الفلسفة والتاريخ والسياسة, تضطر ابن خلدون

وطبيعة العلاقات المتبادلة بين العلم الجديد والفلسفة والتاريخ والسياسة, تضطر ابن خلدون أن يحدد مسائله في ثلاثة اتجاهات(22) :

1- اتجاه فلسفى, وهو ” نظر وتحقيق, وتعليل للكائنات ومباديها دقيق, وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق… “

2- اتجاه تاريخى – أو تاريخ نظرى – وهو بحث وتوضيح ” أسباب التصرف والحول فى القرون الخالية والملل “

3- اتجاه اجتماعى, وهو ” شرح أحوال العمران والتمدن “.

وهذا العلم في رأى ابن خلدون “مستحدث” بمعنى أنه لم يسبق أن تحدث عنه بهذه الكيفية من قبل, هو علم جديد, عظيم الفائدة, ونستطيع أن نلمس هذه الفائدة أو القيمة العملية لهذا العلم ” بالبحث ” وهو في ذلك يختلف عن بعض العلوم الأخرى والفنون التي قد تبدو متداخلة معه مختلفة بميدانه. فهو مختلف من علم الخطابة ومختلف أيضاً عن علم السياسة المدينة, فحقائق العمران البشرى مرتبطة بالملكات التى اختص الله بها الانسان دون سائر الحيونات ولعل أهمها السعي في المعاش, والحاجة إلى الحاكم والسلطان القاهر. والعمران الذي هو ” التساكن والتنازل في مصر أو حلة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات, لما فى طباعهم من التعاون على المعاش “. تلك هي مقدمات الحياة الاجتماعية المنظمة التي هي نتيجة مباشرة للفكر والوعي الذي يميز الإنسان.

وبعد ذلك يقسم ابن خلدون مجالات الدراسة في العمران البشري أو الاجتماعي الإنساني إلى عدة أقسام يفصل فيها الكلام في أقسام مقدمته على النحو التالي:

  • ” العمران البشري على الجملة ” أو الاجتماع العام General Sociology , ويوضح فيه حدود العالم وأهميته.
  • “العمران البدوي” ويتناول القبائل والأمم الوحشية وهو يعتبر هذا النوع من العمران سابق على كل أنواع العمران الأخرى.
  • “الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية” وهو بحث في الاجتماع السياسي, وتناول موسع لنظرية القوة والدولة.
  • “العمران الحضري” وهو البحث في المدن والأمصار.
  • “في الصنائع والكسب والمعاش وجوهه” وهو بحث في الاجتماع الصناعي، والاقتصادي.
  • “في العلوم واكتسابها وتعلمها” وهو بحث في الاجتماع التربوي.

ويقدم ابن خلدون معالجته لمختلف مجالات العمران البشري بإثبات حقيقة أولية مؤداها: «أن الاجتماع ضروري للنوع الإنساني, وإلا لم يكمل وجودهم, وما أراده الله من اعتمار العالم بهم, واستخلافه إياهم. وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعاً لهذا العلم. وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع. في فنه الذي هو موضوع له» وضرورة الاجتماع ترجع إلى ما عبر عنه الحكماء بقولهم أن ” الإنسان مدني بطبعه “, فلابد من التعاون بين بني البشر لإنتاج مقومات حياتهم, والنشاط الاقتصادي هو الحقيقة الأولى لإنتاج الحياة الاجتماعية, فإنتاج قوت يوم واحد من الحنطة مثلاً يحتاج إلى كثير من النشاطات التعاونية التي تتطلب “اجتماع القدرات الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم, فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم أضعاف”.

وكما يحتاج إنتاج وسائل العيش المادي إلى التعاون, فإن البقاء والاستمرار والدفاع عن الجنس البشري ضد مصادر العدوان يحتاج أيضاً إلى التعاون, ويتحقق عن طريق هذا التعاون توافق الإنسان مع البيئة التي تحيط به والتي تتضمن الكثير من مظاهر عناصر مقاومة وجود الإنسان(23).

Pin It on Pinterest