الشخصية في نظر دكتور علي الوردي

ماهية مصطلح الازدواجية )

في الكثير من التتبعات الفكرية والثقافية لما كتبه الاستاذ الدكتور علي الوردي ، وفي سبيل الحصول واكتشاف المفهوم والمضمون الفكري لمستخدم الدكتور في مصطلحه (الازدواجية في الشخصية العراقية ) ، ندرك من هنا وهناك : ان الدكتور اراد من مصطلح ( الازدواجية ) في احيان كثيرة هو ذالك المعنى الذي يشير الى :ان الفرد العراقي واقع بين معادلتين صعبتين في حياته الانسانية الاجتماعية : الاولى : المعادلة الثقافة الفكرية العقائدية والتي من خلالها يطلّ الفرد العراقي على حياة ترسم له المدينة الفاضلة التي ينبغي ان يعيش فيها ، والتي تحترم الصدق وتؤمن بالعدالة ، وترنوا الى السمو بالمعنويات الاخلاقية الى كمال التقديس والتنزيه والتبجيل المطلق !.والثانية : المعادلةالاخرى السلوكية الاجتماعية المادية المعيشية التي تفرض على الفرد العراقي كل مامن شأنه ان يناقض المعادلة الاولى من اخلاقيات ومعنويات وتقديسيات وتبجيليات فكرية وايمانية وتقديسية ….، بحيث ان الفرد العراقي اصبح اشبه بمعمل متناقض ومتضارب ومزدوج في مقدماته ونتائجه ، فبينما يؤمن الفرد العراقي ويقدس الصدق بقوّة وبحرارة عالية في المسجد وعلى المستوى الروحي والايماني ، نجده عند اول خطوة خارج المسجد ، وعلى اعتاب السوق وفي معترك الحياة الاجتماعية والاسرية والمعيشية ، هو مضطّرٌ لتقمص الشخصية الاخرى في حياته الاجتماعية والاسرية وكذا الفردية ، حيث يكون الكذب هي لغة السوق والتجارة والربح والخسارة الطبيعية ، وكذا الظلم يصبح اللغة والمصطلح والسلوك الواقعي ، والعصا المرفوعة ، الذي من خلالها يؤدب اعدائه وابنائه في الاسرة على صعيد واحد!. وهكذا يمارس الفرد العراقي كل مامن شأنه ان يخلق حالة الصراع والازدواجية في شخصيته الانسانية من منطلق ايمان هذا الفرد بعد التجربة الطويلة انه لابد ان يعيش بين معادلتين ، وتحت اطار حياتين متناقضتين ومتصارعتين ، الاولى هي حياة الفكر والروح والايمان والثقافة والعقل والتاريخ والدين والمسجد ، التي تؤمن بكل ماهو نظيف ومقدس وطاهر ، وهذه الحياة على الارجح تُمارس في الاطر الدينية للمسجد وعلى مستوى التنظير والحكايات البطولية ، والثانية ، وهي الحياة التي تفرض معادلتها على الحياة عندما يتعامل الفرد الانساني العراقي مع غيره ، وفي الخارج من حياته الاجتماعية ( في السوق والعمل ومع الجار وفي المدرسة ….) ليتشكل سلوكه بشكل طبيعي واخلاقياته وتصرفاته حسب مقتضى الحياة والمعيشة !.والى هنا يبدو ان الوردي في مفهوم الازدواجية يشير الى ظاهرة انسانية طبيعية ، موجودة هي في المجتمع العراقي كما انها موجودة في جميع المجتمعات الانسانية الاخرى ، لاسيما ان رصدنا هذه الظاهرة في كل شعب ومجتمع حضاري يعيش الحياتين حياة الخيال والرواية والايمان والرومانسية والبطولة الفكرية والثقافيةوالدينية ، وحياة العمل والناس والتجارة والشطارة والشيطنة والاحتكاك والاخر …. في واقع الحياة السلوكية !.لكنّ يبدو ان علي الوردي عندما يستخدم مصطلح ( الازدواجية في الشخصية العراقية ) كأّنه لايشير من قريب او بعيد الى ظاهرة انسانية عامة ، بقدر ماهو يشير بتركيز مكثف على ظاهرة الفرد العراقي الازدواجية التي توحي من خلال الطرح ان هناك نموذجا فريدا بين الشعوب والافراد والامم هو مايميز بين ظاهرة ازدواجية الفرد العراقي ، واخر لم يسمه الدكتور علي الوردي الا بالاخر غير المزدوج والصريح مع نفسه والمتصالح بكلا حياتيه الفكرية الثقافية والاخرى الحياتية السلوكية ، وهذا الانسان حسب رأي الدكتور علي الوردي في بعض اشاراته الاجتماعية هو الانسان الاوربي والغربي السوبر !.ذالك الانسان الذي رأى فيه علي الوردي انه انسان غير مزدوج ، ولاهو واقع فريسة صراع بين معادلتين في حياته الاجتماعية ، وانما هو يؤمن بنفس الطريقة التي يعيش فيها ، يؤمن مثلا بالصدق ويحترمه ويقدسه ، بنفس الوقت الذي هو يمارس السلوك بصدق والحياة والمشاعر والاحتكاكات والتجارة ايضا بصدق !.الآن بغض النظر عن صحة ماذهب اليه الدكتور علي الوردي في اختيار نماذجه الواقعية الانسانية التي تحمل فايروس الازدواجية كالفرد العراقي والشخصية الاخرى التي تتمتع بصحة وعافية عن هذا المرض الاجتماعي ، وهو الفرد الاوربي السوبر ، لايسعنا امام هذا المضمون لمفهوم مصطلح ( الازدواجية الفردية والاجتماعية ) الا ان نتوقف لنسأل : لاعن العوامل والاسباب السياسية والاجتماعية وغيرها التي فرضت على الانسان العراقي ان يقع بين صراع حياتين او معادلتين ؟.!.ولا ان نرى ماهي الاسباب التي تفرض المعادلة الاولى على الفرد العراقي في تقديس الصدق فكريا ،واحتقاره سلوكيا ولماذ ؟.ولا ان نناقش هل فعلا ان الفرد واقع تحت فريسة مرض سلبي اسمه الازدواجية أم ان هذه الازدواجية التي يراها الدكتور علي الوردي انها مرضية ربما كانت هي وبالعكس صحية ونموذجية حسب المقاييس الاجتماعية الاخرى التي لاتستمد مرجعيتها من العقل الغربي المادي ؟.وانما نسأل عن شيئ آخر هو : ما هوالفرق بين مضمون هذا المصطلح العلمي الاجتماعي الذي استخدمه علي الوردي بكثافة في كتبه التحليلية لظواهر المجتمع والفرد العراقي ، وبين ماتستخدمه المدرسة القرءانية الاسلامية في مصطلح ( النفاق ) الديني عندما ترصد بعض ظواهر المجتمع الفردية والاجتماعية والسلوكية والفكرية المحيطة حولها ؟.وهل هناك التقاء بين قديم تقليدي وجديد مدرسي اوربي في المضامين والمصطلحات ؟.أم ان هناك عبقرية اكتشاف جديدة تميّز فكر الوردي عن ماذُكر تقليديا وتاريخيا لتوصيف الظواهر الاجتماعية .

لاريب ان هناك فرق بين ان نقول : ان الفرد يؤمن بافكار اخلاقية عالية القيمة كالعدالة والصدق وحب الخيّر الا انه يضطرّ لمخالفة ذالك سلوكيا وحياتيا ومعيشيا او انه يرغب بتلك المخالفة لحسابات معينة ؟!.وبين ان نقول العكس : عندما يؤمن الفرد بالشر والظلم والشيطة وكراهية الخير ، الا انه يضطرّ لسلوك الخير وعمل الصالح والتظاهر بالتقوى في حياته العملية والسلوكية والمعيشية !.الاول هو ما اطلق عليه الدكتور علي الوردي انه انسان مزدوج او واقع تحت مرض الازدواجية في الشخصية !.أما الثاني فهو النفاق كما اطلقه القرءان الكريم والاسلام العظيم على فئة من الناس تؤمن بالسوء وتضمر الكفر والشرّ ، ولكنها تضطّر مجاراة للمجتمع وقوته وسطوته ان تنساق وتنسجم وتتشبه بسلوك المجتمع الخيّر !.وهناك ايضا لطيفة ربما لم يلتفت اليها الكثير ممن قرأ فكر الوردي بنوع من الانفعالية الزائدة ، هو : ان فكرة ومضمون الازدواجية التي رفعها الوردي كشعار او كمبضع لتشريح جثة الشخصية الفردية العراقية ، هي فكرة قريبة جدا للمصطلح الاسلامي الكبير والتي تسمى اسلاميا بالعموم وشيعيا بالخصوص بفكرة ( التقيّة ) فالتقية وعندما نريد الوصول الى مضمونها الفكري هي نفس فكرة الازدواجية ومضمونها ، في حال يؤمن الفرد والمجتمع بقوة بفكرة الايمان والخير وحب الصدق والتطلع الى العدالة ، ولكنّ دناءة المجتمع وظروفه السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية الظالمة والقاسية هي التي تفرض معادلتها سلوكيا على الفرد وتضطرّه للعيش بحياة اخرى غير الذي يؤمن بها هذا الفرد او هذا المجتمع !.وهكذا هي التقية من الظالمين ( مثلا ) في الاسلام ، حيث يكون الفرد خائف او مضطرٌ لاظهار سلوكيات ظاهرية تشعر الظالم انه تعبير عن الودّ والحب الا انها لاتنسجم مع ما يبطن من افكار وتصورات ايمانية وكراهية للظلم والظالمين ، ولكن ليس على صورته السلبية في فكرة النفاق ، بل على صورته الايجابية في العكس المرتد في الايمان بالخير واظهار الشرّ عندما يكون قانون الشر والكذب والظلم هو الطاغي على ظواهر المجتمع وحركته !.أذن الدكتور علي الوردي ومصطلحه العلمي ( الازدواجية ) الذي دوّخ العراقيين وآرق نومهم في كثير من الاحيان هو مصطلح يعيش بمضمون ديني تقليدي قديم قريب ومشترك ومشابه لمصطلح ( التقية في جانبها الايجابي ، والنفاق في جانبه السلبي ) الا انه بلباس جديد وحديث ومترجم ومدرّس في المدارس الاوربية ،ولايحمل صدمات المصطلحات الدينية العنيفة ، كما ويستعمل على اساس انه مرض سلوكي يصيب المجتمع او الفرد ليفصل في شخصيته ويربك حركته وانسجامه في هذا العالم !.نعم علينا عندئذ ان نتسائل وفي هذا المفصل : هل كانت الازدواجية التي تحدث حولها الدكتور علي الوردي بسلبية مطلقة فعلا هي تمثل سلبية عندما تطلق على سلوك الفرد العراقي ؟.أم ان المدرسة التي انتمى لها فكريا الدكتور علي الوردي واجتماعيا هي مدرسة لايمكن اسقاط رؤيتها الاجتماعية واهدافها التربوية على مجتمع وفرد كالمجتمع والفرد العراقي ؟.بمعنى آخر بغض النظر ان رؤيتنا لما اسماه الدكتور علي الوردي بالازدواجية او التناقضية او التضاربية في شخصة الانسان العراقي على اساس انها ظواهر سلبية بينما نحن نرى انها هي في الحقيقة ظواهر حضارية طبيعية بل وهي ايجابية على المستوى الحضاري البعيد لحركة الفرد وصراعه الدائم الذي يخلق له مع نفسه ومجتمعه دينامية الصراع والجدلية المستمرة ، بغض النظر عن ذالك : لماذا كان الدكتور على الوردي دائما ينظر للفكرة وللمصطلح من جانبها السلبي فحسب ؟.ولماذا لم يكن الدكتور علي الوردي يمتلك الافق الواسع في طرح فكره الاجتماعي ، بحيث انه بقي مصرّا على وجهة نظر واحدة سلبية في كل كتاباته التي ترى الازدواجية السبب الاصلي في التراجعية والتناقضية والتصادمية المدمرة في شخصية هذا الفرد المعقد .

Pin It on Pinterest