القانون والمجتمع

مفهوم القانون وفروعه:

1- مفهوم القانون : يوجد خلاف وجدل حول تعريف القانون في أدبيات هذا المصطلح ومحور الجدل المركزي يدور حول ملاءمة وكفاءة تعريف القانون علي أساس أنه “نسق متخصص من القواعد المنظمة التي تساندها عقوبات أو جزاءات”.

  • ‌أ- مفهوم القواعد الصحيحة التي تركز اهتمامها علي المتطلبات الدستورية الخاصة بخلق وتماثل القواعد كقواعد شرعية.
  • ‌ب- صفة العمومية في القواعد القانونية مقابل صفة الخصوصية أو الطبيعة الخيارية للقواعد غير القانونية.
  • ‌ج- ضرورة العلاقة بين القواعد القانونية والعقوبات التي يتم فرضها من جانب ومن خلال المؤسسات القانونية.

لكن استخدامات علماء الاجتماع للقانون تتباين عن استخدامات علماء القانون في بعض الجوانب، فالقانون يعتبر جزءاً من الثقافة التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في المجتمع، كما أشار إلي عالم الاجتماع السير ادوارد تايلور في تعريفه الذائع الصيت في كتابه المجتمع البدائي “للثقافة بوصفها” ذلك الكل الدينامي المركب الذي يشتمل علي المعارف والمعايير والعادات والتقاليد والعرف والقانون والدين.. وكل ما أكتسبه الإنسان، باعتباره عضواً في المجتمع.

لذا يفسر علماء الاجتماع معني القانون واستخداماته المتعددة بوصفه أدارة للعدالة أو للدلالة علي القواعد المؤثرة في توجيه السلوك البشري، وخاصة إذا كانت هذه القواعد تتعلق بالدوافع والقرارات الداخلية لإرادة الفرد بوصفها القواعد الأخلاقية، كما قد تكون هذه القواعد موجهة لتوجيه الأفعال الظاهرية أو بوصفها قوانين اجتماعية.

لذا يرتكز القانون- كما يقول “نيقولا تيماشيف”– علي عنصرين أساسين هما الأخلاق والقوة، فمعايير السلوك التي تفرض علي الإرادة الفردية لا تكمن في القانون فحسب، ولكنها تكمن أيضاً في الأخلاق والعرف، وهذا يدعو إلي التوصل إلي أن الأخلاق والعرف والقانون تعد قوة أخلاقية، وتشكل ما يطلق عليه الأخلاقيات وعلي الطرف الأخر فإن قوة القانون، والضغط القانوني علي السلوك البشري إنما تبرز في الممارسة الفعلية والحقيقية للسلطة الاجتماعية المنظمة، إلا أنه في بعض الحالات قد تمارس السلطة الاجتماعية نشاطها دون اعتماد علي (الأخلاقيات) ويظهر هذا في حالة الحكم الاستبدادي، ومن جهة أخرى قد تكون الأخلاقيات قائمة وموجودة دون علاقة أو اعتماد السلطة الاجتماعية، مثلما هو الحال في حالات التوافق الأخلاقي البحت، وفي كلتا الحالتين فإنه لا يمكن القول بوجود القانون، ذلك لأن القانون في تصور تيماشيف يمثل ذلك الجزء المشترك بين دائرتي الأخلاق والقوة، وبالتالي يمثل القانون في نظره قوة اجتماعية كما تتمثل وظيفته الاجتماعية في فرض معايير السلوك الاجتماعي علي إرادة الفرد.

     لذا فقد ذهب “رادكليف براون” إلي أن القانون يعتبر عاملاً من عوامل المحافظة علي النظام الاجتماعي أو توطيد هذا النظام داخل نطاق إقليمي محدد عن طريق ممارسة سلطة القهر واستخدام القوة الفيزيقية إذا تطلب الأمر ذلك.

وهكذا يتضح أن القانون عبارة عن مجموعة من القواعد والأساليب القانونية التي تحكم سلوك الأفراد داخل المجتمع، والتي يتعين عليه الخضوع لأوامره، والتي ترتبط بتوقيع جزاءات مادية أو اجتماعية لمن يخالف تلك القواعد، حتى يتحقق التوازن بين مصالح الفرد الخاصة ومصلحة الجماعة أو المجتمع الذي يعيش فيه.

فالقانون هو إحدى المؤسسات الجوهرية في حياة الإنسان الاجتماعية، لولاه لأصبح الإنسان مخلوقاً مختلفاً جداً عما هو عليه. فهو يقرر الحقوق والواجبات بين الأفراد بعضهم البعض والجماعات والدول … إلخ وقد ذهب بعض الفلاسفة من أفلاطون إلى ماركس إلى أن القانون شر يجدر بالإنسانية التخلص منه، إلا أن التجربة دلت – برغم شكوك الفلاسفة – على أن القانون يعد إحدى القوى التي تساعد على تحضر المجتمع الإنساني وأن نمو الحضارة قد ارتبط على الدوام بالتطور التدريجي لنظام من القواعد الشرعية، ولجهاز يجعل تنفيذها فعالاً ومنتظماً.

إلا أن القوانين لا توجد من فراغ بل توجد جنباً إلى جنب مع مبادئ خلقية متفاوتة التجديد والتعقيد، ومن الواضح أن علاقة القانون بالقواعد والقوانين الخلقية ذات أهمية عظمى في كل مجتمع بشري ، وربما كانت أكثر القضايا حساسية وحيوية في الدولة العصرية هي قضية ما تعنيه حرية المواطن والإجراءات التي يمكن إنتاجها للمحافظة على هذه الحرية. فالعلاقة بين القانون والحرية وثيقة جداً، فمن الممكن استخدام القانون كأداة للطغيان كما حدث في العديد من المجتمعات والعهود، أو كأداة لتحقيق تلك الحريات الأساسية التي تعتبر في المجتمع الديمقراطي جزءاً جوهرياً من الحياة الكريمة. ولا يكفى في مجتمعات كهذه أن يقتصر القانون على ضمان أمن المواطن في شخصه وماله، بل إنه من المهم أن يكون المواطن حراً في التعبير عن رأيه دون خوف أو تهديد، وفي التجمع مع إخوانه من المواطنين، وأن يكون له الحق في التنقل حيث شاء وأن يبحث عن أية وظيفة يرغب فيها، وأن ينتفع بثمرات ما أصبح يعرف “بحكم القانون” ويجب أن يكون متحرراً من القلق الناتج عن الحاجة أو سوء الحظ. كل هذه المشاكل تثير مسائل قانونية في غاية التعقيد فى إطار دولة الرفاهية الحديثة.

وفي العصر الحديث، ارتبط القانون ارتباطاً وثيقاً بفكرة وجود قوة ذات سيادة في كل دولة بحيث تكون لهذه القوة سلطة سن القوانين وإلغائها وفق إرادتها، كذلك ارتبط القانون بفكرة الأمن وتحقيق العدل، فمن أعز القيم وأغلى النعم الأمن، ينشده المواطن، ولا غنى له عنه مهما توافرت له سبل الحياة الكريمة، فإن لم يدثِّرها الأمن ويكون لها الحافظ والسند خسر كل السبل، بل ربما انقلبت وبالاً عليه لا يقدر على سلوكها وجنى ثمارها ما لم يدركه الأمن فيحقق له كل مبتغاه.

فإن كان العدل أساس الملك فالأمن هو الثمرة الحتمية لملك قائم على العدل، والإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يتفاعل مع المجتمع، والأشخاص المحيطين به، له مالهم وعليه ما عليهم، وفي داخل كل مجتمع يتوافر للإنسان مجموعة من الحقوق التي تيسر له أداء وظائفه وتنظيم حياته، وفى المقابل يوفر المجتمع من جانبه قدراً من الضمانات تكفل للفرد التمتع بهذه الحقوق. وما الأمن إلا أساس تلك الضمانات وقوامها في تحقيق تنمية المجتمع وإزهاره.

        وقد ساهمت العلوم الاجتماعية فى أيامنا هذه، رغم كونها ما تزال فى مرحلة أولية، في أن تظفر بمكانة هامة في كثير من مجالات الفكر والنشاط البشري، وكان تأثيرها واضحاً على التشريع فكراً وتطبيقاً، بحيث يواجه الباحث في علم الاجتماع القانوني ميدان استقصاء واسعاً مازال معظمه غير مستكشف بعد. على أن محاولات مهمة قد بذلت ولا تزال تبذل لربط الفكر التشريعي بالتطورات التي طرأت على مجالات الدراسة المختلفة من أمثال علم الإنسان “الانثروبولوجيا” وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجريمة.

        وعلى أية حال فإن مطالبة العلوم الاجتماعية بأن يسمع صوتها، حتى في أعمق جوانب القانون ذاته، لابد أن تتوقف، آخر الأمر، على ما تستطيع أن تلقيه من ضوء على النظم التشريعية والعون الذي يمكنها أن تسديه في حل المسائل القانونية الفعلية لعصرنا وجيلنا.

– دور القانون وأهميته

إن مسألة حقوق الفرد هي واحدة من أهم مسائل العصر الراهن وأكثرها إلحاحاً، وهي ترتدي طابعاً لا وطنياً فحسب بل عالمياً أيضاً .

فالقانون باعتباره مجموعة القواعد الملزمة المقترنة بالجزاء المنظمة للسلوك في المجتمع يعد ضرورة اجتماعية بالإضافة إلى كونه ظاهرة اجتماعية، إذ لا مجتمع بغير قانون ولا قانون بغير مجتمع، وهو في مهمته التنظيمية هذه يسعى إلى تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد في سعيهم لإشباع حاجاتهم وبين مصلحة الجماعة. ولاشك أن صيغة التوازن المختارة تأتي انعكاساً للنظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع.  بجانب هذا فإن القانون يسعى إلى توفير الأمن والنظام في المجتمع كما يعمل على تحقيق الاستقرار في الأوضاع والمراكز توفيراً للثقة في التعامل.

وأن وسيلة القانون في تحقيق هذا التوازن هو تقرير الحقوق والواجبات وذلك ببيان ما يتمتع به كل فرد في المجتمع من حقوق وما يلتزم به من واجبات تسعى إلى توفير الأمن والنظام في المجتمع.

وقد شغل القانون، بوصفه ظاهرة اجتماعية، اهتمام الفلاسفة والمفكرين منذ زمن بعيد، كما اهتم به رواد علم الاجتماع في مؤلفاتهم الكلاسيكية الشمولية، وعالجه المؤرخون وفلاسفة التشريع معالجة اجتماعية مستفيضة. ومع ذلك فإنه لم يحظ باهتمام علماء الاجتماع المحدثين بوصفه موضوعاً خاصاً للدراسة والبحث يمكن أن يشكل فرعاً خاصاً من فروع علم الاجتماع إلا في وقت متأخر من القرن العشرين حيث أصبحت الدراسة الاجتماعية للقانون تشكل الآن فرعاً خاصاً من فروع علم الاجتماع الأكاديمى تعمل على تطوير المعرفة في هذا المجال على المستويات النظرية والبحثية والتطبيقية، كما اهتم بهذا الفرع الجديد من فروع علم الاجتماع الدوائر القانونية والقضائية لما له من أهمية تطبيقية في تحسين أساليب تحقيق العدالة وترشيد السياسات التشريعية.

إن القانون لا يوجد أبدا في فراغ أو منفصلا عن البشر, فهو من صنع أو خلق الإنسان وهو الذي يعدل ويغير فيه، وهو الذي يفسره ويطبقه, وهو الذي يطيعه ويلتزم به أو يخرج عليه. تلك كلها مسائل بديهية لا يشك في صحتها أو يجادل فيها أحد. وللقانون في صورته الحالية, وبصفة خاصة في المجتمعات المركبة أو غير البدائية رجاله المتخصصون , سواء في صياغته وإصداره (المشرعون) أو في دراسته وتحليلية من حيث بنائه الخاص به ومضمونه وتفسيره, أي من حيث دراسته من الداخل (فقهاء القانون) أو من حيث تطبيقه (القضاة ) أو من حيث تنفيذ أحكامه (رجال الشرطة) تلك أيضاً حقائق لا اختلاف حولها.

Pin It on Pinterest