القانون والعدالة الاجتماعية

في الواقع أن القانون هو تعبير عن إرادة المجتمع، كما أنه يعكس احتياجات وآمال المجتمع، وبالإضافة إلي ذلك فهو ترجمة لمبادئ العدالة العليا، ولذا يرتبط مفهوم العدالة Justice ارتباطاً وثيقاً بمفهوم القانون، إذ هي الوسيلة الأساسية التي بذلت من خلالها المحاولات لا لتحديد الغايات والأهداف من القانون فحسب، بل وبمفهوم أوسع لتحديد غايات السلوك الإنساني وأهدافه أيضاً، كذلك فإن مفهوم العدالة- الذي يقوم على معاملة الأشخاص المتساويين بدون تمييز، أو إعطاء كل ذي حق حقه، قد كان مفهومًا محوريًا لا بالنسبة لنظرية القانون فحسب، بل الفلسفة السياسية والأخلاقية أيضاً، فالعدالة مفهوم علائقي يسعى إلى توفير وسيلة لتعميم نفوذ العقل البشري- سواء من جانب الفرد أو نظام قانوني على فرد آخر أو جماعة أخرى، وتستلزم العدالة أو تتطلب تحديداً دقيقاً لمعايير التقييم، وهكذا ارتبط معيار التجرد أو المساواة Equity ارتباطاً وثيقاً في الغالب بمفهوم العدالة.

لذا كان من بين المفاهيم الأساسية التي اعتمد عليها باحثو المعرفة ووجهة النظر بشأن القانون، معنى العدالة، والعاطفة القانونية، والوعي القانوني، والمواقف الأخلاقية، وهذه أفكار غامضة إلى حد ما، بالرغم من أن علماء المعرفة وأصحاب وجهات النظر بشأن القانون يعترون أن لها ضمنيات عملية، وهنا يثار تساؤلاً إلى أي مدى ينبغي تلطيف القوانين التنظيمية الصريحة لمصلحة العدالة؟. وهنا يجيب Kagan على هذا السؤال بالإشارة إلى نموذجين يصفهما إلى أنهما (نموذج الخبير) (والنموذج القانوني للتنظيم)، وفي النموذج الأول ينبغي أن يكون الموظفون أحراراً في صياغة السياسات استجاباً للمشكلة الموجودة، في حين أن النموذج القانوني للتنظيم ينادي بضوابط رسمية، وحميات خاصة قابلة للفرد بشكل قانوني ضد مخاطر التحكمية والفساد وتحقيق العدالة.

لكن في الواقع ليس القانون دائماً وبالضرورة عنوان العدل والتوازن، فهو- مع ما يتمتع به من هيبة ومن سيادة- ليس منزهاً عن الخطأ والخطيئة، ذلك لأن القانون هو تعبير عن إرادة السلطة السياسية، والسلطة السياسية ليست بالضرورة هي المعبرة عن جميع المصالح في المجتمع، وليست بالضرورة سلطة تزن هذه المصالح بعضها إزاء البعض الآخر وتخرج عليها العادل، فكثير من القوانين تنحاز وتمالئ وتكرس التفرقة بين الناس وتخل المساواة، ولهذا نفرق بين القانونية والشرعية، فالقانون يكتسب قانونية أن صدر بالأسلوب الدستوري فأصبح قانوناً، ولكن لا يمثل بالضرورة شرعية إذا أنطوى على إخلال بتوازن المصالح، واستهداف مصالح خاصة بغير حق.

ولهذا يتعين أن يتلاءم المجتمع مع القانون، وأن يلاءم القانون كل مجتمع بذاته، وذلك بأن تكون الإدارة التشريعية معبرة عن الإرادة الحقيقية للمواطنين هذا من حيث التشريع، ولكن بعد صدور القانون يتعين أن ينفذ بروح العدالة، فالقانون لا يستكمل هيبته إلا بعمومية تطبيق بنوده وأحكامه على الكافة، فلا يجوز أن يفرق بين المواطنين بأي ذريعة كانت، وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين: إن القانون ليس السطور المكتوبة، ولكنه القاعدة القانونية، كما تطبق في الواقع، ولهذا فإن القانون لا يعني كل شيء إلا إذا تناول الأجهزة القائمة على تطبيقه لضمان قيام جهاز العدالة بدوره الاجتماعي الخطير.

وعلى هذا فإن النظم التي يشرعها ويحميها القانون هي التي تصنع الإنسان وسلوكه، فإذا أسهلت الأنظمة فتح أبواب التهريب فأنك تخلق مجتمع التهريب، وإذا سمحت الأنظمة بفتح الأبواب على مصرعيها للاستيراد الذي لا يتفق مع عامة الدخول الحقيقية، فإنك تخلق مجتمع الساخطين والطفيليين، وإذا سمحت الأنظمة بهز أعمدة القطاع العام وانفلت تيار القطاع الخاص فإنك تخلق مجتمع الرشوة وإفساد ذمم المسئولين عن العمل العام والخاص.

وعلى الرغم من أن المجتمعات الإنسانية تعرف أشد نظم العدوان على القانون إلا أن للقانون هيبته في كل الأحوال، ويخشاه الجميع، ولا أحد فوق القانون في كل المجالات، إذا فقد صك البعض مصطلح إطفاء الشرعية Legitimation بوصفها العملية التي تمنح القوة القانونية أساسها المعنوي أو الأخلاقي وهنا يميز ماكس فيبر بين القوة الفعلية، والقوة الشرعية أو القانونية كنمطين مثاليين، ويعني المصطلح الأول الخضوع الذي يتم علي أساس من المصالح ، حيث يتضمن السيطرة علي السلع والخدمات في السوق، وخضوع الفرد طواعية لتلك القوة، أما مصطلح القوة الشرعية أو القانونية فيعني أنه عند نقطة معينة تحتاج القوة الفعلية المجردة إلي تبرير نفسها، ومن ثم تعمل- باستخدام عملية إطفاء الشرعية- علي خلق معني الواجب والامتثال له بصرف النظر عن الدوافع والمصالح.

وتمثل كل النظم مزيجاً من نمطي القوة الفعلية والشرعية القانونية، مع أنه من الملاحظ الواضح أن الطبقات المالكة والاجتماعية تربط بالحركة المتابعة زمنياً اتجاه إطفاء الشرعية القانونية على القوة الطبقية التي يعينها نظام المكانة القائم، ويدل الفعل الذي يستهدي بالعادات والتقاليد والإلزام القانوني والرموز الدينية على المراحل المتتابعة لعملية إطفاء الشرعية على قوة الحكام، والتي من شأنها أن تؤدي في نهاية الأمر إلى إيجاد نظام مستقر وثابت لتوزيع القوة.

لكن عندما يحدث خللاً في ميزان القوة في المجتمع يلوذ الفرد بالقانون، ويحاول أن يتخذه سياجاً ودرعاً للحفاظ على حقوقه أو استرجاع حقوق سلبت منه، وإزاء هذا التشبث العام بالقانون أطلق البعض علي عصرنا الراهن عصر القانون، لأن القانون هو الذي يساعد على تحقيق العدالة بين الجميع، وبالتالي إذ لم يحط المجتمع بسياج قانوني متين، واحترام لهيبة القانون يتحول إلى غابة، يهيمن فيه القوي علي الضعيف، وتُضعف بالتالي هيبة القانون.

Pin It on Pinterest