الضبط الاجتماعي الرسمي

لاشك أن المجتمع الإنساني قد عرف منذ بداية تكوينه أنماطا مختلفة من تنظيم العلاقات الاجتماعية بين أعضائه. ووضع قواعد مختلفة للسلوك في كافة المواقف, ووضع أنواعا من الجزاءات التي يواجه بها حالات عدم الامتثال لمعاييره وقواعده وتنفذ تلك القواعد من خلال مجموعة آليات ضابطة تتخذ شكلاً رسمياً محدداً, وتقوم بوضعها جهات رسمية وتشرف على تطبيقها وتنفيذها هيئات متخصصة, ومن هذه الآليات الضابطة ما يأتي:

1-     التنظيمات العقابية:

تعد هذه الآلية عقابية أكثر من كونها ضبطية وتقويمية والغاية منها إعادة تنشئة المنحرف وأعادته إلى الهيئة الاجتماعية مره أخرى, وبذلك فمن خلالها يتم تدعيم معايير الجماعة حيث أن واجب هذه التنظيمات هو تنفيذ العقوبات ضد الأشخاص الخارجين علي المعايير والقواعد لذا فهي تحقق ردع خاص للجاني وإجباره على العودة إلى الالتزام مرة أخرى بالمعيار الذي خرج عليه , كذلك تعمل على تدعيم وتعزيز هذا المعيار لدى أعضاء الجماعة ككل (( ردع عام )) .

والحقيقة أن هذه الآلية العقابية تستخدم عندما تفشل آليات المجتمع العرفية في ضبط سلوكيات الأشخاص التي انحرفت عن قواعدها ومعاييرها, ومن أمثله هذه التنظيمات السجون ومستشفيات الأمراض العقلية والعصبية.

2- الإلزام القسري:

أن نوعية الجزاءات التي تمارسها التنظيمات العقابية إنما هي جزاءات قانونية رسمية تقوم على أساس مادي كالضرب والغرامة والسجن والإعدام. وكثيراً ما تتميز هذه الآلية بالقمع والعنف لأجل إلزام الخارجين على المعايير القانونية بالخضوع لها لأنها تمثل جزءاً هاماً وفعالاً من النظام الاجتماعي للمجتمع وتستخدم بشكل خاص لـدى الأنظمة السياسيـة الشموليـة (( الحزب الواحـد )) لاسيما أثناء الاضطرابات والأزمات الاقتصادية والسياسية حيث تظهر هذه الآلية بقوة وتفرض سيطرتها بقسوة على عكس المجتمعات ذات التنوع السياسي فإنها تستخدم هذه الآلية بهدف الإصلاح والتقويم .

3- أجهزة التصوير والتسجيل :

تستخدم المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا آليات تصويرية تلفزيونية لتصوير المخالفين والخارجين عـن القوانين الاقتصادية والسياسية والتجارية والصناعية فقد وضعت الشركات والمعامل والمصانع والبنوك والفنادق الكبيرة ومحطات القطارات والمطارات والأسواق التجارية والمستشفيات فـي مداخل بناياتها لتصوير الداخلين إليها والخارجين منها ورصد كافة تحركاتهم داخل ممراتها ومكاتبها . هذه الأجهزة وضعت لغرض مراقبة اللصوص والخارجين عن القانون فهي بذلك وسائل مساعده لضبط القانون في المجتمعات الصناعية , يضاف إلى ذلك كثير من الأجهزة الدقيقة لكشف المخمورين من قائـدي المركبـات وكشف العملات المزيفة وكشف الكذب … الخ ، وهذه الوسائل تعد من المبتكرات الحديثة لضبط سلوك الناس .

ويضيف الدكتور معن خليل عمر في كتابة ( البناء الاجتماعي ) إلى تلك الآليات السابقة آليات ضبطية مشتركة تستخدم في المجتمعات التقليدية والريفية والحديثة والصناعية على السواء , وقد تأخذ الجانب الرسمي أو العرفي لكي تجبر الأشخاص على الالتزام بالمعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع أو تخضع الأشخاص للالتزام بفقرات القانون الراعي في البلد ومنها ما يأتي:

1- السخرية:

آلية رمزية تستخدم الألفاظ وحركات الوجه للتعبير عن الاستهزاء أو الاستهجان عن السلوكيات غير المألوفة أو الخارجة عن معايير النظام الاجتماعي وعادة تأخذ صورة التعبير العلني أمام الناس لذلك تكون فعالة في ضبطها , وكلما كان المجتمع مثقفا فان هذه الآلية تكون ضعيفة والعكس هو الصحيح .

2- أطلاق الشائعات:

إنها الثرثرة التي لا حدود لها , تأخذ صورة الغيبة والإساءة والتجريح والمبالغة في سلوك الإنسان, لذلك يخشى الأفراد أطلاق الشائعات عليهم، وتنتشر الشائعات بين الأميين أكثر من المثقفين , وبين النساء أكثر من الرجال, وفي الأزمات أكثر من الحالة الطبيعية, وفي الحروب أكثر من حالة السلام, وفي المجتمعات التقليدية أكثر من المتحضرة .

3- الفضيحة:

تختلف الفضيحة عن الثرثرة وإطلاق الشائعات في أن هدفها الأول ليس تغيير طريقة السلوك وإنما عـزل الشخص تماماً وإيذائه ومحاولة أبعاده عن المجتمع بحيث يكون في ذلك عبرة لغيره , أي إنها تضع الحدود التي لا يمكن الخروج عليها.

Pin It on Pinterest