الصراع بين قيم البدواة والحضارة

يعد مفهوم صراع البداوة والحضارة المأخوذ من العلامة (ابن خلدون) الأساس الأول والمنطق الذي اعتمده الدكتور الوردي في تحليله لطبيعة المجتمع العراقي وتاريخه خلال القرون الأخيرة وقد بين ذلك قائلاً (لقد اجمع علماء الآثار ان العراق كان مهبط حضارة تعد من أقدم الحضارات في العالم وظلت الحضارة تراود العراق حيناً بعد حين ونجد العراق من الناحية الأخرى واقفاً على حافة منبع فياض من منابع البداوة هو منبع الجزيرة العربية فكان منذ بداية تاريخه حتى يومنا هذا واقعاً بين متناقضين من القيم الاجتماعية قيم البداوة الآتية من الصحراء المجاورة وقيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم.

يتضح هذا الصراع باجلى صوره في العراق …. ان العراق ، على حد تعبير ( توينبي) هو بلد ( هابيل وقابيل ) فكان المجتمع العراقي عرضة لمد البداوة وجزرها على توالي العصور . ويمكن القول ان اطول فترة سيطر فيها المد البدوي على العراق هي الفترة الاخيرة التي بدأت منذ سقوط الدولة العباسية ، او قبل ذلك بقليل ، ثم استمرت ما يقارب الستة قرون ، انهارت فيها سلطة الدولة ، واختل نظام الامن ، وتتابعت الفيضانات والاوبئة والمجاعات ؛ مما جعل الحضارة تذوي في العراق وتستفحل القيم البدوية محلها .

والمتوقع في مثل هذه الحالة ان يعاني الشعب صراعاً اجتماعياً ونفسياً على توالي الاجيال وقد يجوز ان نصف الشعب العراقي بأنهُ شعب حائر فقد انفتح امامه طريقان متعاكسان وهو مضطر ان يسير فيهما في آن واحد.

يكفي لفهم تلك الفترة ان ثلاثة ارباع السكان فيها كانوا يخضعون للتنظيم العشائري وتسيطر عليهم قيم العصبية والغزو والثأر والدخالة وغسل العار وما شابه ذلك . اما الربع الباقي الذين يُمثلون سكان المدن ؛ فهم وان كانوا يختلفون عن العشائر في بعض الامور الظاهرية ، كالمسكن والملبس وطرق العيش . غير انهم في اعماق انفسهم لم يكونوا يختلفون عن اولئك كثيراً ؛ فطالما تعصب ابن المدينة لمحلته ، كما تعصب الرجل البدوي لعشيرته . وحين ندرس شخصية صاحب الحرفة المدني ، نجده اقرب الى قيم البداوة منه الى قيم الحضارة ؛ فنزعة الغزو والفرهود اقوى عنده من نزعة العمل والانتاج ، فهو يميل الى ان يغلب الزبون بدلاً من ان يستميله على طريقة اهل الحضارة . هكذا تمددت اخلاق البداوة لتشكل واحدة من الخصائص العامة في طبيعة المجتمع العراقي .

يقول الدكتور الوردي إن مشكلة العراق انه حين ينحسر عنه المد البدوي لا يستطيع أن يتكيف للحضارة سريعاً حين تأتي إليه فهو يبقى متمسكاً بقيمه البدوية زمناً يقصر أو يطول تبعاً للظروف التي تواجهه ومن طبيعة القيم الاجتماعية بوجه عام إنها تبقى فعالة زمناً بعد ذهاب الظروف المساعدة لها فالناس إذا تعودوا على قيمة معينة صعب عليهم بعد ذلك أن يتركوها دفعة واحدة.

فالبداوة نعني بها من الناحية العلمية نظام اجتماعي منشؤه الأساسي البيئة الصحراوية  القائمة على الرعي و التنقل, حيث يتميز افراد هذا المجتمع او النظام بميزات كثيرة تتعلق بالعصبية القبلية التي تعتبر بمثابة ايديولوجية نشوء   الدولة هناك ناهيك عن ميزات اخرى تتعلق بمفاهيم  الغزو والخشونة الذي يتميز بها افراد هذا المجتمع, والتي اوجدتها بطبيعة الحال ظروف البيئة الصحراوية المعروفة  .

اما بالنسبة للحضارة فهي  ايضا نظام اجتماعي يختلف عن البداوة اختلافا جذريا من حيث ميزاته الكثيرة التي نذكر منها قيام الدولة وأركانها بالمعنى الدقيق للكلمة , (خلافا لنظام العصبية العشائرية الموجود لدى المجتمع البدوي), ولا ننسى ايضا النظام الحضري الذي يتقاطع مع سابقه  من حيث تبني هذا النظام عوامل  الإنتاج الإقتصادي و الثقافي, فضلا عن تشجيع العلوم والفنون على اختلاف مشاربها, اما المدينة فتعتبر الموطن  الأصلي لهذا النظام التي تتميز هي الأخرى بالثبات والإستقرار,  بخلاف  البيئة الصحراوية   القائمة على الرعي والتنقل كما أشرنا اما افراد هذا  المجتمع فنرى عوامل العصبية والخشونة تكاد تكون شبه معدومة عندهم  بسبب تأثير البيئة الحضرية.

يجب ذكر المصدر عند الاقتباس: المحمداوي محمد جواد ،(2020):الصراع بين قيم البدواة والحضارة ،استرجع من موقع عرب سايكلوجي بتاريخ: 7 مارس، 2021