الضبط غير الرسمي

شكل المعايير الاجتماعية المكتسبة من الأسرة أو التنشئة الاجتماعية فعلاً قوياً على السلوك الفردي للإنسان، سواء كان هذا السلوك جسدياً – حركياً أو سلوكاً غير منظور كالتفكير والإدراك أو ما يصدر من الإنسان في مواقف الحياة المختلفة في البيئة الاجتماعية، فالسلوك الفردي تحدده معايير الأسرة المكتسبة التي ينقلها إلى المجتمع الأوسع بعد سن الخامسة أو السادسة من العمر، وهي أول مواجهة له خارج نطاق الأسرة، وهو بذلك يطبق ما تعمله في أسرته على الميدان الأوسع وهو المجتمع، يصاحب تلك العمليات الاجتماعية المتعلمة من الأسرة، اكتساب القيم وتمثلها في الشخصية، وتقليد الآخرين، والتوحد بالكبار لا شعورياً، وعادات البيئة السائدة، وعملية توجيه الأطفال تجاه القيم، والأهداف، والدوافع الملائمة للثقافة في المجتمع، كل هذه العمليات تسمى بالتطبيع الاجتماعي، فكل مجتمع من المجتمعات عندما يغرس سلوكيات معينة في أفراد مجتمعه يتوقع أن يكون الغرس موجهاً نحو تربية محددة المعالم، والتوقعات تتحقق بفعل ضوابط التربية وقدرة التنشئة الأسرية والاجتماعية على ضبط تلك النتائج.. ففي مجتمعاتنا الإسلامية تحرص الأسرة المسلمة على إشاعة روح التعاون، المسالمة، المسايرة، الطاعة، الطيبة في أبنائها، وهي تقاليد توارثها الآباء من الأجداد استناداً على منهج الدين الإسلامي.

وهذه السلوكيات أساليب تربوية في تنشئة الطفل لدى معظم الأسر المسلمة، وتتحول مع تقدم العمر لدى الإنسان إضافة إلى عمليات التطبيع الاجتماعي إلى قيم تؤدي بتفاعلها إلى نمط في الشخصية يشكل المعتقد الديني، والذي يكون بدوره جزءاً كبيراً من مكونات الشخصية الفردية للإنسان، وبمجموعها تشكل قيم ذلك المجتمع، وهو نظام متكامل يتعارف عليه الناس ويكون قبوله أمراً مرغوباً لدى الجميع، والخروج عليه، خرق للأعراف الاجتماعية، يحاسب عليها المجتمع، أو على الأقل يتعرض للنقد من الآخرين.

ومن العوامل المؤثرة في حياة الفرد والمجتمع ونتائجها السلوكية يمكن أن نجملها بما يلي:

1 – التنشئة الاجتماعية والأسرية.

2 – الروابط الاجتماعية.

3 – عمليات تكوين الذات.

من المتفق عليه أن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتأثر ويؤثر اجتماعياً، يتأثر بأهله، وبمجتمعه، وبتاريخه، وبكل ما يحيط به ليؤثر بعد ذلك في بناء شخصية أبناءه، ومن ثم في حياتهم فيرسم لهم الأطر التي يتحركون ضمنها لذا فإن معظم الأسر في مجتمعاتنا تؤدي وظائفها الاجتماعية التقليدية مع أبنائها من خلال إكسابهم أنماط تعامل غير مكتوبة، ويمكن ملاحظتها على الواقع اليومي المعاش بوسائل تعلم غير مقصودة أو متعمدة وسميت (التعلم بالملاحظة) أو التقليد imitation. وببساطة يتعلم الأطفال (الإناث والذكور) دروساً كثيرة من ملاحظة الآخرين، فتقليد البنت لأمها في سلوكها يكسبها عادات اجتماعية مقبولة لدى الآخرين، وكذلك الأولاد من الذكور حينما يقومون بتقليد آبائهم بأخذ أدوار الرجولة وتحديد مسؤولياتهم وهم صغار، ويتحملون أعباءها دون الأخذ بنظر الاعتبار فارق السن لديهم، إذا ما كان معظم أفراد الأسرة من الإناث… ففي مثل هذه الحالات تنشأ الأدوار المحددة للسلوك المستقبلي لكل منهما.

وتؤكد الأسر في المجتمعات الإسلامية على اكتساب الأطفال من الذكور والإناث قيماً خاصة بهم لا يحيدون عنها، ويعد الخروج عليها من المحرمات، لذا يتوقع أفراد الأسرة عواقب سلوكهم إذا ما اخطأوا ومارسوا تلك المحرمات، وإلى تكرار الأفعال التي تحظى بدعم أو تعزيز إيجابي، مثل الصدق مقابل الكذب، واحترام الكبير والعطف على الصغير وما إلى ذلك من قيم تغرس في نفوس الصغار واقتران هذه الأفعال برضا الله أو غضبه إذا ما مارسها وتوقع العقاب في الآخرة…

وفي مجتمعاتنا الإسلامية يتعلم الأفراد الكثير من القيم المنقولة عن الآباء، ويظل هاجس الحفاظ عليها ملازماً لهم، كطقوس الاحتفالات الدينية وشعائرها مثل المولد النبوي الشريف أو ذكرى انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى أو من المناسبات المؤلمة التي تركت آثاراً نفسية بنتائجها عبر القرون ولم تمح من ذاكرة الأجيال، كواقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين (ع) وأفراد أسرته في كربلاء وما جرى بعد ذلك لعائلة النبي (ص) من مأساة، واتفاق كل المذاهب في الإسلام بخطأ الفعل وجسامة الحدث وبقاء أثره عبر التاريخ، ولم يمحُ تقادم القرون هذا الفعل لدى مذهب معين من مذاهب المسلمين، فالعادات التي تكتب تتحول إلى قيم بمرور الزمن.

Pin It on Pinterest

Share This

Share this post with your friends!