة الفن والجماليات. وتدلنا الدراسة غير المتحيزة لقائمة الموضوعات التى أوردها سبنسر فى كتابه “الأسس” فى ضوء الدراسات المعاصرة التى سنعرض لها فى الفصول التالية, تدلنا على أن إطار الموضوعات التى يتناولها علم الاجتماع قد ظل مستقراً بشكل ملحوظ على مدى فترة طويلة من الزمن.

ولكن من المؤكد أن سبنسر لم يكن ليوافق على اقتصار علم الاجتماع على عدد من النظم كالأسرة أو العمليات كالضبط الاجتماعي. فقد أكد على التزام علم الاجتماع بدراسة علاقة التفاعل بين مختلف عناصر المجتمع. وبيان كيفية تأثير الأجزاء على الكيان الكلى, وتأثره بها هو الآخر. وقد لفت نظرنا إلى طائفة من الأمثلة التى توضح هذه  ” الاثار المتبادلة ” نذكر منها آثار المعايير الجنسية على الحياة الأسرية. والعلاقات بين النظم السياسية وغيرها من أشكال السلوك المنظم لحياة الناس كالدين والشعائر. كما أقترح إجراء دراسة مناظرة لتنظيم السلك الكهنوتي وغيره من صور التدرج للكشف عن كيفية ” ارتباط التغيرات البنائية التى تحدث فيه بالتغيرات البنائية التى تحدث فيها”.

كذلك ألقى سبنسر على علم الاجتماع عبئاً آخر, وهو اعتبار المجتمع ككل وحدة التحليل بالنسبة لرجل الاجتماع. وكان يؤكد أنه على الرغم من أن أجزاء المجتمع تمثل وحدات منفصلة متميزة إلا أنها ليست موجودة فى مواقعها هكذا عشوائياً, إذ ترتبط بين هذه الأجزاء علاقة دائمة إلى حد ما, ومثل هذه الحقيقة تجعل المجتمع – بوصفه هذا – كياناً كليا له مغزى, يمثل موضوعات للبحث العلمى, وعلى هذا الأساس كان سبنسر يرى أن على علم الاجتماع أن يقارن المجتمعات على اختلاف أنواعها والمجتمعات على اختلاف مراحل تطورها. وأكد أنه يتعين علينا لكى نلم بأسس علم الاجتماع بأن نتناول ظواهر البناء والوظيفة كما تبدو فى المجتمعات بصفة عامة, منفصلة قدر الإمكان عن الظواهر الخاصة التى ترجع إلى ظروف خاصة. وهكذا نرى أن التقسيم الرئيسى لاهتمامات البحث السوسيولوجى كما حدده كونت يبدو واضحاً كذلك فى تفكير سبنسر.

ومن وجهة نظر علم الاجتماع الحديث, فإن الإسهام الذى قدمه سبنسر للفكر السوسيولوجى يتمثل فى تأكيده لأهمية البناء الاجتماعى وما يتضمنه من نظم اجتماعية, أى الأجهزة المتخصصة التى يتضمنها المجتمع بوصفه كائناً فوق عضوى. ولقد ميز سبنسر بين النظم المدعمة أو المحافظة كالزواج والقرابة, والنظم الاقتصادية, وأخيراً النظم التى تتولى تحديد القواعد وصيانتها كالدين والسياسة. أما الاجتماعى – فى نظره – فهو ضرب من التوازن يتحقق من خلال الوظائف المتبادلة التى تؤديها النظم الاجتماعية المختلفة.

– إميل دوركايم Durkheim (1858-1917)

لم يظهر علم الاجتماع فى شكله الراهن حتى السنوات الأولى من القرن العشرين على يد دوركايم فى فرنسا. فعلى من النقيض من كارل ماركس، لم يكن اهتمام دوركايم بالبحث الاجتماعي مجرد صورة أخرى للتحليلات الاقتصادية والسياسية، بل كان المجتمع موضوعا مستقلا؛ له مداخله الخاصة وطرائقه المنهجية المستقلة . لذلك فقد كان مهتما بتمييز هذا العلم الناشئ عن علم النفس من خلال افتراضه أن الظواهر النفسية أيا كانت ترجع فى الأساس إلى أصل اجتماعي . لذلك فقد عزم على وضع أوراق اعتماد هذا العلم الجديد من منطلق ادعاء أن الوقائع الاجتماعية عرضه للبحث والتحقيق من خلال المنهج العلمى .

وقد قام دوركايم بتأليف العديد من الكتب الهامة التى وضع فيها أسس علم الاجتماع، وقدم العديد من طرائق الاستقصاء التى لازالت على أهميتها حتى اليوم. وفى كتابه الأول “تقسيم العمل فى المجتمع” Division of Labor in Society، قدم نظرية التغير الاجتماعي Theory of Social Change, حيث افترض أن المجتمع قبل الصناعي لم يكن ينتشر به تقسيم العمل، وبالتالى كانت هوية الفرد متضمنة في هوية الجماعة وتابعة لها. ومع تطور المدن، زاد عدد السكان وصاحب ذلك زيادة متزامنة فيما يسمي بالكثافة الأخلاقيةMoral Density. وأدى تقسيم العمل للتوسع فى مهن فردية صارت أكثر تخصصا (لاسيما مع حقبة الثورة الصناعية). وكان من نتاج ذلك، خلق مجتمع يقوم على الاستقلالية والاختلاف أكثر من التشابه، مما عنى أن الهوة الفردية – ومفهوم الفردية – بدآ فى الظهور كموضوع يستأهل التحليل.

وهاتين المرحلتين لتطور النظام الاجتماعي؛ من التضامن الميكانيكى Mechanical Solidarity القائم على التشابه فيما قبل تقسيم العمل قبل ظهور المجتمع الصناعي وتطور المدن، إلى التضامن العضوي Organic Solidarity القائم على الاختلاف والتمايز وذلك مع حقبة الثورة الصناعية ونمو المدن وتقسيم العمل. هاتين المرحلتين كانتا قطبين فى سلسلة مستمرة ومتواصلة, حيث أن المجتمعات فى تلك الفترة – كما رآها دوركايم – كانت فى مرحلة انتقالية يغلب عليها الطابع الديناميكي. وكان معنى ذلك أنه فى حين أوشك التضامن الاجتماعى المميز للمجتمع قبل الصناعي على الاختفاء، كان النظام الجديد القائم على الاستقلالية الفردية لازال فى مرحلة النشوء .

وقدم دوركايم بعد كتابه الأول، مقالا عن الأسلوب العلمى تحت اسم “قواعد الطريقة المنهجية لعلم الاجتماع” The Rules of Sociological Method، حاول فيه تقديم أوراق الاعتماد البحثية لهذا الفرع العلمي الجديد. وفى كتابه الثالث – الذى كان له أهمية خاصة للباحثين فى علم الاجتماع الطبى– قام بتطبيق نظريته عن المجتمع وطريقته المنهجية على مشكلة الانتحار. حيث تعد تلك الدراسة أول عمل بحثي كبير فى علم الاجتماع الطبى. وقد عرض دوركايم فى هذا الكتاب – انطلاقا من نظريته عن تقسيم العمل – أشكال مختلفة للانتحار تعتمد على درجة تكامل الفرد مع المجتمع، فمن ناحية قد ينتحر الشخص مضحيا بنفسه فى سبيل الجماعة، ومن الناحية الأخرى قد يكون منعزلا عن المجتمع ويأتي انتحاره لأسباب شخصية.

ولم يعرض دوركايم تصوره لموضوع علم الاجتماع بنفس الدرجة من التفصيل التى عرض بها سبنسر. وإن كنا نستطيع أن نعيد صياغة رأيه من واقع الملاحظات التى جاءت فى كتابه قواعد المنهج فى علم الاجتماع, وفى عدد من كتاباته الأخرى. حيث أشار دور كايم كثيراً إلى ما كان يطلق عليه ” الفروع الخاصة ” لعلم الاجتماع, وكان يحبذ صراحة ازدهار هذه الفروع ونموها على نطاق واسع, وقال فى هذا أن علم الاجتماع لا يستطيع أن يصبح علماً ” إلا إذا تخلى عن دعواه الأولى فى الدراسة الشاملة للواقع الاجتماعى برمته. وإلا إذا ميز بين مزيد من الأجزاء, والعناصر, والجوانب التى يمكن أن تتخذ موضوعات لمشكلات محددة “. وقد أيد فى استعراضه لمؤلفاته ومؤلفات زملائه من علماء الاجتماع فى فرنسا ” طموحهم المشترك فى أن يبدءوا فى علم الاجتماع المرحلة التى أسماها كونت مرحلة التخصص”. وقد قبل دوركايم فكرة أن علم الاجتماع يجب أن يختص بطائفة واسعة من النظم والعمليات الاجتماعية. وقد كتب على سبيل المثال يقول : ” الواقع أن علم الاجتماع شأنه شأن كثير من العلوم الاجتماعية له من الفروع بقدر التنويعات الموجودة فى الظواهر الاجتماعية.

فهو يرى, أنه حتى نضحي بالحقائق الملموسة وبالواقع الذي نحيا فيه, فلابد أن يتمتع المجتمع بقوة معنوية طاغية تفوق قوانا الذاتية الخاصة, قوة تستطيع دفعنا إلى هذا الاتجاه. وكان ذلك بالنسبة له هو الدافع وراء أهمية فهم الظواهر الاجتماعية بوصفها أشياء واقعية ملموسة, عرضة لقوانين الطبيعة ومحفزة لإرادة الإنسان وقابلة للاكتشاف بالأسلوب العلمي من خلال سماتها وحدودها الخارجية. ويصف علماء الاجتماع ذلك على أنه أسلوباً منهجياً, صار بعد ذلك معياراً أساسياً فى أغلب النصوص التى قدمت لعلم الاجتماع. واللافت للانتباه, أن أعمال دوركايم كانت دائماً ذات مغزى أخلاقي وسياسى, أى أنه كان يهدف لبناء مفردات معيارية مقننة وأسلوب جديد فى الحديث عن الواجبات والالتزامات والمثل لتأخذ مكانها فى التعبير الديكارتي. وعلى شاكلة أفلاطون, كان دوركايم يشر إلى حالة عامة أكثر ملائمة لحاجات عصره.

وقد أوضح دوركايم موقفه فى الإطار العام الذى حدده للأعداد من مجلة “الحولية الاجتماعية” التى كانت أول مجلة سوسيولوجية متخصصة. فقد قسم المجلة إلى سبعة أقسام يندرج تحت كل قسم رئيسى منها عدد من الأقسام الفرعية وقد تضمن أحد الأعداد الممثلة الأقسام الرئيسية التالية :

  • علم الاجتماع العام, ويتضمن قسماً فرعياً عن الشخصية عند الفرد, وعند الجماعة.
  • علم الاجتماع الدينى.
  • علم الاجتماع القانونى والأخلاقى, ويتضمن أقساماً فرعية عن :

– التنظيم السياسى      – التنظيم الاجتماعى            – الزواج والأسرة

  • علم الاجتماع الجنائى
  • علم الاجتماع الاقتصادى, ويتضمن أقساماً فرعية عن :

– قياس القيمة                          – والجماعات المهنية

  • الديموجرافيا, وتتضمن قسماً فرعياً عن المجتمعات الحضرية والريفية
  • علم الاجتماع الجمالى

ومن الممكن الرجوع إلى هذا الإطار العام, الذي يعود إلى عام 1896 إذا ما أردنا إلقاء نظرة عامة على الاجتماع المعاصر.

وعلى الرغم من أن دوركايم قد قدم صورة عامة للنظم والعمليات الاجتماعية التى يجب على علماء الاجتماع الاهتمام بها, إلا أنه أكد شأنه شأن كونت وسبنسر على أهمية تحليل العلاقات بين النظم وبعضها من ناحية وبينها وبين البيئة الموجودة فيها من ناحية أخرى. ويؤكد دوركايم أن من أبرز إسهامات علم الاجتماع الوعى بأن هناك علاقة وثيقة بين جميع الظواهر الاجتماعية المتباينة أشد التباين, والتى تمت دراستها حتى الآن.. وأنها توجد فى حالة الاعتماد الكامل. وكان يرى أن كل ظاهرة اجتماعية لابد وأن ترتبط ببيئة اجتماعية معينة, وبنمط محدد من أنماط المجتمعات, وكان يرى أن عدم مراعاة ذلك يعنى ترك الظواهر الاجتماعية كظواهر الدين والقانون والأفكار الأخلاقية, والاقتصاد “معلقة فى فراغ”. وكان يتمسك بأننا لا يمكن أن نفهم هذه الظواهر “ما ندرسها فى علاقتها ببعضها البعض وفى علاقتها بالبيئة الاجتماعية التى تطورت فيها, والتى تعد هذه الظواهر تعبيراً عنها”.

ولم يكن دوركايم أقل حرصاً من سبنسر على اعتبار المجتمعات وحدات هامة للتحليل السوسيولوجى. فكان يصف علم الاجتماع بأنه “علم دراسة المجتمعات”. كما أكد أكثر من مرة على أهمية دراسة أنماط مختلفة من المجتمعات دراسة مقارنة. فقد كتب فى كتابه قواعد المنهج يقول : “إننا لا نستطيع أن نفسر ظاهرة اجتماعية أياً كانت درجة تعقيدها إلا من خلال تتبع عملية التطور الكاملة التى مرت بها خلال التكوينات الاجتماعية المختلفة. فعلم الاجتماع المقارن ليس إذن مجرد فرع من فروع علم الاجتماع وإنما هو علم الاجتماع نفسه.

وقد حدد دوركايم خصائص الظاهرة الاجتماعية على أنها تنشأ باجتماع الناس بعضهم ببعض, ولا تكون وليدة إرادة فردية, وتتميز بإلزام الأفراد وقهرهم على سلوك بعينه تغريهم به جزاءات وعقوبات يفرضها المجتمع ويحددها القانون. وهكذا نزع علم الاجتماع إلى الاستقلال عن الفلسفة, وصار علماً موضوعه الظواهر الاجتماعية من عادات وتقاليد ونظم سياسية ودينية واقتصادية ونحوها مما ينشأ عن حياة الأفراد مجتمعين فى زمن معين ومكان محدد. وأصبحت مهمة علم الاجتماع وصف هذه الظواهر كما هى موجودة بالفعل وتحليلها وردها إلى عللها والانتهاء إلى معرفة قوانينها بموضوعية يتوخى فيها الباحث إبعاد عواطفه وميوله وأهوائه ومصالحه, كما هو الحال فى دراسات العلوم الطبيعية. ومن هنا رأى أصحاب هذا العلم أن دراساته تقوم على الملاحظة والاستنتاج واستقراء الحقائق مع صياغة النتائج فى كميات عددية أو رموز رياضية ورسوم بيانية وقوانين إحصائية.

ماكس فيبر Max Weber (1864-1920)

كرس ماكس فيبر الجانب الأكبر من كتاباته فى علم الاجتماع لشرح وتفسير المنهج الخاص الذى نادى به, والذى أسماه منهج الفهم. لمناقشة التقلبات التى تطرأ على التمسك بالموضوعية والحياد فيما يتصل بإطلاق الأحكام القيمية فى العلوم الاجتماعية, ومع ذلك فقد قدم ماكس فيبر تعريفاً عاماً لعلم الاجتماع الذى وصفه ذات مرة بأنه “تلك الكلمة البالغة الغموض”. وعلم الاجتماع فى رأى فيبر “هو العلم الذى يحاول الوصول إلى فهم تفسيرى للفعل الاجتماعى من أجل التوصل إلى تفسير علمى لمجراه ولنتائجه”. والعبارة الحاسمة فى هذا التعريف هي “الفعل الاجتماعي”. فالواقع أن ماكس فيبر قد أعطى هذا المصطلح معنى واسعاً كل السعة, إذ ضمنه ” كافة أنواع السلوك الإنسانى, عندما يخلع عليها الأفراد الفاعلون معنى ذاتياً, وتختلف أهميتها تبعاً لما يخلعونه عليه من هذا المعنى الذاتى”. وقد يوحى هذا التعريف بأن فيبر كان يعتبر “الفعل الاجتماعي” أو ” العلاقة الاجتماعية ” هى الموضوع الحقيقى لعلم الاجتماع. ومع أن فيبر قد اقترح فعلاً نسقاً دقيقاً لتصنيف الأفعال الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية, إلا أنه لم يدرسها بصفتها هذه, فلم يؤسس علم الاجتماع عنده على مجموعة من الأحكام الوصفية عن مثل هذه الأفعال أو أنماط العلاقة الموجودة بينها, كما أنه لم يقدم أى تفسيرات مفصلة لمثل هذه الأنماط فقد ركز كل جهده أساساً على تحليل بعض النظم المشخصة الموجودة فعلاً. ومن بين الموضوعات التى كتب عنها كتابة مركزة : الدين وبعض جوانب الحياة الاقتصادية, كالنقود، وتقسيم العمل, والأحزاب السياسية وغيرها من أشكال التنظيم السياسى, والسلطة, والبيروقراطية وغيرها من أنواع التنظيمات ذات النطاق الواسع, والطبقة الاجتماعية والطبقة المغلقة, والمدينة, والموسيقى.

ولا يكشف تعريف فيبر لعلم الاجتماع ولا قائمة الموضوعات التى كتب فيها بالقدر الواجب عن بعض السمات البارزة لعمله, وقد كتب البروفيسور “راينهارد بندكس” Reinhard Bendix  – أحدث من أرخ لفيبر – كتب عن دراسات فيبر الشهيرة عن الدين يقول: “أن الموضوعات الرئيسية الثلاثة كانت تدور حول الكشف عن أثر الأفكار الدينية على الأنشطة الاقتصادية, وتحليل العلاقة بين التدرج الاجتماعى والأفكار الدينية, وتحديد وتفسير السمات المميزة للحضارة الغربية”. وسوف ندرك على الفور أن الموضوع الرئيسى الأول من هذه الموضوعات يمثل جانباً آخر من مفهوم علم الاجتماع باعتباره ينفرد بدراسة العلاقات المتبادلة بين مختلف أجزاء المجتمع. أما الموضوع الرئيسى الثالث والذى نعتبره إشارة جديدة إلى علم الاجتماع المقارن الذى يتخذ من المجتمعات وحدة للتحليل. والذى يبحث فى العوامل التى تفسر أوجه الشبه وأوجه الخلاف بين المجتمعات على اختلاف الأماكن والعصور التى توجد فيها.

 وقد اهتم فيبر بدور الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية, ومن المعروف أن فيبر يمثل أحد أقطاب التوجه نحو التحليل السوسيولوجي اعتماداً على الوحدات الاجتماعية الكبرى ويرى فيبر أن الأخلاق الدينية المميزة للمجتمعات البروتستانتية تتضمن قيماً داعمة وميسرة لتطور ونمو الاقتصاد الرأسمالى, هذه الرؤية التى يجسدها النموذج أو الأسلوب الذى يتعامل مع النسق الاجتماعي ككل أو التحليل على مستوى النسق وليس على أجزاءه الفرعية, وتتطلب عملية تأكيد القضية النظرية التى طرحها فيبر عن العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية نوعين من الشواهد الأساسية :

يتعامل الأول مع المقارنة المتسقة بين النظم الاقتصادية للمجتمعات البروتستانتية وللمجتمعات غير الروتستانتية لنحدد أو لنجيب على السؤال المتعلق بالعلاقة بين الرأسمالية والعقيدة البروتستانتية.

ويدور الثانى حول التحليل والفحص للنظام الاقتصادى للمجتمعات التى تتبنى العقيدة البروتستانتية عبر فترة زمنية معينة لنحدد أو نجيب على السؤال المتعلق بمدى التطور فيه بعد تبنى هذه المجتمعات لهذه العقيدة. وقد قدم فيبر شواهد لكلا النوعين حيث قارن بين بعض الدول بناء على وضعها أو عقيدتها الدينية.

ومن الجدير بالملاحظة أنه تم تأويل إسهامات البنائية الوظيفية فى أنها تدمج التقسيم التنظيمى للعمل مع كل من تنظيم القوة وبناء الثقة والمعنى لذا فإن ما سبق أن عبر عنه السوسيولوجيين فى المرحلة الكلاسيكية من احتمال وجود صراع أو توتر بين هذه المكونات أمر غير معترف به أو لا يمكن حدوثه وفق تفسير المدرسة البنائية الوظيفية وقد تدعم هذا الانطباع نظراً للحقيقة التى مؤداها أن تحليل المدرسة البنائية الوظيفية لجوانب أو أبعاد النظام الاجتماعى باستخدام مصطلحات النسق والتماسك والاستقرار للنظام الاجتماعى وفى ذلك إغفال أو إضفاء طابع سلبى على دور الأفراد والجماعات فى بناء مثل هذا النظام, وإنكار فى نفس الوقت للتوتر أو الصراع الذى قد يوجد بين التقسيم الاجتماعى للعمل وتنظيم القوة وبناء المعنى والثقة.

كارل ماركس Karl Marx (1818-1883)

كارل ماركس فيلسوف ألماني، سياسي، وصحفي ،ومنظّر اجتماعي. قام بتأليف العديد من المؤلفات، إلا أن نظريته المتعلقة بالرأسمالية وتعارضها مع مبدأ أجور العمال هو ما أكسبه شهرة عالمية. لذلك يعتبر مؤسس الفلسفة الماركسية، ويعتبر مع صديقه فريدريك إنجليز المنظرين الرسميين الأساسيين للفكر الشيوعي. وقد شكل وقدم مع صديقه فريدريك إنجليز ما يدعى اليوم بالاشتراكية العلمية (الشيوعية المعاصرة). ولد بمدينة (ترير) في ولاية (رينانيا) الألمانية عام 1818م والتحق بجامعة بون عام 1833 لدراسة القانون. وأظهر ماركس اهتماماً بالفلسفة رغم معارضة والده الذي أراد لماركس أن يصبح محامياً. وقام ماركس بتقديم رسالة الدكتوراه في الفلسفة عام 1840 وحاز على شهادة الدكتوراه. من مؤلفاته:  “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”(1859) و “رأس المال” (1867).

وقد أحدثت الفلسفة الماركسية ثورة فى العلم, ولكى ندرس هذه الفلسفة يتعين علينا أن نتذكر أن ماركس ولينين قد اعتمدا على بعض الفلسفات السابقة وعلى الانحياز الإيجابى للعلوم, خاصة دارون ونظريته عن أصل الأنواع. فالفلسفة الماركسية هى نتاج لظروف اقتصادية اجتماعية محددة كما أنها أيضاً نتاجاً لمتطلبات فلسفية وطبيعية معينة  .

وقد ظهر الاتجاه الماركسي فى عام 1840, وكان نتاجاً مباشراً لظروف اجتماعية معينة. لأن الرأسمالية قد تطورت وزاد التوجه نحو علمنة الحياة (في ضوء خلفية الصراعات بين العلم والكنيسة في أوروبا ومحاكمات العلماء واتهامهم بالهرطقة), فوجد ماركس وانجليز أن السبيل الوحيد لفض النزاع بين العلم والكنيسة هو رفض الدين من الأساس, فكانت فلسفته المادية وكان زعمه بأن الدين ما هو إلا مخدر لتخدير الشعوب.

موقف ماركس الأيديولوجي

أعلن كارل ماركس (1818-1883) تحيزه الأيديولوجي بوضوح منذ البداية. كما أنه بدلاً من أن يحاول إخفاء الصلة بين موقفه الأيديولوجي وبين اتجاهه الفلسفي النظري, عمل على أن يؤكد هذه الصلة ويبرزها بشكل صريح. ولم تنفصل مجهودات ماركس السياسية عن مجهوداته العلمية النظرية, بل إنه كان هناك دائماً تلاحم بين الاثنين لدرجة أن تاريخه الشخصى – الذى يمكن اعتباره حتى عام 1845 – أى حين كان فى السابعة والعشرين من عمره سلسلة من الحلقات فى تاريخ فرد أصبح منذ هذا الوقت لا ينفصل عن التاريخ العام للاشتراكية فى أوربا. فقد أصبح ماركس ثورياً محترفاً, يكتب ويحاضر ويتآمر من أجل تحقيق الثورة على النظام الرأسمالى التى كان يعتقد أنها آتية لا ريب فى ذلك.

وقد عبر ماركس عن اتجاهه الأيديولوجى منذ أن كان صبياً فى مرحلة المراهقة, فقد كتب مقالاً قصيراً عندما كان فى السنة النهائية بالمدرسة الثانوية عنوانه “تأملات شاب عن اختيار مهنته” عبر فيه عن مبدأ ظل يسترشد به طوال حياته السياسية والفكرية حيث قال: «إن المبدأ الذى يجب أن نسترشد به فى اختبارنا لمهنتنا يجب أن يكون رفاهية الإنسانية وكمال أنفسنا ولا يجب أن يتطرق إلى أذهاننا أن هاتين المصلحتين تتعارضان مع بعضهما البعض أو أن إحداهما يمكن أن تقضى على الأخرى. فالواقع أن طبيعة الإنسان تمكنه من تحقيق كمال ذاته من خلال العمل على تحقيق كمال ورفاهية مجتمعه. والتاريخ يسمى أولئك الأشخاص الذين يعملون من أجل الإنسانية أعظم الرجال الذين اكتسبوا صفات النبل من خلال جهودهم فى سبيل الإنسانية».

وفى عام 1843 كتب ماركس سلسلة من المقالات السياسية فى مجلة Rheinische Zeitung  الألمانية عن الظروف الاجتماعية وتناول فى هذه المقالات وصف بؤس الفلاحين الذين يزرعون الكروم والمعاملة القاسية التى كان يلقاها الفقراء لسرقة بعض الأخشاب من الغابات التى كانوا يعتقدون أنها ملكية عامة لهم فيها بعض الحقوق, كما هاجم ماركس الحكومة الروسية التي وصفها بالرجعية فى مقالاته, مما أدى بإمبراطور روسيا فى ذلك الوقت إلى الاتصال بالسفير الروسى بخصوص ماركس, وكان من جراء ذلك إغلاق المجلة التى يكتب فيها ماركس, فهاجر إلى باريس حيث طردته الحكومة الفرنسية من فرنسا عام 1854 بناء على شكوى الحكومة الروسية لمهاجمته لها فى سلسلة من مقالاته, فهاجر إلى بروكسل حيث اتصل بالمنظمات الاشتراكية وبخاصة الرابطة التربوية للعمال الألمان Educational Association of German Workers  والعصبة الشيوعية The Communist League . وفى عام 1847 كتب ماركس بناء على تكليف من هذه المنظمة وثيقة تشرح أهدافها ومعتقداتها, وهى التى عرفت باسم البيان الشيوعى “المانيفستو”Communist Manifesto  وكانت أول جملة فى هذا البيان “أن تاريخ كل المجتمعات هو تاريخ الصراع الطبقى” تمثل أهم الجوانب التى ميزت فكر كارل ماركس الذي كان يقوم على فكرة الصراع والطبيعة الجدلية.

وفى عام 1848 اتجه ماركس إلى ألمانيا بعد قيام الثورة فيها, حيث رأس تحرير مجلة راديكالية جديدة تهاجم ما أسمته الرجعية والرأٍسمالية, وتدافع عن حقوق الطبقة العاملة. وبعد فشل الثورة, عاد إلى باريس ثم استقر به المقام فى لندن منذ عام 1849 حتى نهاية حياته, حيث أصبح ريئساً للجمعية العمومية الدولية التى تكونت عام 1863 وهى اتحاد دولى للعمال كان يهدف إلى وضع نهاية النظام الاقتصادى الرأسمالى واستبداله بنظام آخر يقوم على الملكية العامة. وخلال هذا النشاط السياسي, كان ماركس يعمل فى مؤلفاته التى تعكس هذا النشاط وتدعمه فى نفس الوقت.

وهكذا نرى أنه فى مقابل انحياز كونت ودوركايم وفيبر وباريتو للطبقة العليا (البرجوازية) وتسخيرهم نظرياتهم لتبرير النظام الرأسمالي والدفاع عن البرجوازية, انحاز كارل ماركس للطبقة العاملة وسخر نفسه ونظريته للدفاع عن هذه الطبقة ونقد ومهاجمة النظام الرأسمالى من أجل الإطاحة به وإحلال النظام الاشتراكى محله. ومثلما كانت نقطة انطلاق كونت لتحقيق هدفه هى رفض فلسفة التنوير النقدية والسلبية على اعتبار أنها حققت هدفها بقيام الثورة البرجوازية والنظام الرأسمالي الصناعي وتبنى بدلاً منها الفلسفة الوضعية الإيجابية التى كانت نقطة انطلاق ماركس من فلسفة التنوير النقدية السلبية ولكنه قام بتطويرها على أسس مادية أو لامثالية.

وتتكون الماركسية من شقين متكاملين. المادية الجدلية Dialectical Materialism  والمادية التاريخية Historical Materialism . والموضوع الأساسى للمادية الجدلية هو القضية الفلسفية الأساسية التى تدور حول علاقة الوعى بالوجود. وموقف الفلسفة الماركسية من هذه القضية محدد بوضوح. فهى تسلم بأن المادة والوجود أساس الوعي أو الفكر. فالوجود هو الأولى والوعي هو الثانوى. كما أنها تسلم بالأساس المادى للعالم وبإمكانية فهمه ومعرفته – كما أنها تدرس هذا العالم المادى بوصفه فى حالة حركة وتطور مستمرين على أساس جدلى أو ديالكتيكى وترفض أى معنى روحى أو دينى. وترى أنها تكشف عن أكثر القوانين التى تحكم تطور العالم المادى عمومية؛ أى تلك القوانين التى تحكم كافة مجالات الواقع. فكل الموضوعات الحية وكذلك ظاهرات الحياة الاجتماعية والوعى – من هذا المنظور المادى البحت – تتطور على أساس قوانين الجدل الأساسية ووحدة صراع الأضداد, وقانون التحول الكمى إلى تغير كيفى وقانون النفى. كما تدرس المادية الجدلية أيضاً القوانين التى تحكم المعرفة Cognition  بوصفها عملية والتى تعكس قوانين العالم الموضوعى.

أما المادية التاريخية فتعنى بالقوانين العامة التى تحكم تطور المجتمع وتكشف الطبيعة المادية الجدلية لتطور الحياة الاجتماعية. وهى عبارة عن تطبيق القوانين العامة للمادية الجدلية على نوع معين من ظاهرات الكون وهو الحياة الاجتماعية.

وتشكِّل الفلسفة المادية البِنْيةَ الفكرية التحتية، أو النموذج المعرفي الكامن للعديد من الفلسفات الحديثة: الماركسية والبرجماتية والداروينية وغيرها. كما أنها تشكِّل الإطارَ المرجعيَّ الكامنَ لرؤيتنا للتاريخ والتقدُّم وللعلاقات الدولية، بل وأحياناً لأنفسنا. وقد ارتبطت الفلسفة المادية في عقول الكثيرين بالعقلانية والتقدُّم والتسامح… إلخ، مع أن الواقع أبعدُ ما يكون عن ذلك! ويذهب المسيري في هذه الدراسة إلى أنه قد حان الوقت لفتح باب الاجتهاد بخصوص هذه الفلسفة، نظراً لأهميتها وهيمنتها على بعض أعضاء النُّخَب الثقافية والفكرية عندنا. ويمكن تصنيف هذه الدراسة باعتبارها محاولةً في هذا الاتجاه. فهي تحاول تعريف الفلسفة المادية وسر جاذبيتها ومواطن قصورها، فهي تُخفق في تفسير ظاهرة الإنسان، بل وتشكل هجوماً على الطبيعة البشرية. وتتناول الدراسة كذلك مفهوم العقل، فتبيِّن أن العقل في حد ذاته مفهوم عائم غائم، وأن المهم هو النموذج الكامن وراء العقل. وانطلاقاً من هذا التصوُّر تحاول الدراسة حصر أهم سمات العقل المادي، كما تحاول توضيح الفرق بين العقل الأداتي والعقل النقدي. وتتناول بقية الدراسة بعض التجليات التاريخية للفلسفة المادية، مثل العلمانية الشاملة والإمبريالية والداروينية والإبادة الغربية لملايين البشر ابتداءً من عصر النهضة في الغرب في الأمريكتين حتى العصر الحديث في ألمانيا النازية والجزائر وفيتنام والبوسنة والشيشان.

وعلى الرغم من أن هؤلاء المؤسسين الأربعة لعلم الاجتماع لم يعبروا عن آرائهم بمصطلحات متطابقة كل التطابق, إلا أن هناك اتفاقاً أساسياً فيما بينهم على الموضوع الحقيقى لعلم الاجتماع, وأول نقط الاتفاق فيما بينهم أنهم جميعاً يسمحون – بل ويحثون أحياناً– علماء الاجتماع على دراسة طائفة كبيرة من النظم الاجتماعية, ابتداء من الأسرة حتى الدولة, وهم يتفقون على أنه ينبغى تحليل هذه النظم من منظور خاص هو منظور علم الاجتماع.

وفى سياق الحديث عن العلماء الأوائل المؤسسين لعلم الاجتماع, لا يمكن تجاهل دور العلماء الأمريكيين إذا أخذنا في الاعتبار, أنه مع عشرينات القرن العشرين, وصولا إلى حقبة الحرب العالمية الثانية, كان للباحثين الأمريكيين السبق في العلوم الاجتماعية. فضلا عن هجرة العديد من علماء الاجتماع الأوروبيين إلى أمريكا في فترة الحرب واستقرار العديدين منهم فيها بعد ذلك.

وفى هذا الصدد, نلاحظ أن علماء الاجتماع الأوائل فى الولايات المتحدة كان أغلبهم قادم من خلفيات علمية مختلفة. فمثلا “سمنر” Sumner كان عالم اقتصاد, وتلقى “سمول” Small  تدريبه فى البداية كواعظ ديني, ثم أصبح بعد ذلك عالم سياسى ومؤرخ, وتدرب “جيدنجس” Giddings فى البداية ليصبح صحفي, واستمر كذلك لعدة سنوات عمل فيها كصحفي نشط فى الرابطة الأمريكية للاقتصاديين, وكان “روس” Ross فيلسوفا واقتصاديا. وهؤلاء وغيرهم ممن صاروا مهتمين بعلم الاجتماع فيما بعد, كان يتضح فى كتاباتهم تأثرهم بخلفيتهم العلمية السابقة. ونعرض فيما يلى لبعض تلك الأسماء الهامة.

– ليستر ف. وورد Lister  F. Ward  

يعد ليستر وورد أقدم علماء الاجتماع الأمريكيين, حيث ظهر مؤلفه الأول “علم الاجتماع الدينامى” Dynamic Sociology  فى عام 1883. وقد تميزت أفكار وورد – على خلاف الكثير من العلماء الأوائل فى أمريكا – بالنضوج الكبير عندما كتب كتابه الأول. ويمكن القول أن أعماله التالية كانت مجرد توسعا واستفاضة فى بعض النقاط التى وضعها فى كتابه الأول. وقد كان جل اهتمام وورد منصبا على تصحيح ما كان يراه أخطاء عند كونت وسبنسر. حيث كرس نفسه ووجه طاقته لإكمال هرمية hierarchy كونت للعلوم وتوضيح أن سبنسر لم يحالفه الصواب فى التصحيحات التى قام بها. ومن الإسهامات الهامة الأخرى لوورد تأكيده على العوامل النفسية فى تطور الثقافة أو الحضارة. وقد حمل مخططه المنطقي logical scheme  الذي عرض فيه لتأملاته طابع مهنته العلمية (حيث كان يعمل فى الأساس عالم نباتات صرف جانبا كبيرا من حياته فى خدمة الحكومة فى واشنطن), وكان ذلك واضحا فى إسهاماته الرئيسة. وكان تأكيده على أهمية العوامل النفسية فى النشوء والتطور الاجتماعي يقف فى وجه مادية سبنسر التى كانت تغفل هذا العامل.

كما كان له إسهامات هامة أخرى فى بعض النطاقات البسيطة, مثل رأيه بأن عملية النشوء والتطور ليست مستمرة أو مباشرة, بل إنها بالأحرى عملية رمزية. ومهما يمكن أن يقال عن مخططة المنطقى لعلم الاجتماع, فإن مكانته كمفكر نشيط فى علم الاجتماع الأمريكى تحتل مكانة كبيرة.

7- ويليام جراهام سمنر William Graham Sumner

درس سمنر فى ألمانيا فى عقد الستينات من القرن التاسع عشر. وقد عمل فى جامعة  “ييل” Yale منذ 1866 إلى 1869. ثم عمل لمدة ثلاث سنوات كمدير مساعد بكنيسة فى مدينة نيويورك, ثم أصبح خورى فى كنيسة كبيرة. ومنذ عام 1872 حتى وفاته فى 1910 شغل منصب أستاذ علوم سياسية واجتماعية فى جامعة ييل. ولم ينشر سمنر إلا كتابين فى علم الاجتماع؛ الأول كان بعنوان “ما الذى تدين به الطبقات الاجتماعية لبعضها البعض” What Social Classes Owe  Each Other , ونشر فى عام 1883, وهو لا أهمية له من منظور علم الاجتماع. وفى عام 1906 نشر كتابه الثانى “الطرق الشعبية” Folk Ways  وهو كتاب ذو قيمة كبيرة. وكان هناك كتاب ثالث فى علم الاجتماع بدأ بكتابته فى عام 1899, لكنه مات قبل أن ينتهي منه. وبمطالعة كتابه الثانى “الطرق الشعبية”, يخرج القارئ بانطباع أنه أمام رجل شتت طاقه فى أكثر من اتجاه, لذلك فكم فلا تخرج منه بمفهوم واضح لعلم الاجتماع. وربما تكون أهم إسهاماته فى تطوير علم الاجتماع الأمريكي هي تأكيده المستمر على الأسلوب العلمي.

8- ألبيون سمول Albion W. Small

شأنه شأن أغلب علماء الاجتماع الأمريكيين الأوائل, جاء ألبيون سمول من خلفية علمية مختلفة. فبعد تخرجه من الكلية, دخل معهد نيوتن اللاهوتي Newton Theological Institute , حيث تعلم علوم اللاهوت وقرر الذهاب لعدة سنوات لألمانيا وانجلترا لدراسة التاريخ والاقتصاد السياسي. وفى برلين وليزبيرج, تحول لمجال ثقافي جديد كان يشغل المؤرخين والاقتصاديين السياسيين الألمان فى تلك الفترة وهو علم الاجتماع. وبعد زواجه فى ألمانيا, عاد لبلده حيث شغل موقع أستاذ تاريخ واقتصاد سياسى فى جامعة كولبى التى كان قد تخرج منها. وقد أيقظت دراساته المشتركة مع “سمولر”Schmoller  اهتمامه بصراع الطبقات والعوامل التى تدفع حراك الطبقات المختلفة فى محاولة منها لتأمين إشباع رغباتها. وفى هذه الأثناء, كان قد أصبح على علم بكتُاب علم الاجتماع فى فرنسا وبريطانيا, وحاول أن يجد مكانا فى أمريكا يمكن فيه تعليم علم الاجتماع. وفى النهاية من خلال نفوذ صديق له من خريجى جامعة جونز هوبكنز ومن خلال التأثير لأحد أول كتب البرفسور “ريتشارد ت. إلى” Richard T. Ely, فقد ترك جامعة كولبى فى إجازة لمدة عام وذهب لجامعة جونز هوبكنز، حيث أثار مخيلة بعض معلمى وخريجى الجامعة لفكرته. وعند عودته لجامعة كولبى, تم انتخابه كرئيس للمعهد, وقام بتقديم مقرر فى علم الاجتماع تحت عنوان “مقدمة لعلم الاجتماع”.

وقد أسهم سمول عبر حياته فى تنمية الفكر السوسيولوجي فى أمريكا. ومن أهم هذه الاسهامات:

  • نظريته عن القوى الاجتماعية المفترض وجودها فى المصالح. والمصالح التى يراها تتضمن الصحة والثروة والعلاقات الاجتماعية والمعرفة والجمال والصواب. وتبرز نظرية المصالح تلك أثر خبرته التى تحصل عليها فى ألمانيا بشكل واضح.
  • قد تكون أهم إسهامات سمول متمثلة فى قيامه بشرح “راتزفهومز” Ratzenhofer لعلماء الاجتماع الأمريكين.
  • فى أثناء الجزء التالي من حياته, كان سمول مهتما بما أسماه الطريقة المنهجية methodology . ففى حين أنه اتفق مع ” سمنر وجيدنجس” Sumner and Giddings فى تأكيدهما على ضرورة بناء علم الاجتماع وجعله حقيقة واقعة, فإن ما قصده بالطريقة المنهجية هو وضع التصنيفات التى يرى أنها تعطى مغزى للحقائق الموجودة. وقد كان أهم أعماله فى الطرائق المنهجية دراسته المقارنة لأعمال سنبسر و “سيكيفل” Schaeffle وراتزفهومز, حيث أشار فيها إلى أن التوجه السياسي لعلم الاجتماع – من سبنسر حتى راتزتهوفر – حدث له انتقال من المرحلة الفنية الى المرحلة العملية, أو كما وصفه “تحول تدريجى فى المساعى البحثية من التمثيل التناظرى للبنى الاجتماعية الى التحليل الحقيقى للعمليات الاجتماعية”.
  • على النقيض من سمنر, خرج سمول من دراسته للصراع بين الجماعات بمفهوم مفاده أن الصراع يتم حله من خلال التعاون المتبادل والضبط الاجتماعي. وقد زودت هذه النظرية سمول بطريقة منهجية وعللت تأكيده على الأخلاق فى علم الاجتماع. فاهتمامه بعلم الاجتماع مقتصر على قدرة هذا العلم فى الاسهام فى التحسين الاجتماعى.
  • يمكن القول أن سمول كان له اسهاما فى تاريخ علم الاجتماع أكثر من أى عالم اجتماع أمريكى آخر. تشهد بذلك أعامله مثل “خمسون عاما لعلم الاجتماع فى الولايات المتحدة” الذى نشر فى عام 1916 و “مستقبل علم الاجتماع” ونشر فى عام 1920, وكتابه الآخر “أصول علم الاجتماع”, والتى تتحدث جميعها ليس فقط عن عملية تطور علم الاجتماع فى أمريكا, بل تلقى الضوء كذلك على الخلفية الأوربية التى تطور فى ظلها خاصة فى ألمانيا.

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!